; العنصرية القنبلة الموقوتة في المجتمع الأمريكي | مجلة المجتمع

العنوان العنصرية القنبلة الموقوتة في المجتمع الأمريكي

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

مشاهدات 95

نشر في العدد 1026

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 24-نوفمبر-1992

في أعقاب الأحداث التي شهدتها مدينة لوس أنجلوس في الربيع المنصرم قامت مجلة «لوس أنجلوس تايمز» بإجراء استطلاع للرأي لمعرفة ما يراه سكان المدينة بأنه أنجع بلسم لشفاه جراح المدينة، وكانت نتيجة هذا الاستطلاع أن (900) شخص من السكان يرون بأن الحل الأمثل يكمن في زيادة المساعدات الحكومية، وقمع عصابات الجرائم وتجار المخدرات، وفرض احترام القانون، كما أن هناك من يرى أن الدواء يكمن في رفع مستوى التعليم، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، بيد أن الحل الأول يتمثل في العلاج النفسي؛ حيث يرى معظم السكان أنه من الضروري تجديد الجهود المبذولة من أجل زيادة الاتصال والتفاهم بين مختلف فئات المجتمع الأمريكي.

إن هذه الوصفات تبدو بعيدة المنال، ولكن الدراسات التي تم إجراؤها إبان الأحداث الأخيرة قد سلطت الضوء على بعض الجذور الحقيقية لهذه الأحداث (مثل الخفض في مساعدات سكان المدن، أو عدم ازدهار أسواق العمل) والسكوت عن غياب التفاهم بين الجماعات العرقية والتفرقة بينها، وفي عام 1964 حذر مارتن لوثر كينج المجتمع الأمريكي قائلًا: «علينا أن نختار بين العيش جميعًا كإخوة أو الهلاك معًا كأوغاد» وأكدت لجنة كيرنير المشهورة في عام 1968 أن الفجوة التي سببتها التفرقة العنصرية أخذت تضيق، غير أن الأمر يحتاج إلى «مواقف جديدة وتفاهم جديد وفوق كل ذلك إرادة جديدة».

في الواقع فطوال السنوات اللاحقة لم نشاهد أي تطور في المواقف، أو في العمل من أجل إرساء روح التفاهم، وإن المزيد من الصراعات داخل المدن لا يساهم إلا في تعميق التفرقة العنصرية وتأجيج العمليات العدائية.

قبل خمسين سنة كانت غالبية الأمريكيين البيض يؤيدون فكرة الفصل والتمييز (العنصريين) ضد السود، كما أنه قبل (25) سنة كانت نسبة (71%) من البيض يعتقدون أن السود يقطعون خطوات سريعة جدًا في سعيهم نحو تحقيق المساواة، واليوم نشاهد تقلبات في الموازين؛ حيث إن الغالبية العظمى من البيض يؤيدون مبدأ المساواة في المدارس والوظائف والإسكان، وفي مجالات عامة أخرى.

وعلاوة على ذلك فإن كثير من الدراسات التي أجريت في أعقاب الأحداث على المستوى الوطني تؤكد وجود مؤشرات تبشر بالانسجام العرقي، كما أجمع معظم البيض والسود على أن محاكمة السائق رودني كينج كانت غير عادلة، وأن عمليات العنف التي أعقبتها لا مبرر لها، وبينت هذه الدراسات أيضًا أن هذه الأحداث قد قللت من تعاطف البيض مع الفقراء من السود، على الرغم من أن الرأي العام الأمريكي يميل إلى الاعتقاد بأن الحكومة تصرف قليلًا جدًا من أجل تحسين أوضاع السود.

وبصفة عامة، فإن ظاهرة الإجحاف بحق السود مازالت منتشرة وكأنها فيروس يصيب غيرهم، بيد أن أشد أشكال العنصرية أخذت في التلاشي، ولو أن بعض التوترات تطفو على السطح بين فينة وأخرى، وفي السابق كانت النظرة الدونية تجاه السود مصدرًا للعنصرية، والاعتقاد بأنهم مسؤولون عن مأزقهم، واليوم فإن هذه العنصرية أخذت طابعًا ثقافيًا؛ حيث يتهم السود اليوم بالكسل والافتقار إلى طموحات، وفي الواقع فإن معظم هذه الاعتقادات خاطئة، ولو أن بعضها لا تنأى عن الصواب غير أنها مبالغ فيها، ومن المؤسف أن كثيرًا من البيض مازال يتمسك بهذه الخرافات المجحفة بحق السود، والمبنية على انطباعاتهم عن الجماعة الأشد حرمانًا هذه بعض الأمثلة:

