العنوان الغارة على العالم الإسلامي مستمرة.. ولكن!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1996
مشاهدات 77
نشر في العدد 1185
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 23-يناير-1996
جاء الإسلام برسالة تتناغم مع السنن الكونية والإنسانية والاجتماعية، خاطبت نفس الإنسان وشعوره، وأملت دوره في الحياة، وناغمت واقعه الاجتماعي والسياسي، ورسمت مناهج العلاقات الإنسانية السليمة، وقننت لها ما يصونها من البغاة والمغامرين، الذين يريدون تدمير الإنسان السوي، وتخريب الحياة، رسمت طريق الحق وحددت معالمه ووصفت رجاله، وعرفت بهم، وأبانت قدراتهم النفسية والروحية، وسلحتهم بالقوة المادية والحربية، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: 173)، ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مئتين﴾(الأنفال: 65)، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (الأنفال: 66)، فتأكد أن القوتين المعنوية والمادية لا بد منهما ليكونا سياجًا لحفظ الحق، ودرعًا لحماية الحياة السعيدة المستقرة، فإذا انطفأت جذوتهما في الأفراد والأمم الحاملة للرسالات والمستقرة بالهدايات بغي على الحق، وأجهضت الرسالات واستعبدت الأمم، وهذه سنن الحياة الإنسانية والاجتماعية التي تعمل عملها في الزمان، تلك التي قررها الإسلام وصاغها في رسالته للإنسانية، وقامت عليها الدولة الإسلامية ردحًا غير قليل من الزمن فلما تبدل الحال بالمسلمين عملت السنن عملها غير عابئة بالأسماء ولا بالمسميات الفارغة من المضمون والجوهر، فمثلًا انتشر الإسلام لمراعاة أهله وجنده، وحاملو رسالته لهذه السنن، وبلغ المشارق والمغارب، ودخل أوروبا، وسطعت فيها شمسه وطلع على روابيها إصباحه، ثم خلف من بعدهم خلف يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون سيفتح لنا، فبطشت بهم الأيام، وقذفتهم السنن بالدواهي العظام، فأصبحوا كمن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق.
طرد المسلمون شر طردة من أوروبا ومن الأندلس بعد قتل الرجال والأطفال والنساء والشيوخ في مذبحة لم يعرف التاريخ لها مثيلًا، ابتداء من عام ۹۷۰م إلى أن سقطت الدولة الأموية في الأندلس، فشجع هذا السقوط الكنيسة والأمراء الأوروبيون بتحريض من البابا «بينيد الثامن» على غزو صقلية وسردينيا، وبعدها خرجت الحملة الصليبية الأولى لتغزو المشرق قاصدة بيت المقدس، وكانت بقيادة «جودفري أوف بويلون» وكان قوامها ٦٠٠ ألف جندي استولت على بيت المقدس في يوليو تموز ۱۰۹۹م، وأصبح بذلك «جودفري» أول حاكم صليبي لبيت المقدس، فقتل في المدينة سبعين ألف مسلم، وأحرق كل شيء وصلت يده إليه ولم يرحم حتى الشيوخ والأطفال والنساء وقال: هم أعداء الله وكان العالم الإسلامي في ذلك الزمان منقسمًا على نفسه في كل بلد أمير ومنبر الدولة العباسية صورية في بغداد، والدولة الفاطمية متخاذلة في مصر ودويلات هزيلة تتوزع العالم الإسلامي وربما حالف بعضها الصليبيون، ثم قامت حملة صليبية ثانية متوجهة إلى دمشق وثالثة ورابعة، فنهض المسلمون وقام العلماء، وصحت الأمة، ورجع لها حميتها وراجعت خطوها وعرفت طريقها، فقام نور الدين، وصلاح الدين بتحرير القدس واحترام قدسيته وجلالة قدره، وعامل الصليبيين بشرف وحقن الدماء، وواصلت أوروبا حملاتها على ديار المسلمين، وجاء قلب الأسد الإنجليزي، وفردريك ملك ألمانيا وفيليب أغسطس الفرنسي، وتعرض لهم صلاح الدين وردهم إلى بلادهم ولكن الصليبيين لم ييأسوا، وقامت حملة خامسة متوجهة هذه المرة إلى مصر، واحتلت دمياط فردت، ثم قامت حملة أخرى سادسة لاحتلال فلسطين عند تراخي الجسد المسلم بعد صلاح الدين، واستطاعت أن تأخذ بمساعدة بعض الدويلات الإسلامية الناصرة وبيت لحم مع شريط ساحلي، ودخلت القدس واستقرت في بيت المقدس، ثم ألحقوها بحملة صليبية سابعة عام ١٢٣٩م، ثم جاء المغول وغزوا بلدان العالم الإسلامي، واستولوا على القدس فأيقظت هذه الحوادث المسلمين مرة أخرى، فحاربوا المغول، وانتصروا عليهم وأخرجوهم، واستولوا على الشام ثانية وعلى بيت المقدس، وظل بيت المقدس تحت أيدي المسلمين، ودبت الحياة في العالم الإسلامي، ورجعت إليه حيويته وعقيدته وانتفض انتفاضة الحياة، ولكن الصليبيين لم يستوعبوا ذلك التغيير الذي طرأ على العالم الإسلامي، فنادى البابا إلى حملة صليبية ثامنة للاستيلاء على الشرق وفلسطين، فتحمس لذلك ملك فرنسا لويس التاسع، وقام بتلك الحملة، ولكنه بدأ بمهاجمة مصر أولًا لأنها هي القوة الضاربة ثم ليتحرك بعدها إلى فلسطين، ولكنه هزم شر هزيمة في مصر، وأسر في دار ابن لقمان في المنصورة، وأحس بقوة المسلمين كرجل حربي، وبتماسكهم وروحهم كحاكم متمرس يعرف أحوال الأمم، فكتب وصيته في سجنه تحمل هذه المعاني، ووضع بديلًا للخطة الحربية بخطة أخرى أنفع وأجدى لضرب المسلمين والاستيلاء على ديارهم، فقال في تلك الوصية التي التزمها الغرب كوثيقة يسير عليها وما زالت محفوظة في دار الوثائق القومية بباريس:
«إنه لا يمكن الانتصار على المسلمين من خلال حرب، وإنما يمكن الانتصار عليهم بواسطة السياسة باتباع ما يلي:
- إشاعة الفرقة بين قادة المسلمين، وإذا حدثت فليعمل على توسيع شقتها ما أمكن حتى يكون هذا الخلاف عاملًا في إضعاف المسلمين.
- عدم تمكين البلاد الإسلامية والعربية أن يقوم فيها حكم صالح.
- إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء حتى تنفصل القمة عن القاعدة.
- الحيلولة دون قيام جيش مؤمن بحق وطنه عليه، يضحي في سبيل مبادئه أي الإسلام.
- العمل على قيام دولة غريبة في المنطقة العربية تمتد ما بين غزة جنوبًا إلى أنطاكيا شمالًا، ثم تتجه شرقًا، وتمتد حتى تصل إلى الغرب».
ونفذت هذه السياسة وما زالت ووهن الجسد المسلم، وجاء الاستعمار الحديث وجاء معه بالهجرة اليهودية، ثم بإقامة الدولة الإسرائيلية، وعومل المسلمون بقسوة وغلظة وكان لليهود الدور الريادي في ذلك، ولكن الأيام بين نعمى وبؤسى، ويوشك المسلمون على الاستيقاظ فهل ستلجأ إسرائيل إلى خطة بديلة مثل لويس التاسع وتتشكل الأفعى بأشكال مختلفة، وتتلون الحرباء بألوان عدة، وتستمر الغارة على العالم الإسلامي؟ أم أننا سنفقه الدروس، ونعي السنن، وننفض الغبار، ونعيد المجد... نسأل الله ذلك..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل