العنوان الغرب والإسلام.. افتراءات لها تاريخ (٢) اتهامات سقطت.. وأوهام تبددت!!
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1916
نشر في الصفحة 34
السبت 21-أغسطس-2010
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [ سورة البقرة: 185]
- الخيال الصليبي الغربي صنع صورًا مريضة لشخن عقول الدهماء حتى ينخرطوا في الحرب ضد الإسلام والمسلمين
- الاتهامات البائسة التي روج لها الغرب طواها التاريخ كما طوى اتهامات الشرك الوثني للقرآن ولرسول الإسلام ﷺ
- ولكن مزاعم ارتباط الإسلام بالعنف وانتشاره بالسيف ظلت عالقة بالخيال الغربي على مر القرون حتى عصرنا الراهن*
لقد صنعت الصليبية للإسلام ورسوله ﷺ ، وللمسلمين وحضارتهم، صورة بائسة ومتهافتة ومضحكة أشاعتها في أوروبا الملاحم الشعبية؛ مثل ملحمة «رولاند» (1) عام ١١٠٠م، التي صورت المسلمين – الذين يعبدون الواحد الأحد، الذي ليس كمثله شيء، والذي يبلغ التنزيه له حد التجريد - على أنهم يعبدون «ثالوثا» .. ،«أبو لين»، (Apollin)، وترفا جانت (Tervagant)، ومحمد (Mohamed)
كذلك بلغ الخيال الصليبي المريض إلى الحد الذي صور فيه رسول الإسلام ﷺ – الصادق الأمين – هذه الصورة البائسة المضحكة التي قال عنها مستشرق يهودي منصف، هو الفرنسي« مكسيم رودنسون» (١٩١٥ – ٢٠٠٤م): «لقد حدث أن الكتاب اللاتين الذين حملوا على عاتقهم – بين عامي ١١٠٠م و ١١٤٠م – إشباع الحاجة لدى الإنسان العامي، وأخذوا يوجهون اهتمامهم نحو حياة محمد دون أي اعتبار للدقة. فاطلقوا العنان لجهل الخيال المنتصر.. فكان محمد «في عرفهم» ساحراً هدم الكنيسة في أفريقيا والشرق عن طريق السحر والخديعة(٢)، وضمن نجاحه بأن اباح الأنصار الاتصالات الجنسية، وكان محمد «في عرف تلك الملاحم» هو هدفهم الرئيس وكان معظم الشعراء الجوالة يعتبرونه كبير الهة السرامغة «البدو»، وكانت تماثيله «حسب أقوالهم» تصنع من مواد غنية وذات أحجام هائلة !! وقد اعتبر الإسلام في العصور الوسطى نوعا من الانشقاق الديني، أو هرطقة ضمن المسيحية وهكذا رأه الشاعر الإيطالي «دانتي» (۱۲۹۵ – ۱۲۲۱م) في« الكوميديا الإلهية»...
صورة بائسة
وقد تمددت هذه الصورة البائسة التي صنعها الخيال الصليبي المريض نطاق الملاحم الشعبية والعقل الجمعي للعوام والدهماء إلى حيث تبناها الفلاسفة والقديسون الكاثوليك والبروتستانت. أي المقلدون والمصلحون جميعاً! – فقال الفيلسوف القديس «توما الإكويني»، (١٢٢٥ ١٢٧٤م) عن نبي العفة والطهارة رسول الإسلام ﷺ :«لقد أقوى محمد الشعوب من خلال وعوده لها بالمنع الشهوانية، ولم يؤمن برسالته إلا المتوحشون من البشر، الذين كانوا يعيشون في البادية»!!(٣).
وسقط «مارتن لوثر»، (١٤٨٢ – ١٥٤٦م) في ذات المستنقع عندما قال: «إن محمداً هو خادم العاهرات وصائد المومسات»!!(٤) .
لكن هذه الاتهامات البائسة التي صنعها الخيال الصليبي المريض قد سقطت هي الأخرى، وطواها التاريخ كما طوى اتهامات الشرك الوثني للقرآن والرسول الإسلام ﷺ.. وحتى مع تصاعد العداء الصليبي الغربي للإسلام لن تجد اليوم أحداً في الكنائس الغربية - التي سقطت في الشذوذ والفضائح الجنسية – يتحدث بهذه اللغة عن الإسلام ورسول الإسلام.