       ·   العمل

جاء في استفتاء أجرى في عام 1990 حول الأوهام التي يعتقد بها البيض، والمتمثلة في أن السود يفتقرون إلى طموحات؛ حيث بينت النتيجة أن (62%) من البيض يعتقدون بأن السود أكثر كسلًا من البيض، كما اعترف (78%) منهم أن السود يفضلون الإعانة الاجتماعية على العمل براتب، وفي الواقع فإن السود هم أكثر كدًا وشغفًا للعمل من البيض طوال هذا القرن، بغض النظر عن عاملي العمر والجنس. وعلاوة على ذلك فإن المواطنين السود الذين يمثلون (12%) من سكان أمريكا محرومون نسبيًا من الإعانة الاجتماعية إذا ما قورنوا بنسبة البيض الذين يستفيدون منها (55%) كما فشلت دراسات عديدة في الإثبات بأن السود يفضلون الإعانات الاجتماعية.

      · الجرائم والشرطة 

ثمة أوهام أخرى لدى البيض، وتتمثل في أن السود يميلون إلى العنف، ويكرهون التطبيق الصارم للقوانين؛ فقد بينت دراسات أجريت في عام 1990 أن نصف البيض يعتقدون بأن السود هم أكثر ميلًا إلى العنف من البيض، كما بينت دراسات أخرى أجريت في الستينيات إبان أعمال شغب أن (30%) من ضباط الشرطة البيض يعتقدون بأن معظم السود يعتبرون رجال الشرطة أعداءهم.

في الواقع فإن كل هذه الاعتقادات كانت خاطئة؛ حيث إن الغالبية العظمى من السود لها موقف إيجابي تجاه رجال الشرطة، وأكد ذلك تقرير نشر في العام الحالي، ويفيد بأن (85%) من السود يرون أن قيام رجال البوليس بمكافحة الجرائم أمر عادل ومرغوب فيه، وهذه النسبة قريبة من نسبة الـ (90) من البيض المؤيدين لهذه المكافحة.

إن لدى بعض السود -وخاصة الشباب منهم- نظرة عدائية إزاء رجال البوليس، وأن هؤلاء غالبًا ما يستبعدون وقوعهم في اشتباكات دامية مع الشباب السود، غير أن الدراسات تبين أن هناك مبالغة كبيرة في مدى عداوة السود لرجال القانون، وحتى في أعقاب أحداث لوس أنجلوس الأخيرة بين استفتاء أن (60%) من السود هناك يرون أن رجال البوليس قد أبلوا بلاء حسنًا في خفض معدل الجرائم، بينما يشاركهم في هذا الرأي (72%) من البيض.

بالطبع فإن السود -أو على الأقل الشباب منهم- يقومون بارتكاب الجرائم؛ حيث إنهم يمثلون (45%) من المدانين بجرائم العنف، غير أن الفارق الكبير في معدل المعتقلين من السود والبيض يرجع بطريقة أو بأخرى إلى حقيقة أن السود يطلبون من رجال البوليس حبس أطفالهم المجرمين أكثر من البيض، ثم إن معظم الجرائم التي يرتكبها السود غالبًا ما تكون بحق أبناء جلدتهم، وإن السود هم أكثر خوفًا من المشي بالليل وحيدين، كما أنهم أكثر حاجة إلى الأمن في منازلهم وشأنهم شأن البيض يطالبون رجال البوليس بتوفير حماية أكثر.

      · التمييز في الوظائف والإسكان

ويؤمن البيض أيضًا بخرافة تتمثل في أنه لم تعد هناك ممارسة أي تفرقة عنصرية ضد السود في الوظائف والإسكان؛ حيث إن ثلث البيض يرون أن السود متساوون مع البيض في فرص العمل والحصول على السكن، وفي الواقع فإن الدراسات التي قد أجريت تدحض هذا الزعم، وتؤكد بأن التفرقة العنصرية في هذين المجالين مازالت قائمة بناء على تجربة أجريت في هذا الشأن على عائلتين: إحداهما مكونة من زوجين سود، وأخرى من زوجين بيض لهما نفس الاحتياجات والمؤهلات للحصول على السكن، وبينت هذه الدراسات أن المكاتب العقارية تمارس التفرقة العنصرية ضد السود عندما يتقدم هؤلاء لطلب الشقق لطلب عن طريق إخفاء الشقق الخالية أو الجاهزة عنهم، أو عرقلتهم في إجراءاتهم للحصول على قروض الإسكان.

وقد اكتشف أيضًا أن ما بين (60% إلى 90%) من الشقق المؤجرة في بعض الولايات المتحدة لم يطلع عليها طالبو الشقق من السود، كما أفاد تقرير من البنك المركزي الأمريكي أن طلبات السود لقروض الإسكان أكثر عرضة للرفض من مثيلاتها من طلبات البيض الذين يمكن مقارنتهم من حيث الظروف الاقتصادية.

وفي أماكن العمل فإن التفرقة العنصرية تبدو أقل وجودًا، ولو أنها مازالت حاضرة في عمليات فرز المتقدمين لطلب التوظيف لدرجة أنه وجد أن من بين كل خمسة متقدمين للعمل لا يتم إلا توظيف أسود واحد فقط.

     · تحمل المسؤولية

تهيمن على عقول البيض أيضًا خرافة أخرى، وهي أن السود يلقون باللائمة على الجميع ما عدا أنفسهم بخصوص المشاكل التي تحاصرهم، ومنذ عام 1977 أجمع غالبية البيض على أن السبب الرئيسي في ميل السود أكثر من البيض إلى اختيار «أسوء الوظائف» والحصول على أدنى دخل، والإقامة في أسوء البيوت يرجع إلى افتقارهم إلى الحوافز أو قوة الإرادة لاجتثاث أنفسهم من الفقر، في الواقع فإن هذه الأوهام واهية، فبالنسبة لمسألة توزيع اللوم فإن السود يرون أن لدى الحكومة حلولًا سحرية لمشاكلهم، كما أنهم لا يجنبون أنفسهم تحمل قسط من اللوم؛ حيث جاء في آخر استفتاء أجري في هذا الصدد أن السود يميلون إلى الاعتماد على أنفسهم من أجل تحسين أوضاعهم الشخصية والعائلية، في الحقيقة فإن السود شأنهم شأن البيض في عدم التردد في توجيه اللوم إلى الضحية والدعوة إلى تحمل كل فرد مسؤولياته.

وقد طرحت السؤال الآتي في استطلاع للرأي أجري في عام 1988 على المواطنين الأمريكيين «هل تعتقد أن السود لم تتح لهم فرصة الخروج من الفقر أم لا؟ وهل هم مسؤولون عن أوضاعهم أم المجتمع برمته»؟ وكانت النتيجة أن (30%) من السود يرون أن السود هم مسؤولون عن تردي أوضاعهم المعيشية، في حين لا تتجاوز نسبة البيض الذين يشاركونهم في هذا الرأي (29%) كما أن (52%) من السود و(38%) من البيض يرون أن السود لو بذلوا مزيدًا من الجهد لوصلوا إلى مستوى الثراء الذي يتمتع به البيض، وعلاوة على ذلك فإن العلاقات العرقية غالبًا ما تغيب عن اهتمامات الناخب الأسود، وأكد ذلك استفتاء أجري أخيرًا يبين أن الاقتصادي والتعليم العام والرعاية الصحية تحتل صدارة هموم الناخبين، سواء البيض أو السود، وأن (14%) فقط من السود و(5%) من البيض قد أولوا أهمية لهذا الجانب.

ظاهرة خطيرة

وثمة ظاهرة أخرى قد تكون لها انعكاسات خطيرة، وهي مبالغة كل من البيض والسود في الاعتقاد بوجود التفرقة العنصرية، ذلك أن معظم البيض يبالغون في تقدير مدى دعم بعض أبناء جلدتهم للتمييز العنصري، كما أن السود يبالغون في مدى اعتقاد البيض بأن السود يعوزهم النظام ومولعون بارتكاب جرائم العنف، في الواقع فإن السود والبيض في منطقة واحدة هم أكثر ارتباطًا ببعضهم البعض، وإجماعًا أيضًا على عدالة الشرطة، إن الحل الأمثل لهذه المعضلة يكمن في استئصال جذور الفقر من المناطق الأكثر فقرًا، وإن ازدياد اختلاط البيض بالسود في أماكن العمل وداخل البيوت والمجتمع بصفة عامة أكثر من أي وقت مضى من شأنه أن يقلل من التمييز العنصري والآراء السلبية المتبادلة بين الطرفين.

إن مزيدًا من التسامح لن يحل كافة المشاكل العرقية، ولكنه لا بأس من أن تتحول «هم» إلى «نحن» في يوم من الأيام.

الرابط المختصر :