العنوان الغرب يتخبط بين أجنة للبيع وأطفال بلا آباء
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 1029
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مقدمة
من الصعب جدًا أن يُحسن الإنسان وضع
قانون يتماشى مع مصلحة الإنسانية جمعاء دون المساس بحقوق الأفراد، إذا لم يكن هناك
مرجع ثابت وقاموس لقِيم عليا يتم الاستناد إليه في مراحل التطور المتغيرة للعلوم
والمعارف التي نتج عنها تطور في الحاجات والتطلعات، وسعة في الآمال والأحلام.
فما الحدود التي ينبغي أن يقف عندها
العلم؟ وما الحدود الفاصلة بين آمال وأحلام بشرية ممكنة التحقق وبين أقدارٍ لا
تبديل لها؟ وما المعيار الصحيح لما يمكن اعتباره جرائم أخلاقية، ولما هو طب وعلاج
وعمل إنساني؟ هذه أمور لا يمكن الوصول إلى حكم سليم لها إلا من خلال تشريع ثابت
وقادر في ذات الوقت على إصدار كلمته الأخيرة فيما يخص كل مرحلة وكل عمل.
الغرب يتخبط اليوم في متاهات لا يدرك
نتائجها، وإن كان يحاول ضبطها بواسطة قانون إلا أنه قانون وضعي مرجعه الأهواء
والمصالح، آفاقه الرؤى البشرية المحدودة، لذلك تظل فرص نجاحه بالمقياس الإنساني
محدودة مثله مثل كل القوانين الوضعية الأخرى التي أغلقت ثغرة لتفتح ثغرات.
المترجمة
بعد عشرة أعوام من التفكير، يدرس
المعنيون مشروع قانون يحاول التوفيق بين الحق الفردي والقانون العام، بين إيجابيات
الاكتشافات البيولوجية الحديثة والآمال التي تفتحها من ناحية، والأخطاء التي
تهددنا من ناحية أخري.
فإذا كان خمسة وعشرون ألف طفل قد
ولدوا بواسطة تلقيح صناعي منذ عام 1973م، وعشرة آلاف آخرين بواسطة تدخل طبي منذ
عام 1982م، محققين بذلك آمالًا كبيرة للكثير من الأزواج، إلا أن هذا العلم الجديد
يفتح الباب أمام تصرفات لا معنى لها، مثل تحقيق حمل لامرأة في الستين من عمرها،
إحداث حمل عند فتاة عذراء، إنجاب طفل لأبوين متوفيين. يقول أحد الأطباء: "لقد
بذلت مجهودًا كبيرًا لأقنع إحدى السيدات الراغبات في إنجاب طفل أن التلقيح الصناعي
لن يتيح لها الحمل من أبيها". فالناس يعتقدون أن ما تنبذه قيم المجتمع
باستطاعة العلم أن يحققه، لذلك فقد كان ضروريًا البحث عن قانون يكون حلًّا وسطًا.
ما مصير الأجنة اليتيمة؟
إلى أن ظهرت طريقة التلقيح الصناعي،
كان من غير الممكن فصل الجنين عن أمه، وكان التدخل البشري الوحيد محصورًا في
عمليات التخلص الإرادي من الجنين. أما الآن، فقد أصبح بالإمكان الاحتفاظ بالأجنة
الملقحة مخبريًّا وإخضاعها لاختبارات بيولوجية، كما أصبح بالإمكان نقلها إلى رحم
أم قد لا تكون الأم الحقيقية، ونجاح هذه العملية يتطلب بشكل عام تكوين عدة أجنة ثم
الاحتفاظ بالعدد الإضافي، فما العمل بهذه الأجنة الإضافية؟ وهل لأحد الحق في
إخضاعهم للأبحاث العلمية؟ هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة الحساسة جدًا تستدعي
المخاوف من انحرافات ضالة؛ لأن ترك الأجنة في أيدي الباحثين سيعرض البشرية لكوابيس
الآثار العلمية المستقبلية على الأطفال.
تشخيص ما قبل الولادة
توصل الطب خلال العشرين عامًا
الأخيرة إلى تطوير تقنيات تسمح بتشخيص مرض الجنين قبل ولادته، بهدف الرغبة في
التخلص منه في حال وجود داء خطير يهدده، إلا أن إمكانية الاحتفاظ بالجنين في
المخبر لمدة تصل إلى أسبوع تزيد من إمكانية التشخيص قبل الولادي، مما يجنب الأم
التعرض لعملية إجهاض، وذلك بمجرد التخلص من هذا الجنين قبل حقنه في رحم الأم. وهذه
الإمكانية تفتح الباب أمام رغبات مثل تحديد جنس الوليد أو التخلص من الجنين لوجود
عيوب فيه، والخوف من ظهور معايير خارجة عن النطاق الطبي، كإمكانية اختيار مواصفات
جسمية أو نفسية أو عقلية معينة.
لذلك فإن الهيئة الخاصة بالتجمع
الوطني تقترح تضييق ممارسة تشخيص ما قبل الولادة، وحصره في حالات العلاج والوقاية
من أمراض خطيرة، وذلك في صالح الطفل المولود، وإخضاع العملية لجهات مخبرية مرخصة
وخاضعة لرقابة وزارة الصحة مباشرة، للتأكد من الأسباب الحقيقية التي أدت للتخلص من
الحمل.
طب الجينات وحماية المجال البشري
كثير من الأمراض الخطيرة يرجع سببها
إلى عيب نُقِلَ من جينة معينة، وعلاج هذا الأمر يتطلب حقن بعض الخلايا بجينات أخرى
بدل الجينات التي تحمل العيب، وهذا ما يسمى بالطب الجيني، ومع أنه يبدو سهلًا
نظريًا، إلا أن ممارسته تتعرض لصعوبات تقنية عديدة.. هذا الطب سيجنب الأجنة والكبار
الكثير من الأمراض الخطيرة؛ لأنه يتيح إمكانية استبدال خلايا الجسم البشري كلها
بما فيها الخلايا الوراثية، مما يعني القدرة على التدخل في الجنين وحقن خلاياه
كلها بالجينات الجديدة المختارة، إلا أن القانون وقف موقفًا صارمًا تجاه هذا الطب،
حيث منع التعديل من الجينات في حالة التأثير على أصول الفرد ليَمنَعَ النيل من
استقامة الجنس البشري، إلا أنه لم يمنع التدخل في حالة الأمراض الخطيرة.. هذا
ويطالب العديد من العلماء الأمريكيين اليوم بإغلاق الباب أمام الطب الجيني
الوراثي.
واقرأ أيضًا: