; في مؤتمر الإسلام والقرن الحادي والعشرون : العولمة صورة جديدة من الهجمة على حركة الشعوب وتهديد هويتها | مجلة المجتمع

العنوان في مؤتمر الإسلام والقرن الحادي والعشرون : العولمة صورة جديدة من الهجمة على حركة الشعوب وتهديد هويتها

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 57

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 21-يوليو-1998

  • فرض العولمة بالمفهوم الغربي يولد شعورًا بالضغط والقهر... ويفتح الطريق للتوتر العالمي

  • التعددية الحضارية أداة لتنافس العالمي، ومظهر من مظاهر الوحدة الإنسانية.

  • د. مراد هوفمان: أحذر من الخطر الذي يحمله رحم المستقبل للمسلمين الذين يعيشون في بلاد الغرب.

حول واحدة من أهم قضايا الحراك الحضاري، أنهى المؤتمر العام العاشر الذي عقده المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة أعماله مؤخرًا بمشاركة أكثر من ألف باحث وعالم ومفكر، تلاقت أبحاثهم ومداخلاتهم حول قضية الساعة «الإسلام والقرن الحادي والعشرون».

وقد تشكل هيكل المؤتمر من أربعة محاور هي: الإسلام والتطور الحضاري، وموقف الإسلام من العولمة في المجالات السياسية، والاقتصادية، ومجالات التقدم العلمي، فيما تم طرح عدد من التفريعات العلمية المهمة تحت كل محور من هذه المحاور، تتناول قضايا التكامل بين الحضارات، وتعانق العقل والإيمان، ورفض عنصرية الحضارة، إلى جانب بيان مفهوم العولمة وموقف الإسلام منه، مع مقدمات تفسيرية لقضايا الشورى والديمقراطية وحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية، وعرض طاقات وإمكانات العالم الإسلامي على بساط المشاركة في حركة العولمة الضاغطة في مجالاتها المختلفة، واستنفار الجهود الإسلامية في الإقلاع الحضاري في القرن المقبل قرن التحولات الكبرى.

وليس جديدًا أن تأسيس مسارات الحوار والتعاون في العالم، تحكمه مجموعات وتكتلات عنصرية وثقافية، تعبث بها الأصابع الصهيونية الخفية إلى حد بعيد، وأن هذه التكتلات التي تشكل قوى الضغط في الحركة الدولية، تسعى لفرض رؤيتها تبعًا لمصالحها وقدراتها، ضاربة عرض الحائط بالآخرين، ومتحفزة لإدارة صراع دولي ينبني على هذه الرؤية وتداعياتها، بدلًا من حوار وتعاون دوليين.

وفي واحد من أهم بحوث المؤتمر حول موقف الإسلام من العولمة في المجال السياسي، تناول الدكتور محمد فاروق النبهان- مدير دار الحديث الحسنية بالمغرب- شعار العولمة، حيث ناقش تطور فكرة العولمة كمصطلح جديد يعبر عن حاجة المجتمع الإنساني المعاصر في هذه القرية الكوكبية للتعاون والتكامل في القضايا التي ترتبط بها حياة هذا المجتمع وأمنه واستقراره وتطوره، سواء في المجال الاقتصادي الذي يعتبر الأساس في كل تنمية حقيقية، أو في المجال السياسي الذي يحقق الأمن والاستقرار، أو في المجال العلمي والمعرفي والثقافي الذي يمهد الطريق أمام الإنسان لتقبل فكرة التعددية الثقافية المحكومة بضوابط التكامل الإنساني في مواجهة المشكلات المتولدة بالصيغ العادلة الملائمة، والعولمة- وفقًا لهذا التصور التكافلي- خطوة حضارية، لأنها نتاج وعي بشري معاصر للنهوض والتقدم والمشاركة ، إلا أن هذا الشعار الذي يسعى إليه الإسلام في عالميته وإنسانيته، قد بدأ ينحرف عند الغرب، بل نستطيع القول إن العولمة قد ولدت من رحم التنافس، وليس التناحر، ويزيد من حدة هذه الفجوة بين الدول المتقدمة الغنية والدول المتخلفة الفقيرة، تدخل الأقوياء بصورة غير مقبولة من الاستعلاء والهيمنة في إدارة الحركة العالمية، بما يتنافى مع حق الشعوب في الدفاع عن هويتها الثقافية واستقلالها السياسي.

إحياء سياسات استعمارية

إلى ذلك... فإن شعار «العولمة» كما تؤكده السياسات المعلنة للدول المتقدمة، يحمل في نفسه معاني ومضامين لا يمكن أن تكون مقبولة، وهو شعار يخفي تطلعًا لإحياء سياسات استعمارية اندثرت، وأصبحت متجاوزة، ولا يمكن للشعوب أن تقبل بها في رفض الآخر، وتكريس الهيمنة والسيطرة، ويمكننا أن نستنتج مع الدكتور النبهان من السياسات الدولية المعاصرة أن العولمة تركز في القدر الأكبر من توجهاتها على البعد الاقتصادي، ومحاولة فرض نظام اقتصادي عالمي، يعتمد على المنافسة الحرة في الإنتاج والتسويق والتجارة العالمية، ومحاولة إلغاء دور الدولة في التدخل لتخفيف الأعباء، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إضعاف المؤسسات الإنتاجية في الدول النامية، وزيادة أعباء هذه الدول المادية.

ولكي يتم تسويغ هذا المفهوم لا بد من الاعتراف القانوني والواقعي بحقوق الإنسان في أي مكان في العالم، واحترام خصوصيات الشعوب الذاتية والحضارية، وتمكين الشعوب من التكنولوجيا المعاصرة، والمعرفة التقنية، وتخفيف أعباء الديون على الدول النامية، وإعطاء قدر من المصداقية لحقيقة الشرعية الدولية، ولا بد في النهاية من توليد ظروف نفسية للحوار الجاد بين الغرب وعالمنا الإسلامي، يقوم على أساس الفهم المتبادل الذي يعترف فيه الغرب بخصوصيات العالم الإسلامي ومصالحه الحيوية المشروعة.

 وللإجابة عن هذا السؤال الكبير المركب، طرح المفكر الألماني المسلم د. «مراد ويلفريد هوفمان» بحثه حول حماية الأقليات الدينية في الإسلام، مشيرًا إلى تعداد المسلمين في الغرب، يزيد على تسعة ملايين على الأقل في أوروبا، وستة ملايين على الأقل يستوطنون أمريكا، وفي ألمانيا وحدها يوجد ٢٥٧٨ مركزًا إسلاميًّا، وبالرغم من شغل المسلمين لهذه المساحة العريضة من خريطة أوروبا وأمريكا، فإن الغربيين قد بدؤوا ينظرون بعين العداء والعنصرية إلى المسلمين الأتراك والعرب، بل وبدأت تعلو الصيحات المطالبة بطرد المسلمين من هذه الديار، إنهم يصورون الإسلام على أنه دين عنف وحرب وتعصب، وينبه هوفمان بشدة في بحثه المهم ومشاركته الفاعلة في المؤتمر على الخطر الذي يحمله رحم المستقبل بالنسبة للمسلمين في هذه البلاد، قائلًا: إن التعصب والاضطهاد، بل ومحاولات التطهير العرقي والديني، هو الذي يحكم أوروبا في مسارها التاريخي كله، واستمر هذا الخط المتعصب إلى يومنا هذا في البوسنة والهرسك وكوسوفا.

الحوار العقلي

وعلى المحور نفسه جاءت مشاركات الدكتور فيصل عبد الرؤوف- المصري الأصل الأمريكي الجنسية- وصاحب كتب «البحث عن المعنى»، و«أصول الفقه الإسلامي للمسلم الأمريكي»، وكانت مشاركته حول تعايش الإسلام مع الأديان الأخرى في أمريكا في ظل مفاهيم العولمة الجديدة، وركز على طريقين يمكننا بهم عرض ما لدينا:

أ- الحوار العقلي مع الآخرين.

 ب- تقديم الروحانيات التي لدينا، وبخاصة مع انغلاق اليهودية وتقوقعها، وفشل النصرانية في ترطيب الشعار الرأسمالي العالمي... ولم يفت الباحث أن يطرح بعض التحديات والعقبات التي تعترض المسلمين في أمريكا، وأهمها تلك العقبات التي يصنعها المسلمون أنفسهم من جراء أمراضهم التي ذهبوا بها إلى بلاد المهجر، ولكنه يبشر بمستقبل باهر للإسلام في أمريكا، وبخاصةً فيما يتعلق بالروحانيات لدى الجيل الجديد في أمريكا.

على هامش المؤتمر

  • أثار ترؤس العلماني البارز د. جابر عصفور إحدى جلسات المؤتمر المهمة، أثار استياء المشاركين لدرجة أن بعضهم هدد بالانسحاب من المؤتمر، وسيظل السؤال الحائر: ما علاقة هذا العصفور بهذا المؤتمر؟ اللهم إلا إذا كانت محاولة أخرى من محاولاته في التنوير.

  • تسببت الضغوط الأمنية في إثارة الكثير من أعضاء المؤتمر، وقد شهد المحرر نفسه إهانة «وكيل» إحدى كليات جامعة عين شمس بالقاهرة من أحد الجنود، ومنعه من حضور المؤتمر!

  • شارك في المؤتمر سبعون دولة واستمرت أعماله أربعة أيام ٢ -5 / 7/ 1998م،  وتقدم المشاركون بأكثر من ١٠٠ بحث اتسم معظمها بالجدية والاجتهاد.

إنهم يتربصون بنا عند بوابة القرن الحادي والعشرين

وفي كلمته أمام المؤتمر أوضح الدكتور عبد الصبور مرزوق- مقرر المؤتمر ونائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- كيف أن الغرب قد اصطنع لهذه الغاية العولمة مجموعة من المنظمات والمؤسسات التي تعمل كلها لصالحه، مثل منظمة التجارة الدولية، الجات، والشركات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات، والتشريعات المحلية التي يصدرها في بلاده، ويفرض تطبيقها على العالم كله، كما أعلن أخيرًا عن قانون الاضطهاد الديني، وعرفنا من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، والتي تؤكد الدراسات والإحصاءات الدقيقة والمذهلة، أنها جميعًا تعمل لامتصاص ما بقي من دماء العالم الإسلامي ليدوم استبقاؤه في مستنقع العجز والتخلف، ثم لإزالة الإسلام نفسه من العالم.

وأشار الدكتور مرزوق إلى أن العولمة هي الأمركة، كما تحدث الأمريكي فريدمان، وأن الصراع المقبل هو صراع الحضارات، وأن قادة النظام العالمي الجديد لم يعودوا يخفون أهدافهم وأطماعهم، بل أصبحوا يتحدثون عنها ويمارسونها علنًا وبكل وضوح، ويقولون: إن الإسلام هو العدو الأخضر، وأنه هو البديل للاتحاد السوفييتي كما تحدث الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، وأن القرن الحادي والعشرين هو قرن نهاية الإسلام كما تحدث قادة مؤتمر كلورادو، ونبه د. مرزوق إلى أن الإسلام هو الهدف، وإلى أن قادة النظام العالمي الجديد يتربصون بنا عند بوابة القرن الحادي والعشرين لضرب كل محاولة تدل على حيوية المسلمين بكل عنف، وليس أدل على ذلك من ذلك الغضب المحموم لامتلاك دولة إسلامية– باكستان- للقدرة النووية، فيما تختزن إسرائيل أكثر من ماتني رأس نووي. 

فهل سنبقى نمضغ الكلمات الجوفاء حتى يفاجئنا القوم ذات يوم بزحفهم على مكة؟

وقد انتهى المؤتمر إلى عدد من التوصيات المهمة على محاوره الأربعة، أهمها... مطالبة المؤتمر بشدة بتنفيذ الدول الإسلامية للعديد من الاتفاقات التي عقدت بينها فيما يتعلق بالتكامل الاقتصاد، وإنشاء السوق الإسلامية المشتركة والسوق العربية المشتركة، وتنظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية والبشرية المتوافرة في البلاد الإسلامية، والتنبيه على المخاطر المحدقة التي تنجم عن الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية، وضرورة تنسيق الجهود بين مختلف مراكز البحوث والدراسات في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وتكوين قاعدة معلومات وبيانات تخدم الأهداف الإسلامية المشتركة.

وعلى محور التطور الحضاري وموقف الإسلام من العولمة في المجال السياسي أوصى المؤتمر بضرورة تنظيم كيفية ممارسة الحكومات الإسلامية للشورى حسب ظروف كل دولة، والنظر في النظم والقواعد التي تحكم حرية الرأي والاجتهاد، وإيجاد وسائل لتنظيم الاختلاف في الرأي في حدود ما هو وارد في الكتاب والسنة.

وحتمية اتخاذ الوسائل الكفيلة بالالتزام بأحكام الإسلام في تنظيم حياة الأمة الإسلامية على كافة المستويات، ووضع القرار الذي اتخذته منظمة المؤتمر الإسلامي بإنشاء محكمة عدل إسلامية موضع التنفيذ.

الرابط المختصر :