العنوان الغرب والصحوة الإسلامية.. من أفكار الصدام إلى فكرة التفاهم
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1237
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 04-فبراير-1997
دراسات
منذ تصاعد ظاهرة الصحوة الإسلامية في بداية السبعينيات، والغرب - وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية - يشغله التفكير في الظاهرة الإسلامية وكيفية التعامل معها..
وقد ساهم في تزايد الاهتمام الغربي بالظاهرة الإسلامية قيام الثورة الإسلامية في إيران في عام ١٩٧٩م، ووقوع أحداث عنف في العديد من البلدان الخليجية في مطلع الثمانينيات.
وقد عملت وسائل الإعلام الغربية وبعض مؤسسات البحث الأمريكية التي تخضع للسيطرة اليهودية، على تضخيم قضية الأصولية الإسلامية بعد انهيار الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي، وقد اتبعت وسائل الإعلام الغربية في تناولها لظاهرة الإسلام السياسي سياسة تقوم على تحريض الدول الغربية على الإسلام كدين بشكل عام وعلى الحركة الإسلامية على وجه التحديد.
وفي إطار سياسة التحريض المستمر على الإسلام والحركة الإسلامية برزت أسماء عدد من الكتاب والباحثين والصحفيين الغربيين، تولوا صراحة التحريض العلني ضد الحركة الإسلامية، ويأتي على رأس هؤلاء دانيال بايبس مدير منتدى الشرق الأوسط، والصحفية جوديث ميللر، والصحفي ستيفن إيمرسون، والباحث الإسرائيلي مارتن كريمر، والمستشرق برنارد لويس، والباحث خالد دوران، وبيتر رودمان المدير السابق لمركز الدراسات الإستراتيجية، بالإضافة إلى عدد كبير موزع على مؤسسات بحثية عديدة في الجامعات الأمريكية ومراكز صناعة القرار في واشنطن.
ويرفع هؤلاء الكتاب والباحثون لافتة تقول إن التيار الإسلامي بجناحيه المعتدل والمتشدد هو تيار معادٍ للغرب وللمصالح الأمريكية والغربية بشكل عام، وأنه ليس من مصلحة السياسة الأمريكية وصول التيار الإسلامي إلى الحكم في المنطقة العربية حتى لو تم هذا الوصول بشكل ديمقراطي.
وفي مقابل التيار الغربي المعادي تمامًا للحركة الإسلامية والداعي والمحرض على ضربها، برز في الغرب تيار آخرـ وإن كان لازال على مستوى القلة من الكتاب والباحثين - اتصف عطاؤه العلمي بالاعتدال والإنصاف، وتبرز في هذا التيار أسماء عديدة نشطت في الدفاع عن الحركة الإسلامية والإسلاميين، وقدمت معالجات موضوعية عن الحركة الإسلامية نُشرت في بعض الصحف، ودار الحوار حولها في المحافل والمنتديات والمؤتمرات الأمريكية.
ويأتي على رأس التيار الغربي المنصف للحركة الإسلامية، جون إسبوزيتو، وروين رايت، وجون فول، وإيفون حداد، وأنتوني سوليفان، وجبراهام فوللر، وجويس ديفس وغيرهم في الولايات المتحدة، وجيلس كيبل، وفرنسوا ليجران، وفرانسوا بُرجات، وإيرك رولو في فرنسا، والمستشرقة الألمانية أنيماري شيمل، والكاتب البريطاني روبرت فيسك.
في ضوء ما سبق، فإن هذه الورقة تبحث في أسس الرؤية الغربية للحركة الإسلامية، من خلال تحليل الرؤية الأمريكية الرسمية مع بيان دور إسرائيل في رسم هذه الرؤية والسياسات الأمريكية المترتبة عليها، ثم تحليل واقع وصورة الظاهرة الإسلامية في الدراسات الغربية بجانبيها السلبي والإيجابي.
التوجهات الأمريكية الرسمية
لعب إدوارد جرجيان مساعد وزير الخارجية الأسبق دورًا رئيسيًّا في رسم سياسة الحكومة الأمريكية وتوجهاتها الخاصة تجاه الإسلام والظاهرة الإسلامية، وقد حدد جرجيان معالم هذه السياسة في خطاب ألقاه في ٢ يونيو ۱۹۹۳م، التي أصبحت فيما بعد هي الموقف الرسمي لكل من حكومتي جورج بوش وبيل كلينتون، وتتمثل هذه السياسة فيما يلي:
أ- إن الحكومة الأمريكية لا تعتبر الإسلام أيديولوجية بديلة للشيوعية تهدد الغرب والسلام العالمي.
ب - إن الأمريكيين يعتبرون الإسلام واحدًا من الديانات العظمى في العالم، ويعتنقه في الولايات المتحدة بضعة ملايين، كما إن الإسلام- في نظر الأمريكيين - يمثل أحد الحضارات العالمية التي أثرت في الثقافة الأمريكية وأخصبتها.
جـ - إن الحكومة الأمريكية لا تعتقد أن هناك أرضية موحدة أو جهدًا دوليًا يقف خلف الجماعات أو الحركات الإسلامية، ولكنها تهتم بموقف إيران والسودان من الجماعات الإسلامية.
د - تعتقد الحكومة الأمريكية أن الظلم الاجتماعي والضعف الاقتصادي والسياسي والتعليمي في منطقة الشرق الأوسط هو الذي يغذي التطرف الإسلامي.
هـ ـ إن الحكومة الأمريكية تشك في نوايا الإسلاميين إن وصلوا إلى السلطة، وتعتقد أنهم سينقلبون على الديمقراطية، فالحكومة الأمريكية تؤمن بمبدأ صوت واحد لشخص واحد، ولكنها لا تدعم مبدأ صوت واحد لشخص واحد ولمرة واحدة، الذي تزعم أن الإسلاميين سيطبقونه لو وصلوا إلى الحكم.
و- إن الحكومة الأمريكية تقف ضد من يمارسون الإرهاب - بغض النظر عن دينهم ـ كما أنها ضد من يدعون إلى العنف ويرفضون الحلول السلمية للمشاكل، ويظلمون الأقليات ويدعون لعدم التسامح، وينتهكون مبادئ حقوق الإنسان.
ومن الواضح أن هذه السياسة الأمريكية المعلنة قد تمت صياغتها بطريقة لا تثير استفزازًا للمسلمين، بينما تنتهج الحكومة الأمريكية سياسات تشكل استعداء واضحًا على تيارات الحركة الإسلامية، خاصة التيارات السياسية والجهادية منها، ومن هذه الدراسات الواقعية تجاهل الإدارة الأمريكية للتجاوزات اللاإنسانية والممارسات القمعية التي تتم بحقر الإسلاميين في بعض الدول الإسلامية، وفي هذا الإطار يشير الدكتور مارك تسلر أستاذ العلوم السياسية بجامعة وسكونسن الأمريكية إلى أنه كانت هناك إشارات من الغرب - بما فيه الولايات المتحدة- للعسكريين في الجزائر بقمع جبهة الإنقاذ وإجهاض التجربة الديمقراطية بعد نجاح الجبهة في الانتخابات.
وفي هذا الإطار أيضًا تقول الصحفية روبن رايت «...بالرغم من اتباع أمريكا لسياسة مفادها تشجيع التحول الديمقراطي، إلا أنه من الناحية العملية كان هناك شرط واحد وهو ألا ينتصر الإسلام في الانتخابات الديمقراطية».
وقد استطاعت إسرائيل عبر اللوبي الصهيوني القوي في الولايات المتحدة إقناع إدارة الرئيس كلينتون باتخاذ العديد من الإجراءات والقرارات التي تصب في خوض معركة المواجهة مع الإسلام، ومن هذه الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية بتحريض من إسرائيل، قوانين مكافحة الإرهاب.
وقد استغلت إسرائيل الأجواء الإعلامية المصاحبة لبعض أحداث العنف في بعض الدول الأوروبية، وبلدان أمريكا اللاتينية وفي أمريكا، مثل حادث تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك، لدعم المخاوف الأمريكية من الحركة الإسلامية، حتى تعطي إسرائيل مصداقية لمزاعمها حول الخطر الإسلامي، قامت بتجنيد العديد من الصحفيين وأساتذة الجامعات والخبراء المختصين بمراكز الدراسات الإستراتيجية بالولايات المتحدة للعمل على تسويق فكرة الخطر والإرهاب الإسلامي من خلال كتاباتهم وبحوثهم، وعن طريق ربط الإسلام بالإرهاب، ووصفه أنه يهدد استقرار العالم ويهدد أمن إسرائيل وأمن الأنظمة العربية الموالية للغرب.
والواقع أن ما يتردد في الولايات المتحدة من ربط للإسلام بالإرهاب، والمطالبة بقيام تنسيق دولي لمواجهة الأصولية الإسلامية واحتوائها، إنما هو صدى لمقولة «الأصولية الإسلامية هي الخطر المشترك» التي طالما تكررت على ألسنة وفي تصريحات قادة إسرائيل مثل إسحاق رابين وشيمون بيريز وأخيرًا بنيامين نتنياهو وكتابه الذي صدر أخيرًا بعنوان: «محاربة الإرهاب: كيف يمكن للديمقراطيات القضاء على الإرهابيين على المستويين الداخلي والعالمي».
الإسلام والغرب.. تعايش أم تصادم؟
منذ أن قام صموئيل هانتنجتون بنشر مقاله الشهير «صراع الحضارات» في صيف عام ١٩٩٣م بمجلة «شؤون خارجية»، والحديث عن التهديد الإسلامي للغرب لم ينقطع سواء في الدوائر الصحفية أو السياسية أو الأكاديمية الغربية، وقد تفاوتت الآراء حول مقولة «الخطر الإسلامي» بين النفي والتأكيد.
وفي جانب نفي مزاعم «الخطر الإسلامي» يأتي البحث القيِّم للبروفيسوز جون إسبوزيتو «التهديد الإسلامي: حقيقة أم خيال؟»، الذي كان له أثر طيب في إبعاد هاجس الخوف من الإسلام لدى الغربيين، فقد قدم إسبوزيتو الإسلام على أنه ليس عدوًا للغرب ولكن باعتباره يمثل تحديًّا حضاريًّا في اتجاه التنافس المشروع بين الحضارات، وبالتالي لا يشكل أي خطر على الغرب.
وإلى جانب دراسة إسبوزيتو، صدرت خلال الأعوام القليلة الماضية دراسة أخرى ساعدت نسبيًّا في تحسين الكثير من التصورات السائدة في الغرب عن الإسلام والظاهرة الإسلامية، ونذكر من هذه الدراسات على سبيل المثال لا الحصر دراسة تشارلز بيترورث ووليم زارتمان «الإسلام السياسي» الصادرة في نوفمبر ۱۹۹۲م، ودراسة ريتشارد بولت «تحت الحصار: الإسلام والديمقراطية» الصادرة في يونيو ۱۹۹۳م، ودراسة جراهام فوللر «الشعور بالحصار: جيوبوليتك الإسلام والغرب الصادرة في ديسمبر ١٩٩٤م، ودراسة جويس هيبلر وأندريا ليبج «التهديد القادم: مفاهيم غربية عن الإسلام»، في ١٩٩٥م، ودراسة ديفيد بينور وبرونو لينو «الإسلام وجهات نظر متعارضة»، في ۱۹۹5م، وموسوعة جون إسبوزيتو «موسوعة العالم الإسلامي الحديث» في ١٩٩٥م.
ودراسة إبراهيم أبو ربيع «الصحوة الإسلامية: تحديات واتجاهات ووجهات نظر مستقبلية»، في ١٩٩٤م، بالإضافة إلى دراسة جيلس كيبل «ثأر الرب: صحوة الإسلام والمسيحية واليهودية في العالم المعاصر»، وصدرت بالفرنسية ثم ترجمت إلى الإنجليزية في عام ١٩٩٤م.
وفي إطار سعيها لنفي مقولة «الخطر الإسلامي» تُرسخ هذه الدراسات من خلال مناهج عملية موضوعية عددًا من الحقائق، لعل أهمها أن الصحوة الإسلامية والظاهرة الإسلامية هي جزء من النهضة الدينية العالمية التي تجتاح العالم منذ عقد السبعينيات من القرن الحالي، كما أن الإسلاميين- بشكل عام - مثلهم مثل باقي الأحزاب السياسية الأخرى التي من حقها التنافس السلمي للوصول إلى السلطة، وأن الاضطهاد السياسي والحرمان الذي يتعرض له الإسلاميون هما اللذان يدفعان الإسلاميين إلى العنف والتطرف في بعض المناطق، فالقمع الحكومي يولد الراديكالية ويؤدي إلى التطرف.
كما تؤكد هذه الدراسات على حقيقة أنه إذا كانت هناك فصائل قليلة داخل الحركة الإسلامية لديها نظرة عدائية للغرب، إلا أن التيار العام في الحركة الإسلامية لا يحمل مشاعر عداء للغرب، وينشط في مجالات الخدمة الاجتماعية، ويقدم الخدمات الصحية والتعليمية، ويرى في الديمقراطية خيارًا لابد منه للحفاظ على هويته السياسية وفرصته للإصلاح من داخل الأنظمة القائمة.
وفي مقابل الدراسات التي عملت على نفي مقولة «الخطر الإسلامي»، فإن هناك عددًا من الدراسات التي انساق أصحابها إلى التزام رؤية صموئيل هانتنجتون والإضافة إليها، وتضخيم معطيات الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، وتصوير العلاقة على أنها علاقة عداء دائم ومستحكم .. ونذكر هنا على سبيل المثال: دراسة برنارد لويس ودراسة أوليفر روي «فشل الإسلام السياسي» في ١٩٩٥م، ودراسة جوديث ميللر «للرب تسعة وتسعون اسمًا: تقارير من الشرق المسلح» في ١٩٩٦م.
وتروَّج هذه الدراسات لمقولة إن الإسلاميين متطرفون إرهابيون وأعداء للسلام، وإن الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة.
والواقع أن التوجه الذي يرى في الإسلام عدوًا بديلًا عن الشيوعية لازال هو التيار الأكثر سطوة والأكثر تأثيرًا في المجتمعات الغربية وخاصة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لم يعد ممكنًا استثناء أي توجه إسلامي أو صحوة إسلامية من الاتهام بالتطرف والإرهاب.
إن سطوة التيار الإعلامي والأكاديمي القائل بالصدام وبالخطر الإسلامي لا يجب أن تكون باعثًا على التشاؤم من مستقبل الرؤية الغربية للإسلام وللحركة الإسلامية، فهذا التيار الذي يراهن على الصدام يشهد تراجعًا على المستوى الأكاديمي والإستراتيجي في الغرب، وليس أدل على هذا التراجع من الدراسة الأخيرة التي أعدها إدوارد جرجيان بعنوان «سياسة الولايات المتحدة تجاه الإسلام وقوس الأزمة»، حيث صدرت عن معهد جيمس بيكر للسياسة العامة، وقد طالبت هذه الدراسة صراحة بضرورة تحديث النظرة والسياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الإسلامي، وهذا التحديث يتطلب كما يرى جرجيان: -ضرورة فهم القوى الإسلامية الموجودة على الساحة في الشرق الأوسط بمعزل عن الأفكار المسبقة عنها، وضرورة التفرقة بين التيار الإسلامي العام والتيارات التي تتبنى العنف.
- كما يتطلب تحديث السياسة الأمريكية ضرورة الاقتراب من التيار الإسلامي المعتدل، وإدراك دور الدين في العلاقات الدولية، وحل مشكلة الصراع العربي- الإسرائيلي، ومن شأن هذا الحل أن يساعد على اضمحلال العداء للغرب بين المسلمين، ويجرد كثيرًا من القوى في المنطقة العربية من مشروعية دعوتها للعنف.
ومن دلائل تراجع التيار الفكري الغربي الذي يقول بالصدام بين الإسلام والغرب، ظهور جيل جديد من العلماء الغربيين الذين يفهمون المجتمعات الإسلامية بشكل أفضل، بالإضافة إلى أن معظم الجامعات الغربية أصبح بها مساقات علمية وأقسام متخصصة في الدراسات الإسلامية والمجتمع الإسلامي والحركات الإسلامية.
ولعل ما يعزز من التفاؤل حول مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب، أن التيار الغربي الواعي الذي ينفي الصدام وينفي مزاعم «الخطر الإسلامي».
يكتسب على مر الزمن أرضية جديدة داخل المجتمعات الغربية، ويكتسب المزيد من الوعي والاستجابة في فهم الظاهرة الإسلامية، وتتعزز قدراته في إمكانية مقاومة تيار الحملة الصهيونية.
إن مستقبل الرؤية الغربية للإسلام يبدو مبشرًا والرهان على الصدام بين الإسلام والغرب، والخطر الإسلامي يشهد تراجعًا في المحافل الأكاديمية، وتكفي الإشارة هنا إلى ما أورده جراهام فوللر المسؤول السابق بوكالة المخابرات الأمريكية في كتابه «الشعور بالحصار»، حيث قال: «إننا لا نؤمن بأن العلاقات بين الإسلام والغرب بصفة عامة ستكون مسرحًا للصراع الأيديولوجي القادم في العالم، رغم التنافس التاريخي بينهما كاكبر عقيدتين في العالم، فالإسلام اليوم كدين ليس في وضع تصادمي مع المسيحية أو مع الغرب، كما أننا لا نتنبأ بمواجهة شاملة بين كتلة إسلامية وكتلة غربية بأي شكل من الأشكال».