العنوان العلم الراشد يطلب من العبد الصالح العالم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1981
مشاهدات 75
نشر في العدد 525
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 21-أبريل-1981
قال تعالى:
﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف:66-69) فانطلقا (أ)... وهكذا بدأت الرحلة، وبهذا الأدب اللائق بنبي، يستفهم ولا يجزم، ويطلب العلم الراشد من العبد الصالح العالم.. ونظرًا لصعوبة العلم الذي يحمله هذا الرجل الصالح يعزم موسى على الصبر والطاعة ويستعين بالله، ويقدم مشيئته:
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف:69) فانطلقا... ثم تبدأ الرحلة.. وكذلك رحلة الداعية مع المربي، تبدأ عندما يضع ذلك التلميذ نفسه رهن إشارة أخيه بعد أن تأكد من إخلاصه لله.. ولا يملك إلا أن يقول لأخيه المربي كلما رأى أمرًا لا يستطيع تفسيره، أو شدة يريد بها إصلاحًا، أو أمرًا يحتاج إلى طاعة دون تردد، لا يستطيع إلا أن يقول ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف:69).
وهكذا تمضي رحلة المربي مع إخوانه وحاجاتهم ونفسياتهم المختلفة، فيعيش بها ولها كالشمعة التي تضيء للغير في الوقت الذي فيه تحترق.
وتمضي أيضًا رحلة الداعية مع أخيه المربي وإخوانه الدعاة وكلما مل الطريق واستعجل الثمرة تذكر قوله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ﴾ (الكهف:28)
(ب) فالله غايتهم، يتجهون إليه بالغداة والعشي، لا يتحولون عنه، ولا يبتغون إلا رضاه، وما يبتغونه أجل وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة.
اصبر نفسك مع هؤلاء.. صاحبهم وجالسهم ففيهم الخير، وعلى مثلهم تقوم الدعوات.. تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له، لا تبغي جاهًا ومتاعًا ولا انتفاعًا، إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه (۱).
فإن كانت هذه الغاية فعليك أخي الحبيب أن تصبر على جفوة أخيك المربي أو سوء خلق منه -إن ظهر ذلك- ولا يصدك ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته وأن تتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها، على أحسن تأويل، وتبدأ أنت عند جفوة الشيخ أو المربي بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وتنسب الموجب إليه وتجعل العتب عليك، فإن ذلك أبقى لمودة المربي وأحفظ لقلبه وأنفع للأخ في دنياه وآخرته.
وعن بعض السلف من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة.
وقال الشافعي رضي الله عنه: قيل لسفيان بن عيينة: إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم، يوشك أن يذهبوا أو يتركوك، فقال للقائل: هم حمقى إذن مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.
وقال أبو يوسف رحمه الله: خمسة يجب على الإنسان مداراتهم، وعدَّ منهم العالم ليقتبس من علمه (2).
وأخيرًا أخي الداعية
أضرب لك مثلًا عظيمًا ينتفع منه كل داعية، أمامنا شجرة عنب كثيرة الثمر، فكان غارسها إذا مر به صديق له.. اقتطف عنقودًا ودعاه فيأكله، وينصرف شاكرًا، فلما كان اليوم العاشر.. قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: ما هذا من أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوت أخاك، فأكل النصف، مددت يدك معه مشاركًا، إيناسًا له، وتبسطًا، وإكرامًا.
فقال: لأفعلن ذلك غدًا.
فلما كان الغد، وانتصف الضيف في أكله مد الرجل يده وتناول حبة، فوجدها حامضة لا تساغ، وتفلها، وقطب حاجبيه، وأبدى عجبه من صبر ضيفه على أكل أمثالها.
قال أبو حيان التوحيدي: فقال الضيف:
قد أكلت من يدك من قبل على مر الأيام حلوًا كثيرًا، ولم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك عطاءك السالف.
وما هذه من قصص الأغاليط، ولكنه مثل ضرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له، ومجاز تدلف منه إلى العدل مفتوح أمامك، فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة، واستقام له الصواب، فإن أخطأ معك أخ لك، فلا تجرمنك كبوته على الهجران، والتأفف والضجر والانتقاص منه، بل ولا على العقاب، إنما تتصبر وتكظم وتعفو في سيرك، مستحضرًا جمال سابقاته، وجياد أفعاله وحلو مكرماته، إذ لعله أعانك على توبة، أو ظاهرك عند تعلمك رديفًا ورفيقًا وسميرًا، أو علمك بابًا مما علمه الله وطريفة (3).
أخي الحبيب
لعل ذلك الأمر يضيء لنا جوانب أخرى في العملية التربوية التي نعايشها وتحتاج منا إلى بذل وتضحية، وصبر يغذيه إخلاص لله.
والحمد لله رب العالمين...
الهوامش
(1) الظلال 4/2268 باختصار بسيط.
(2) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص91-92 بتصرف بسيط
(3) الرقائق للمراشد / ۹۱- ۹۳ «وجزء منه من كتاب الامتاع والمؤانسة 2/121».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل