العنوان العلم أم الحكمة؟!
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر الخميس 01-أكتوبر-2015
مشاهدات 74
نشر في العدد 2088
نشر في الصفحة 82
الخميس 01-أكتوبر-2015
العلم وحده لا يكفي، وقد تغريه إغراءات التحقّق بالقوة بعيداً عن ضوابطها الدينية والأخلاقية والإنسانية، فتقود الأمم والشعوب إلى المحارق الكبرى، وإلى إعدام الملايين من البشر، وإلى ضرب مدنهم بالقنابل الذرية.
وقد تغريه إغراءات المنفعة والتحقّق بالكسب والتكاثر، فيلجأ إلى أي أسلوب مبرّر أو غير مبّرر؛ لتحقيق المطلوب.
وقد تغريه إغراءات اللذة والإشباع؛ فيندفع في هذا الطريق جارّاً خلفه الجماعات والشعوب والأمم إلى أودية الضلال والعهر، والرذيلة.
وقد تغريه إغراءات الأنانيات العرقية والمذهبية، على حساب الأمم والشعوب المستضعفة، فتندفع بما تملكه من علم لتحقيق أهدافها الشوفينية بعيداً عن أي اعتبار للقيم الدينية والأخلاقية والإنسانية.
وقد تغريه إغراءات التنمية والكشف المتواصل حتى لو قاده ذلك إلى خلق جيل من الإنسان الآلي الذي يهدّد بافتراس ما تبقى من حرية، وسعادة، وإلى تحويل الحياة البشرية إلى حالة ميكانيكية لا لون لها ولا طعم ولا رائحة.
وقد تغريه إغراءات الإعجاب بالذات، والاعتقاد بأنه يمتلك القدرة على حل كل معضلات الحياة، فيتمرد على الدين، ويلغي الله سبحانه وتعالى من حسابه، ويتألّه في الأرض.
العلم وحده لا يكفي، ما لم يتحرك ويبني مفرداته في ضوء دائرة أوسع، وفضاء معرفي أكثر شمولاً، يمنحه القدرة على الرؤية الصائبة، والالتزام بمنظومة القيم الخلقية والدينية والإنسانية، من أجل أن يأتي بثماره لصالح الإنسان، وليس ضد الإنسان.
ومن أجل ذلك يرفع القرآن الكريم نداءه: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (البقرة:269)، والحكمة هي تلك الدائرة الأوسع والفضاء المعرفي الأكثر شمولاً، والتي تنطوي بالضرورة على أبعادها الخلقية والدينية والإنسانية.. وإلاّ فهي الخسارة الكبرى أن نطلق العلم بدون "فرامل" الحكمة، والكسب الكبير للحركة العلمية إن تشكلت في دائرة الحكمة التي تعرف ببوصلتها الحساسة كيف توجه العلماء من أجل إنسانية الإنسان.
ومن أجل ذلك يقول "إدوارد ويلسون" في كتابه "التكامل المعرفي" (ص 294): "إننا نغرق في المعلومات، ونموت جوعاً إلى الحكمة"!
والسبب أن الغرب تخلّى عن الدين، وأعلن الحرب عليه، ففقَدَ القدرة على الحصول على الحكمة التي هي الربان الحقيقي للحركة العلمية، ولكل حركة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، فجنحت به الجوائح وقادته إلى هذا الذي ظل يعانيه القرون الطوال بسبب من غياب "الحكمة "، حيث تشكلت المذاهب والأفكار التي لم يتح لأي واحدة منها الدوام والاستمرار، إذ راح بعضها يضرب البعض الآخر ويخرجه من الساحة، ثم ما يلبث أن يبحث عن مذهب جديد لن يقدر له الدوام؛ لأنه سيتعرض هو الآخر للإخراج من الساحة وترك المجال لغيره من المذاهب والأفكار.
فالمثاليات الاشتراكية الطوباوية، والشيوعية، والوجودية، والقومية الشوفينية، والمسيحية بمذاهبها كافة، ثم الرأسمالية التي تعاني عبر العقد الأخير من جملة من الإخفاقات، لم يتح لأي واحد منها أن يجعل الغربيين المتمردين على الدين والإلوهية، يفيؤون إلى مذهب صالح، قدير على الاستمرار يقدّم لهم الخلاص.
ثم ها هي تيارات النقد الحديثة؛ البنيوية، وما بعد البنيوية، والتفكيكية، والسيمائية.. يضرب بعضها بعضاً ويخرجه من الحساب؛ لأنها هي الأخرى انطلقت من خصومة عاتية مع الله سبحانه وتعالى والدين.
وفي كل الأحوال، فإن الحكمة التي غابت عن العقل الغربي، هي السبب وراء هذا الذي يشهده عالم الغرب، ويكفي أن نتابع بعض الأرقام؛ إذ إن هناك غيرها الكثير، فواحد من كل عشرة من الأمريكيين يعانون من حالات الاكتئاب المركز الذي قد يقود إلى الانتحار، واليابان تخصص عام 2010م 30 مليار دولار من ميزانيتها العامة لملاحقة حالات الاكتئاب والانتحار في ديارها، والسويد تشهد تزايداً ملحوظاً في حالات اللجوء إلى الانتحار؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) (طه: 124-126).
وتلك هي ثلاث من أكثر الدول في العالم تقدماً علمياً، ولكنه التقدم الذي تعوزه الحكمة، ومن أجل ذلك قال "إدوارد ويلسون" مقولته تلك: "إننا نغرق في المعلومات ونموت جوعاً إلى الحكمة"، ومن أجل ذلك أعلنها القرآن الكريم: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)، وصدق الله العظيم.