العنوان العمل النقابي العربي: الواقع والآفات
الكاتب أشرف سلامة
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990
مشاهدات 61
نشر في العدد 974
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 17-يوليو-1990
رغم أن انتظام
العمال العرب في أطر نقابية للدفاع عن حقوقهم وتحقيق طموحاتهم يُعتبر حديثًا
نسبيًا، ومع أنه لا مجال للمقارنة بين المنظمات النقابية في الدول المتقدمة
ومثيلاتها في البلاد العربية، فإن المتتبع لمسار العمل النقابي في الوطن العربي لا
بد أن يتساءل في هذه المرحلة عما حققه الشغالون العرب الذين ناهز عددهم سبعين
مليون نسمة، وإلى أي مدى نجحت نقاباتهم في تنظيم صفوفهم وانتزاع حقوقهم والتعبير
عن إرادتهم.
لا شك أن معظم
المنظمات النقابية في العالم العربي ولدت وترعرعت في ظل أيديولوجيات مستوردة من
الشرق أو الغرب، وتتلمذ أوائل النقابيين العرب في نقابات أجنبية، وعلى أيدي
نقابيين أجانب في أوج عهد الماركسية البائد، وما عُرِفَ بالصراع الطبقي بين
البورجوازية والطبقة الشغيلة، بل لقد ساعدت فكرة الأممية التي كانت سائدة في
الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن على انخراط عرب مسلمين في نقابات أجنبية،
معتقدين أن هذه النقابات ستدافع عن حقوقهم، وأنها لا تفرق بين عامل وعامل على أساس
الجنس أو اللون، باعتبار أن قضية العمال هي قضية واحدة، وأن الكل يتعرض لاستغلال
رأس المال، وقد كانت هذه الظاهرة واضحة في عهود الاستعمار بالخصوص، وتركت بصماتها
على العمل النقابي العربي حتى بعد الاستقلال؛ حيث ظلت الهياكل النقابية العربية
على شاكلة الهياكل النقابية الأوروبية، وظلت طروحاتها وأساليب عملها وشعاراتها
شبيهة إلى حد كبير، إن لم تكن هي ذات الطروحات والأساليب والشعارات لدى النقابات
الغربية أو الشرقية في الدول المتقدمة. وقد كان ذلك خطأ فادحًا وقعت فيه النقابات
العربية، تسبب في الحد من إشعاعها وإقبال العمال عليها؛ ذلك أنها تجاهلت خصوصيات
العامل العربي وبيئته الاجتماعية والثقافية والدينية، فلم تستطع تعبئة العمال
العرب من أجل تحقيق الأهداف المرسومة، وعجزت لهذا السبب ولأسباب أخرى عن تحقيق
إنجازات كبرى في مجال العمل النقابي.
ولو عدنا إلى
بدايات العمل النقابي العربي لوجدنا هذا العمل متداخلًا مع النضال السياسي الذي
قادته حركات وطنية أو أحزاب سياسية؛ لأن الحقوق النقابية في ذلك الوقت كانت تلتقي
مع الحقوق الوطنية. فمنذ ظهور أول نقابة في مصر عام 1899 والتي أسسها عمال التبغ
المصريون مع الأجانب، طالب العمال المصريون بزيادة الأجور والمساواة مع العمال
الأجانب، وتقنين عمل الأطفال والنساء، ونفس المطلب وهو رفع التمييز بين العمال
الوطنيين والعمال الأجانب نادى به العمال المغاربة إبان العهد الاستعماري، ومن هنا
وقع الصدام بين المستعمرين والنقابيين العرب، وصار النضال النقابي جزءًا من النضال
ضد المستعمر؛ ذلك أن العمال العرب بعد أن تأكد لهم أن الانضواء تحت لواء النقابات
الأجنبية لا يُجديهم شيئًا، صاروا يناضلون من أجل الحق النقابي؛ أي حقهم الأساسي
في أن تكون لهم منظمات خاصة بهم، تمثلهم وتدافع عن حقوقهم التي ينتهكها في آن واحد
المستعمر ورأس المال الأجنبي، وإن كانا وجهين لعملة واحدة.
تنكر
لدور العمال:
ومما يؤسف له
أنه بعد أن تحقق الاستقلال للبلدان العربية تَنَكَّرت الأحزاب الحاكمة ومن وصل إلى
السلطة لمنظمات العمال، وهَمَّشَت دور الشغيلة سواء عن طريق سن قوانين وتشريعات
عمل تُضَيِّق على النقابات، وتَشُلُّ حركتها، وتَسلبها حريتها وتُنْقِص من أهمية
دورها، أو أحيانًا عن طريق ضربها مباشرة، وقمع قيادييها لإيقاف عملها أو تنصيب
«ممثلين للعمال» لا يمثلون في الواقع إلا أنفسهم ومن نصبهم. إن تدخل السلطات في
العمل النقابي هو الذي أعاق نمو الحركة النقابية في العالم العربي وفي الدول ذات
الكثافة السكانية والكثافة العمالية بالخصوص، ومن المعوقات الأخرى أيضًا افتقار
بعض الدول الغنية والمحدودة السكان إلى المنظمات النقابية والوحدات الصناعية
الكبرى التي تعطي قواعد عمالية عريضة يمكن أن تضغط من أجل تشكيل نقابات وطنية،
وحتى عندما تتكون النقابات فإنها لا بد أن تخضع لشروط السلطات الحاكمة، وتتكيف مع
تشريعاتها الهادفة إلى الحد من الحريات النقابية، ومراقبة أي نشاط نقابي مهما كان
رغم أن ذلك يتعارض -في مجمله- مع ما وقعت عليه تلك السلطات من مواثيق واتفاقيات
دولية نصت فيما نصت عليه على أن للعمال الحق في تكوين نقابات من غير موافقة مسبقة لكن
في كنف الشرعية.
ساء
الوضع فوقع التصادم:
لقد تنامت
الحركة النقابية في العديد من الدول العربية في الثمانينيات بصفة مشهودة، وعرفت
تحولات هامة في دول، مثل: مصر، وتونس، والسودان، والجزائر، والأردن، ومرد ذلك
الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي ضربت أول من ضربت الطبقة الشغيلة؛ فساءت أحوالها
المعيشية، وتدهورت أوضاع العمل عمومًا بازدياد حجم البطالة، وضعف القدرة الشرائية
للمرتبات المهتزة بفعل التضخم، وكذلك نتيجة بعض القوانين المجحفة بحق العمال
كالقوانين التي تسهل دخول رؤوس الأموال الأجنبية لاستغلال الأيدي العاملة الرخيصة،
وكقوانين الانفتاح في مصر التي قلصت الطبقة الوسطى لتدفع بالجانب الأكبر منها إلى
الحضيض، في حين رفعت حفنة من السماسرة «والفطوية» ورجال الأعمال المشبوهين إلى
طبقة المليونيرية، فكان لا بد أن يتحرك العمال، لا سيما في مناسبات رفع أسعار
السلع الضرورية شاقين أحيانًا عصا الطاعة على القيادات النقابية الشكلية المنصبة؛
مما أحرج تلك القيادات، وعجل باستبدالها في إطار صراع نقابي خاضته الإطارات
النقابية الوسطى، وقدمت فيه تضحيات جسيمة.
لقد كانت الهزات
التي عرفتها بعض البلدان العربية مؤشرًا على تنامي الوعي النقابي من جهة، وشعور
الشغالين بضرورة العمل على إعادة تكوين نقاباتهم بحيث تكون حقًّا ممثلة لهم بعيدًا
عن البيروقراطية التي تردت فيها من قبل، وقد ساعد على ذلك الصحوة الإسلامية التي
تفاعلت مع الحركة النقابية، فدخل الإسلاميون على الخط النقابي ليدفعوه إلى الأمام،
وليخلصوه من الهيمنة السياسية، وليجذروه في إطار مبادئ العدل والمساواة الإسلامية
دون أن يخرجوا به عن إطار النضال الوطني للتخلص من إشكال التبعية، ولشق طريق الأمة
نحو الرفعة والازدهار والسؤدد، ومن هنا تحالف المستفيدون اقتصاديًا وسياسيًا من
الوضع السائد ليواجهوا النقابيين، فكان الصدام، وكان المأزق الذي لم تخرج منه لا
السلطات الحاكمة، ولا النقابات إلا بعد دفع ثمن باهظ، وبحلول ترقيعية لا يمكنها أن
تبقى صامدة لفترات طويلة ما دامت القاعدة المثلى للتعامل لم تتوفر بعد.
المرحلة
القادمة والمهمات الشاقة:
إذا استشرفنا
المرحلة القادمة اعتمادًا على الواقع الجديد الذي تعيشه اقتصاديات الدول العربية
في إطار التحولات العالمية السريعة، فإننا نرى أن النقابات العربية مقبلة على
مرحلة صعبة جدًا، وأن مهمات وطنية كبرى تنتظر النقابيين العرب أشبه بتلك المهمات
التي عرفوها في عهد الاستعمار. آن لهم آنيًا ومستقبليًا أن لا يُقَصِّروا جهدهم
على العمل النقابي المطلبي البحت، بل أن يُسهموا بطاقاتهم في حركة التحرر العربي
من كل أشكال التبعية الاقتصادية، وأن يضعوا مصلحة العمال ضمن مصلحة الوطن ككل في
ظل ظروف صعبة وتوجهات ليبرالية، ربما ستعصف بما تبقى من المكتسبات العمالية.
هذه التوجهات
التي ينصح بها البنك الدولي وصندوق النقد العالمي اللذان يخدمان رأس المال العالمي
أولًا وأخيرًا، ويُخشى أن تكون سمات الفترة المقبلة في عالمنا العربي مزيدًا من
النزوح والهجرة، ومزيدًا من البطالة، وتدهورًا في الأجور، ومزيدًا من التشريعات
المكبلة؛ ولذلك لا بد من تجديد دماء النقابات الموجودة حتى تكون أجدى وذات فاعلية
وتأثير كبيرين؛ حيث لا مفر من مواجهة رأس مال لا يعرف حق الله، ولا حق العباد، وهو
يتعاظم يومًا بعد يوم على حساب المضطهدين، وهذا يقتضي عملًا توعويًا كبيرًا
ومستمرًا ومكثفًا من أجل تعبئة الطاقات، وحفز الهمم، ويضع على كاهل الأطر النقابية
مسؤوليات جسامًا؛ إذ لا بد أن يخرج من لم يخرج بعد من برجه العاجي، ويلتحم بجماهير
العمال، ولا بد أن نمارس الديمقراطية الحقيقية لتكوين الهياكل النقابية حتى تحظى
بالمصداقية التي فُقِدَت في بعض الأحيان في الأوساط العمالية، ولا بد أن يكون الهم
الأول للنقابيين العرب توسيع دائرة حرية العمل النقابي والممارسات النقابية
الأساسية، وإذا ما تحقق للعمال العرب ذلك، فإنه يحق لهم أن يأملوا في ترسيخ عمل
نقابي مشهود يحفظ لهم حقوقهم، ويسهم بدور فعال في مسيرة الأمة الإنمائية.