; العولمة وقضايا التقنية | مجلة المجتمع

العنوان العولمة وقضايا التقنية

الكاتب سيد دسوقي حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999

مشاهدات 95

نشر في العدد 1359

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 20-يوليو-1999

القواعد العلمية والتقنية الاقتصادية ليست جاهزة لتوطين الصناعات المتقدمة في معظم البلدان الإسلامية

الإعلام «بالسحر» من أخطر آليات توثيق عرى التبعية للقوى المهيمنة عالميًا

الإنسانية مطالبة بالعمل الدؤوب والصبر المبين حتى تصل إلى التناغم المعجز بين الإنسان والبيئة

مازلنا نملك الفرصة لنتخلص من التأثير السلبي للعولمة التقنية على بيئتنا

أحسب أن العولمة في أصلها هيمنة تقنية، وفي سبيل هذه الهيمنة تنشأ هيمنات أخرى في السياسة والاجتماع والثقافة، تذلل الطريق أمام الهيمنة التقنية التي هي جوهر الاقتصاد العالمي اليوم، وفي محاضرة لي منذ عام تقريبًا لخصت محاور هذه القضية في سبعة محاور هي:

 1- الأتمتة.

2- الجرأة التجريبية.

3- السيطرة الاقتصادية والإغواء الاقتصادي.

4- الإعلام بالسحر.

 5- حواف التقنية

6- غياب العنصر الأخلاقي والعنصر البيئي.

7- الضخامة الإنتاجية والتسارع الزمني والمكاني.

ولنتأمل في كل محور منها على النحو الآتي:

1- الأتمتة:

«الأتمتة» يُقصد بها الاستخدام المكثف للماكينات، وتقليل عنصر العمالة البشرية في العملية الإنتاجية، والسؤال عنها في بلد يصنعها كالولايات المتحدة واليابان يختلف عن السؤال عنها في بلد سوف يستوردها، فمثلًا صناعة الأثاث.. هل نقوم بأتمتتها أم نستخدم العمالة الكثيفة في تصنيعها، ولأننا لا نصنع الماكينات التي تُسيّر هذه الصناعة فسوف نستوردها ونستورد صيانتها، ونستورد نماذج الأثاث والمواد الأولية.. أي أننا سنزيد من تبعيتنا للعولمة.

وهل من الضروري أن تكون الأتمتة مائة بالمائة، أم يمكن أن تؤتمت قليلًا ونعتمد على كثافة العمل كثيرًا، أظن أن مثال الأثاث واضح والإجابة عنه -وطنيًا- ليست عسيرة، وهي لصالح الكثافة العمالية دون جدال.

وهناك سؤال أخلاقي: هل العمل غاية في ذاته، أم الإنتاج الوفير هو الغاية؟

وأحسب أن الإجابة في فلسفتنا الحياتية هي أن العمل المعقول هو الغاية، وأن كثر الإنتاج وما تسببه من وفرة في الوقت ووفرة في الأشياء قد تؤدي إلى ظاهرة الترف التي نهينا عنها في ثقافتنا الإسلامية أشد النهي.

 وأحب أن أنبه إلى أن هناك فروقًا بين الأتمتة في الإنتاج «أتمتة الإنتاج» وبين الأتمتة في القياس الهندسي وترقيته وجعله قياسًا دقيقًا.

فالأقمار الصناعية يتم جمعها في ورش غير مؤتمتة، ولكن كل جزء فيها دقيق القياس إلى درجة بالغة، ويصنع في ورش لا تختلف كثيرًا عن المصانع البسيطة، ولكنها مضبوطة من ناحية ضغط الهواء ورطوبته وحرارته والخواص الطبيعية الأخرى، وفي النهاية أحب أن أقول إن درجة الأتمتة المطلوبة في بلدنا ليست بالضرورة مطابقة لنفس الدرجة في بلد آخر، واختيار درجة الأتمتة ينبغي أن يكون قرارًا وطنيًا يستهدف الصالح الوطني اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.

2- الجرأة التجريبية:

كل شيء في الغرب قابل للتجريب.. تجريب في الطعام، وتجريب في الشراب، وتجريب في الدواء وتجريب في الزراعة، وتجريب في جسم الإنسان، وتجريب في البيئة الحيوية والبيئة الجوية والبيئة الفضائية، وكل هذا التجريب مرتبط بالمجموعات الاقتصادية المغامرة التي جعلت الربح الاقتصادي إلهًا من دون الله.

إن التجريب المحكوم غير المتجاوز لإنسانية الإنسان هو تجريب محمود، ولكن الشطط التجريبي الذي أصبح سمة للمجموعات الاقتصادية المغامرة سوف يفسد البر والبحر.

إن منتجات هذا التجريب الشططي يلقي بمعظمها باسم العولمة على رؤوس الشعوب الفقيرة: شرابًا ولباسًا ودواء ومخلفات مدمرة.