ولو أن «توما الإكويني»، قد بعث اليوم حيا، ورأى كنائسه تغلق وتباع مطاعم وملاهي وعلياً لليل، وتقام بدلاً منها المساجد التي تروي عطش الأوروبيين إلى طمأنينة الإيمان.. ولو انه سمع بابا الفاتيكان «بنديكت السادس عشر»، يخشى ويحذر من أن تصبح أوروبا جزءاً من دار الإسلام في القرن الحادي والعشرين... لو أن ذلك حدث لما قال «الأكويني»، عن الإسلام: إنه «لم يؤمن به إلا البدو المتوحشون»!! ولما قال هو و« مارتن لوثر» - هذا الذي قالا عن رسول الله ﷺ
خيال سقيم
لقد سقطت هذه الاتهامات البائسة وتبددت هذه الصور المريضة التي صنعها الخيال الصليبي ولحقت بها في السقوط تلك الصورة التي صنعها« دانتي» - شاعر «الكوميديا الإلهية» – في القرن الرابع عشر الميلادي الرسول الإسلام ﷺ ولعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، عندما وضعهما في الحفرة التاسعة في ثامن حلقة من حلقات جهنم لأنهما – بنظره – من« أهل الشجار والنفاق الذين تقطعت أجسادهم في سعير الكوميديا الإلهية»!!(٥).
وكذلك طوى التاريخ صورة المتعصب التي صنعها الفرنسي «فولتير» (١٦٩٤ – ۱۷۷۸م) لرسول الإسلام ﷺ في مسرحيته «التعصب أو محمد الرسول»
لقد طلوي التاريخ هذه الصور المريضة. والخيالات السقيمة التي صنعها الخيال الغربي المعادي للإسلام ورسوله ﷺ ، عبر هذه القرون من الطمع الغربي في إعادة اختطاف الشرق من الإسلام والمسلمين… وهي الصور التي صنعها ليشحن بها عقول الدهماء حتى ينخرطوا في الحرب ضد الإسلام والمسلمين
قصص خرافية
لكن هناك تهمة وقرية وشبهة ظلت عالقة بالخيال الغربي ولا تزال عالقة ضد الإسلام على مر تلك القرون وحتى هذه اللحظات وهي تهمة وفرية وشبهة «ارتباط الإسلام بالعنف، وانتشاره بالسيف، وحضه على القتل للمخاطبين»... وهي تهمة لا تقف فقط عند العامة والدهماء الذين تتغذى عقولهم وقلوبهم من مخزون ثقافة الكراهية السوداء التي صنعها الخيال الصليبي القديم، والتي تشيع في الكتب المدرسية بالمجتمعات الغربية. بل تتعدى هذه التهم نطاق الدهماء إلى دوائر الفنانين والساسة والمثقفين والأدباء.
وبعبارة المستشرقة الألمانية «سيجريد هونكة»، (١٩١٣ – ١٩٩٩م):«.... فحتى اليوم. وبعد انصرام ألف ومائتي عام، لا يزال الغرب النصراني متمسكاً بالحكايات المختلفة الخرافية التي كانت الجدات يروينها: حيث زعم مختلقوها أن الجيوش العربية بعد موت محمد نشرت الإسلام« بالنار وبحد السيف البتار» من الهند إلى المحيط الأطلنطي ويلح الغرب على ذلك بكافة السبل بالكلمة المنطوقة، أو المكتوبة، وفي الجرائد والمجلات، والكتب والمنشورات، وفي الرأي العام، بل في أحدث حملات الدعاية ضد الإسلام (٦).
– ففي 30 سبتمبر ٢٠٠٥م: بدأ مسلسل« الرسوم الدنماركية» التي تصور رسول الإسلام في صورة الإرهابي المعتمر بعمامة هي قنبلة موقوتة (!!).
وبدأت حملة صحفية لإعادة نشر هذه الرسوم في صحف دول الاتحاد الأوروبي، وغيرها من وسائل النشر والإعلام الغربية.
-وبدأت الأحزاب اليمينية في الغرب المظاهرات والاحتجاجات ضد ما تسميه خطر أسلمة أوروبا والغرب مصوّرة مآذن المساجد حراباً وصواريخ للعنف والإرهاب-ودخل إلى ميدان الافتراء على الإسلام عدد من كبار المستشرقين الغربيين ورجال السياسة وصناع القرار.
