العنوان العلم الحديث يكشف سرًّا من أسرار الطواف
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
مشاهدات 47
نشر في العدد 637
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
يبدأ الطواف من الحجر الأسود، فإن استطاع الطائف بالبيت أن يقبله قبله، وإلا أشار إليه وهو يقول: بسم الله الله أكبر، ثم يجعل البيت على يساره، فيطوف سبعة أشواط. قال الإمام القاضي الفيلسوف الطبيب أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المشهور «بابن رشد الحفيد» في بداية المجتهد ونهاية المقتصد وهو يصف كيفية الطواف:
«والجمهور يجمعون على أن صفة كل طواف واجبًا كان أو غير واجب أن يبتدئ من الحجر الأسود، فإن استطاع أن يقبله قبله، أو يلمسه بيده ويقبلها إن أمكن «أي اللمس»، ثم يجعل البيت على يساره ويمضي على يمينه، فيطوف سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأولى، ثم يمشي في الأربع، وذلك في طواف القدوم على مكة، وذلك للحاج والمعتمر دون المتمتع، وأنه لا رمل على النساء... ويستلم الركن اليماني وهو الذي على قطر الركن الأسود؛ لثبوت هذه الصفة من فعله صلى الله عليه وسلم».
وبهذه المناسبة نقول لأولئك الذين يمنعون الطائفين من استلام الركن اليماني، أنهم قد أخطأوا، فليس في ذلك بدعة؛ بل هو مشروع.. وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.. وإن كثيرًا من هؤلاء الذين يدفعون الناس عن البيت والتزامه، لا يعدون أن يكونوا جهلة أغمارًا.
وصفة الطواف هذه بجعل البيت عن يسار الطائف وبابتدائه من الحجر الأسود إنما هي حركة دائرية، تسمى «ضد عقارب الساعة».
CLOCKWISE ANTI هكذا
لأن حركة عقارب الساعة عكس ذلك ROTATION CLOCKISE هكذا
وإذا نظرنا إلى الكون بأكمله وجدناه في حركة دائرية أو أهليليجية لا تتوقف... وإن هذه الحركة هي على هيئة الطواف.
فالإليكترونات في مداراتها حول النواة تدور بنفس حركة الطواف حول البيت. أي حركة ضد عقارب الساعة، فإذا ارتفعنا من الإليكترونات وجدنا البويضة في لحظة التلقيح والحيوانات المنوية محيطة بها، وقبل أن تختار يد القدرة الإلهية واحدًا منها ليلقحها، نجد البويضة تدور نفس تلك الدورة العجيبة المشابهة لحركة الطائف بالبيت؛ أي أننا نجد عند تكون النطفة الأمشاج «المختلطة من نطفة الذكر ونطفة الأنثى» ... وهي بداية تكون الإنسان.. تلك الحركة الدائرية العجيبة التي تجعل مركز الدائرة عن يسارها، فتدور شوطا بعد شوط... كأنما هي طائف يطوف بالبيت ذاكرًا خاشعًا متبتلًا...
فإذا ارتفعنا من مستوى الذرات والإليكترونات ومستوى الخلايا الى مستوى الكرة الأرضية بكاملها، وجدنا لها دورتين أما الأولى فحول محورها، وتتمها في أربع وعشرين ساعة.. وعنها ينتج الليل والنهار.. وتعطينا يومنا الأرضي المقدر بــ ٢٤ ساعة. والدورة الثانية تتم في 3٦٥ يومًا لتكمل الدورة حول الشمس، وتعطينا بذلك ما نعرفه باسم السنة.. وعن هذه الدورة ينتج اختلاف الفصول..
والعجيب حقًا أننا نرى الأرض في دورتها: تلك التي حول نفسها وتلك التي حول الشمس، وكأنما هي طائف يطوف بالبيت خاشعًا متبتلًا، يجعل البيت عن يساره، ويدور حول البيت في تلك الحركة الفذة العجيبة، التي تسمى دورة ضد عقارب الساعة CLOCKWISE ROTATION ANTI.
فإذا انتقلنا إلى الأقمار والكواكب والنجوم وجدنا دورات ودورات... ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء: 33).
وكل دورة من هذه الدورات تشبه حركة الطائفين حول البيت.. حركة دائرية أو أهليليجة، تبدأ من يسار المركز، ثم تنطلق مسبحة لخالقها وبارئها، كأنما هي طائف يستلم الحجر الأسود، وهو يقول باسم الله الله أكبر، وتتحرك ذرات جسمه كلها في نفس الحركة التي تشمل الكون بأسره من الذرة إلى المجرة..
يا لله.. أي سر هذا الذي انكشف اليوم!! الكون كله من الذرة إلى المجرة في حركة دائبة دائرية أو أهليليجة كأنما هو طائف يطوف بالبيت، يجعل محور دورانه عن يساره، فيما يعرف بدورة «ضد عقارب الساعة».
كل ما في الكون يدور هذه الدورة من كهارب وخلايا وأقمار وكواكب ونجوم.. ومجموعات شمسية.. ومجرات.. ثم بعد ذلك نجد الملائكة يطوفون بالبيت المعمور لا يتوقفون عن ذلك ولا يخلو البيت منهم أبدًا...
وهكذا البيت في مكة المكرمة لا يخلو من الطائفين لا يخلو أبدًا سبحانك ربي سبحانك... ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ﴾ (النور: 41). ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 24).
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ (الرعد: 13). ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ﴾ (الأنبياء: 79).
فالكون كله يسبح لله ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ﴾ (النور: 41) وكل شيء خاضع له مستسلم لإرادته...
وكل ذرة في الكون ساجدة له خاضعة ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد: 15). ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (الحج: 18).
فكل ما في هذا الكون خاضع لله ساجد له مستسلم لإرادته إلا جانبًا واحدًا جعله الله في الإنسان وأناط به الثواب والعقاب وجعل له الإرادة ليختار أحد السبيلين إما شاكرًا وإما كفورًا، وهداه النجدين طريق الخير وطريق الشر، وجعل له الإرادة في ذلك، إما أن يختار سبيل المهتدين، وإما أن يهلك مع الهالكين.
وجعل له تلك الإرادة ليسجد مختارًا طائعًا لينسجم في ذلك مع الكون بأكمله.. أو يشذ عن ذلك فيهوي في قعر جهنم.. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم: 42-43).
فهنيئًا لك أيها الطائف.. وهنيئًا لك أيها الساجد الخاشع المسبح المتبتل.. فأنت في ذلك منسجم مع كل ذرة من ذرات هذا الكون العجيب، بما فيها ذرات جسمك وخلايا بدنك.. وهنيئًا لك السجود، فإنه لابد آت يوم لا يستطيع فيه السجود من أبى واستكبر اليوم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل