العنوان العولمة العسكرية أولًا
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مشاهدات 81
نشر في العدد 1371
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
قليلون ممن تناولوا موضوع العولمة توقفوا أمام جانبها العسكري، فأغلب الذين التقطوا الظاهرة الجديدة، ولا سيما من المتحمسين لها، ركزوا على ما حدث في العقدين الأخيرين من ثورات وتطورات علمية وتقنية، خصوصًا في مجالات المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيا العالية، وما تبع ذلك من ولادة الشركات العملاقة متعدية الحدود والتي راحت تنادي بفتح جميع الأسواق لتصبح كلها سوقًا عالمية واحدة.
على أن هؤلاء لم يلحظوا أن الدعوة لهذا النمط من العولمة أو النظام العالمي جاء فورًا بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك كل من حلف وارسو والاتحاد السوفييتي، وإلى حد ما بعد حرب الخليج الثانية.
بكلمة أخرى، لم يلحظوا ما حدث من تغيير في ميزان القوى العسكرية على مستوى عالمي نتيجة انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية على الصورة التي انتهتا إليها، وإذا كانوا قد لحظوا أن أمريكا خرجت من تلك النتيجة الدولة الأكبر، وقد راحت تعمل لبناء نظام عالمي وحيد القطبية، أي تحت قيادتها المنفردة، فإنهم أسقطوا ما تحمله هذه المسألة من هيمنة عسكرية أمريكية على العالم، فضلًا عن الهيمنة السياسية قبل أن يترجم ذلك إلى هيمنة اقتصادية، ويكفي أن نلحظ أن إجراءات تحقيق تلك الهيمنة الاقتصادية أو بناء نظام العولمة هما على أجندة التنفيذ وما زالت أمامهما سنوات وسنوات قبل أن يستقر لهما الأمر.
جاءت حرب كوسوفا لتكشف أن كل ما قيل ويُقال عن ثورات علمية وتقنية في عالم الاتصالات والتكنولوجيا والمعلوماتية كان قد وُلد وتحقق منذ زمن في حضن الآلة العسكرية الأمريكية، لماذا؟ لأن السذج وحدهم لا يلحظون أن سيادة الدول وبناء الأنظمة العالمية وتحديد مناطق النفوذ الاقتصادي والثقافي والسياسي تتحقق من خلال الجيوش أولًا وقبل كل شيء، وهذا ما جعل جيوش الدول الكبرى الحاضنة الأولى والأساسية للأبحاث العلمية والتطويرات التقنية من أجل خدمة الآلة العسكرية أولًا، ومن ثم تنزل إلى السوق المدني بعد أن تصبح متخلفة جيلًا أو جيلين عن تطورات أصبحت قيد العمل في الوحدات العسكرية.
فالعولمة الأمريكية التي يتحدثون عنها مسألة لاحقة للعولمة العسكرية الأمريكية، نحن إزاء محاولة فرض هيمنة عسكرية عالمية لا تقف في وجهها سيادة الدول ولا تحد مداها حدود أي هيمنة على دول العالم قبل أن تتحول إلى هيمنة على أسواق العالم.
ما من نظام اقتصادي عالمي عرفه العالم منذ مائتي عام على الأقل حتى اليوم لم يعكس ميزان القوى العسكرية فيما بين الدول الكبرى أولًا، وفيما بين الدول الكبرى ودول العالم الأخرى ثانيًا، وما من نظام اقتصادي، أو سوق عالمي أو حتى إقليمي أو على مستوى بلد واحد يمكن أن يعمل دون مظلة عسكرية تحميه.
هذه بدهيات، وإذا كانت كذلك فكل حديث عن عولمة اقتصادية يجب أن يسبقه حديث عن عولمة عسكرية، وهذه تعني الهيمنة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والهيمنة تعني فرض الإرادة على المهيمن عليه ووضعه سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وقبل ذلك عسكريًا، في وضع يكرس تلك الهيمنة ويخدمها ويعيد توليدها.
ومن هنا، فإن ما يبدو كأنه اختيار لنظام اقتصادي عالمي يفتح الأسواق بما يفتح من فرص متكافئة للجميع في التنافس الاقتصادي، هو في الحقيقة، نظام اقتصادي يقع تحت هيمنة عسكرية وسياسية محددة، الأمر الذي ينفي كل نظريات الفرص المتكافئة أو المنافسة الشريفة والمتاحة إلا بالقدر الذي تتيحه تلك الهيمنة، أو على الأصح ما يتيحه ميزان القوى العسكري والسياسي العالمي القائم.
ولهذا، فإن التعامل مع العولمة يجب أن يبدأ في الميدان العسكري على مستوى الدول الكبرى، وهذا يفسر السباق المحموم على التسلح، والذي أخذ يتصاعد بعد انتهاء الحرب الباردة، فليس صدفة أن تسعى أوروبا لبناء قوة عسكرية موحدة مستقلة عن الأطلسي، وليس صدفة أن تعلن الصين عن امتلاكها لتكنولوجيا القنبلة النووية أو تعلن روسيا عن الحاجة إلى تحديث ترسانتها العسكرية، وليس صدفة أن تضع أمريكا خططًا جديدة لمشروع حرب النجوم. أما على المستوى العربي، فيجب أن ندرك تمامًا مضاعفة الدولة العبرية خلال العشر السنوات الماضية من تسلحها وتطوير سلاحها التقليدي والنووي وما يعنيه ذلك من وضع النظام الشرق أوسطي المقترح أو أي نظام شرق أوسطي قادم تحت المظلة العسكرية العبرية.
وإذا كان الأمر كذلك على المستوى العسكري، فإنه كذلك أيضًا وأشد على المستوى السياسي، حيث لا بد من أن تقاوم الهيمنة الأمريكية على القرار السياسي، حتى يكون بالإمكان مواجهة العولمة الاقتصادية التي ستصوغ السياسة شروطها في ظل ميزان القوى العسكري.
وهو ما يعطي أهمية كبرى لمواجهة العولمة الأمريكية العسكرية والسياسية ومن ثم العولمة الاقتصادية، من خلال تشكيل رأي سياسي عالمي من الدول الأخرى والشعوب من أجل صياغة نظام عالمي يراعي مصالح الشعوب جميعًا، مراعاة متوازية نقيضًا لنظام العولمة الذي يفرض هيمنة دولة واحدة ويراعي مصالح تلك الدولة فقط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 2176
91
الأربعاء 01-فبراير-2023