3- السيطرة الاقتصادية والإغواء الاقتصادي:

 السيطرة الاقتصادية ذات مظاهر متعددة منها شراء موارد الدول المستضعفة وموادها الخام بأقل الأسعار، وإعادة تصنيعها وبيعها لنا في صورة جديدة بأعلى الأسعار، بل في حالة البترول مثلًا، يضيفون إليها ضريبة يسمونها ضريبة الكربون، وهي تعني ضريبة تلوث أجوائهم نتيجة الشطط التصنيعي والإغواء الاقتصادي يعني إغواء الدول المتواضعة تقنيًا وعلميًا واقتصاديًا بمشاركة العمالقة في مشاريع عابرة القارات.. مشاريع كل مكوناتها من الخارج، وربما فتحوا لهم بعض الأسواق وبعد أن يكون البلد الفقير قد دفع دم الشعب بحاضره ومستقبله في مثل هذه المشاريع تتم عملية السيطرة أو الإجهاض، إن شيئًا من هذا قد تم في ماليزيا وإندونيسيا... إن القواعد العلمية والتقنية والاقتصادية في كلا البلدين لم تكن جاهزة لتوطين هذه الصناعات المتقدمة والتي استجلبت كاملة بكل طواقمها من الخارج.

4- الإعلام بالسحر:

 إنك تشاهد التلفاز العربي وهو يعلن عن مشروبات لا تضر ولا تنفع فيوحي إليك بالظمأ، حتى إذا تمكن منك ظهرت لك ظبية مليحة تخرجمن أعماق البحر إلى الشاطئ وبيدها زجاجة من هذا الشراب.. فتدبر أيها المسكين المسحور عظمة هذا الشراب وأذهب إلى البقال واشتر صندوقًا أو اثنين تسترجع بهما الصورة المليحة التي تزيدك عطشًا.. ليس للري فحسب، ولكن كذلك للساحرة الفاتنة جنية البحر.

من فرط براعتنا منذ القدم في الإعلام الساحر سجل الله لنا في محكم تنزيله براءة هذا الاختراع وعظمته حتى أن نبي الله موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ (طه:66)، ظن الحبال المتحركة من وراء ستار حيات تسعى وأنا إذ أقارن درجة السحر في الإعلام المصري -مثلًا- مقارنة بالإعلام الغربي أشهد للمصري بالدرجات العليا.

إن هذا السحر نوع من الكذب بالتخييل والرقص والإيهام أفسد عقول أطفالنا بالإعلان عن منتجات لا تنفع، بل تضر أنواع من المأكولات ذات المكونات التي لا نعرفها من مواد غذائية ومكسبات للون والطعم كلها من قرائن السرطان والشيطان والعياذ بالله.

 وهذا «الإعلام بالسحر» من أخطر آليات توثيق عرى تبعية بلادنا للقوى المهيمنة اقتصاديًا وسياسيًا على مستوى العالم.

5. حواف التقنية:

 إن عملية التصنيع لابد أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفلسفة التنمية إن كانت هناك في أوطاننا فلسفة للتنمية. إنك إن جئت بمنتج غربي يمثل حافة التقنية في بلده، وبينك وبين هذه الحافة فجوة لا تسد إلا بشق الأنفس علميًا وتقنيًا واقتصاديًا فإنك خاسر في كل الأحوال... إن توطين التكنولوجيا عملية عبقرية شاقة تحتاج إلى استنفار الأمة علميًا وتدريبيًا، فأيهما أجدى وأنفع، أن نصنع أحدث ثلاجة في العالم ونأتي بكل مكوناتها من الخارج ولا نملك طرائق تطويرها وطنيًا، أم نكتفي بثلاجة أقل حداثة نستطيع أن نصنع نحن معظم مكوناتها؟ وكما كتبت من قبل إن التنمية طيف متعدد الألوان وأهمها: تنمية البقاء وتنمية النماء وتنمية السبق، ونحن نملك كل أدوات تنمية البقاء فتلك تنمية عشنا بها قرونًا عددًا، ونملك كذلك معظم أدوات تنمية النماء إن أحسنا اختيارها، ولكل أمة تنمية سبق ومصر مثلًا تنمية سبق في مجالين الثقافة العربية والإسلامية والزراعة.

 إننا نستطيع أن نضاعف دخل مصر أضعافًا مضاعفة إن أحسنا تصميم هاتين المنظومتين، وفي مثل هاتين المنظومتين نستطيع السبق فلا يذهلنا تقلب غيرنا في البلاد في منظومات أخرى هم عليها قادرون.

6. غياب العنصر الأخلاقي والعنصر البيئي:

 في حضارتنا نتعامل مع البيئة المحيطة بنا بالقصد والاقتصاد والقصد هو غايات الشريعة الإلهية ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (النحل:9)، فهو وحده الذي يحدد لنا القصد وعندما يقول سبحانه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ (لقمان:19)، أي اجعل لمشيك قصدًا «وهذا تأويل حضاري للآية» حتى وأنت في الفراش مع زوجتك، حتى وأنت تخرج للنزهة كل مشيك في الحياة أجعله قاصدًا وجه الله، والمشي بالمفهوم القرآني هو كل سعي الإنسان على وجه الأرض ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (تبارك:15).

ومن هذا المنطلق يصغي ملك عظيم لصراخ نملة.. يفهم منطقها ويتبسم لصراخها، فنبي الله سليمان وإن وهبه الله هذا الأمر حظًا عظيمًا له إلا أن الإنسانية مطالبة بالعمل الدؤوب والصبر المبين حتى تصل إلى هذا التناغم المعجز بين الإنسان والبيئة قرأت مرة في إحدى المجلات الأمريكية أنه لولا النمل لتعطن سطح الأرض ولما كانت على وجه الأرض حياة... هذا في الوقت الذي تقذف فيه التقنية الحديثة كل يوم بأطنان المبيدات على الأرض تهلك كل الحشرات النافعة، وذلك حتى تزيد في إنتاج طعام ماسخ لا مذاق له.

لقد علقت مرة على موقف سليمان والنملة الصارخة فقلت: إن موقف الإسلام من البيئة المحيطة يتلخص في ثلاث كلمات الفهم والحب والتسخير؛ وهو هو سليمان الذي سخر هدهدًا ليرأس جهاز مخابرات ذكي، هدهد يحلل المجتمع الذي يعمل على وصفه للملك من الناحية السياسية والعقيدية والاقتصادية والاجتماعية بأذكى الكلمات: ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ (النمل:23) «نظام الحكم استبدادي» ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ (النمل:23) «الوضع الاقتصادي» ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (النمل:24) «الوضع العقيدي»، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (النمل:24) «الوضع السلوكي الأخلاقي والاجتماعي»، وسبحان الله، صاحبنا الهدهد يرى أن المرأة مستبدة رغم أنها على الأقل تستشير الملأ من حولها، ولكنها استهانت بالأمة ككل، ولو عاش ليومنا هذا فما عساه يقول؟

 إن قضية البيئة قضية كبيرة وعمليات العولمة ستزيدها سوءًا وتدهورًا.

وأنا أنصح الذين يظنون أنني أبالغ فيما أقول أن يقرأوا كتاب العالم الأمريكي جيمي رفكن «الإنتروبي» والذي يقول في نهايته بعد أن يستعرض كل الفساد البيئي في الكون المحيط إن الحل هو أن نعود إلى ما قبل الثورة الصناعية الأولى، وليس هناك حل غيره»... ربما اختلفت مع هذا العالم في حتميته، ولكنني اعتقد أننا مازلنا نملك الفرصة في بلادنا لنتخلص من تأثير العولمة التقنية على بيئتنا ونحسن اختيار التقنية التي لا تلوث البيئة ولا تنشر الدمار.

7. الضخامة الإنتاجية والتسارع الزمني والمكاني: تنمو المطالب الإدارية والعلمية مع ضخامة المشاريع فلو ورطنا أنفسنا في مشاريع ضخمة لا نملك القدرات الذاتية على إدارتها فإن النفع منها سيكون ضئيلًا... هناك حجم أمثل للمشاريع التي تصلح لبلد ما حسب قدراته الذاتية في الإدارة والإنتاج، وهناك معدلات مثلى للإنتاج تتعلق بالقدرة على استخدام الزمن وقطع المسافات الضخمة.

وما زلت أذكر كتابًا للاقتصادي الإنجليزي الشهير شوميكر عنوانه «الصغير هو الأجمل» والرجل ينظر إلى القضية من الناحية الجمالية والإنسانية، ولكن أصحاب العولمة يسعون لتركيز الإنتاج في مؤسسات ضخمة يملكون هم صنعها وإدارتها، ونحن نقف أمامها مبهورين مسحوقين... إن ما دعا إليه شوميكر في كتابه «الصغير هو الأجمل» جدير بأن تأخذ به الشعوب التي لم يدركها سرطان القوة الكونية وشروره، فتصميم منظومة التنمية يجب أن يأخذ في الحسبان صغر الأحجام، وإنسانية الأزمنة والمسافات، والتناغم مع طبيعة الإنسان، وإعطاءه القدرة على أن يصبح سيد الأشياء وليس عبدًا ذليلًا لها، وأي سعادة يدركها الإنسان في ضياع عمره في قطع المسافات الضخمة بسرعات ضخمة، وأي جمال في هذا وأي متعة؟ وبعد، فحسبي أنني حاولت أن أشير إلى بعض المحاور في علاقة العولمة بالتقنية والأمر يحتاج إلى بحوث متخصصة من كل القادرين عليها من علماء التقنية والسياسة، والاجتماع، والأخلاق، والعقائد.

﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية:32).

﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النحل:9)

الرابط المختصر :