فكتب المستشرق الشهير – والمشير المغرب من دوائر صناعة القرار الأمريكي – برنارد لويس يقول إن إرهاب اليوم هو جزء من كفاح طويل بين الإسلام والغرب فالنظام الأخلاقي الذي يستند إليه الإسلام مختلف عما هو في الحضارة اليهودية المسيحية الغربية، وآيات القرآن تصدق على ممارسة العنف ضد غير المسلمين!!(٦).
– كما تقول «مارجريت تاتشر»، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة:« إن تحدي الإرهاب الإسلامي الفريد لا يقف عند أسامة بن لادن، وإنما يشمل حتى الذين أدانوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر ۲۰۰۱م»!(٨ ).
– أما القس الأمريكي «بات روبرتسون» – مؤسس جماعة التحالف السياسي المسيحي والزعيم المقدم في تيار اليمين الديني والمسيحية الصهيونية، والأب الروحي للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن – فيقول:« إن الدين الإسلامي دعا إلى العنف وإنه بالنظر إلى المعنى الحقيقي الآيات قرآنية، فإن أسامة بن لادن أكثر وفاء لدينه الإسلامي من آخرين»!(٩).
-بل وحتى بابا الفاتيكان « بنديكت السادس عشر نجده يقول في محاضرته الشهيرة بألمانيا في ١٢ سبتمبر ٢٠٠٦م ان محمدا لم يأت إلا بما هو شرير وغير إنساني، مثل أمره بنشر العقيدة التي دعا إليها بحد السيف...»!(١٠)
-والأعجب والأغرب أن كاردينالًا كبيرًا، واسع الثقافة عالي النظرة رتبوا مقعده ضمن عشرين عالماً اختارتهم الأمم المتحدة كعلماء للعالم المعاصر هو الكاردينال «د. هانس كينج» يقول في كتابه «مقاييس عالية للأخلاق» و«لا شك أن مسألة العنف هي مشكلة رئيسة في الإسلام، ذلك أنه لا يمكن تجاهل اسم النبي محمد الذي لم یکن رجل دولة فحسب بل كان ايضا قائداً عسكريا خاض العديد من الحروب وحتى لذلك – ولا يزال يجني – كثيراً من المجد... وقد كان هناك عصر مبكر في الإسلام، ثم فيه واقعياً محو المسيحية من الوجود في بلادها الأصلية«!(١٠).
الهوامش
(١)«هوبرت هیرکومر» «وجهرنوت رومر» «صورة الإسلام في التراث الغربي»، ص ٢٥ و ٢٦ ، ترجمة ثابت عيد تقديم: د. محمد عمارة – طبعة دار النهضة، مصر – القاهرة عام ١٩٩٩م.
(۲)«مکسیم رودونسون» «الصورة الغربية والدراسات العربية الإسلامية» – كتاب تراث الإسلام – القسم الأول ص ۲۷ و ۲۸، ترجمة: د. محمد زهير السمتهوري طبعة الكويت – عالم المعرفة – المسطس1978م.
(٣) صورة الإسلام في التراث الغربي، ص ٢٢
٤٤) المرجع السابق، ص ۲۱
(٥) المرجع السابق ص ٢٤
(٦)«سيجريد هونكة» «الله ليس كذلك»، ص ٤٠ و41، ترجمة: د. غريب محمد غريب، طبعة القاهرة – عام ١٩٩٥م.
(۷) صحيفة « الشرق الأوسط»، اللندنية في ٢/٢/٢002م، وصحيفة الحياة اللندنية في ٢٠٠٢/٢/٢٦م ومجلة «نيوزويك» الأمريكية في 14/2/2002م.
(۸) صحيفة الشرق الأوسط، اللندنية في١٤/٢/٢٠٠٢م.
(٩)«نيوزويك» في ١٤/١/٢٠٠٢م. وصحيفة «الأهرام» المصرية في ٢/٢/٢٠٠٢م.
(۱۰) انظر نص المحاضرة في صحيفة وطني.
المسيحية – القاهرة في ٢٤/٩/٢٠٠٢م.
(۱۱) انظر الطبعة العربية لهذا الكتاب بعد ترجمة ثابت عيد – تقديم: د. محمد عمارة – طبعة القاهرة عام ٢٠١٠م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل