العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار «الحلقة التاسعة»
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
مشاهدات 49
نشر في العدد 748
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 31-ديسمبر-1985
إن الغزوات الإسلامية خلال فترات التاريخ الإسلامي، قد خلطها الأوربيون بالنظم الإمبراطورية حين وصف هؤلاء الخلافة الإسلامية بالاستعمار وأخذ العرب ذلك عنهم لكن اختار الله لدينه اسمًا واحدًا هو الإسلام. فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ﴾ (سورة آل عمران: 19)، واختار لمن يحمل هذه الأمانة اسمًا واحدًا لا يتغير على مر الأزمان وهو المسلم. قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (سورة الحج: 78).
والإسلام ليس رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو رسالة الله إلى الناس كافة على يد رسله أجمعين. قال رب العالمين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (سورة البقرة: 136).
ولم يكن الاختيار من الله عبثًا ولا سدى، فهو اختيار ليتطابق الاسم مع مضمون الرسالة العالمية التي جاء بها الإسلام والتي ختمت بالقرآن الكريم تلك الرسالة التي قال الله عنها: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّۚ﴾ (سورة المائدة: 48).
هذه الرسالة جاءت لترفع عن الناس العنت والظلم، ولتشيع بينهم المودة والأخوة والسلام. قال الله تعال عن الرسالة وأتباعها: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ﴾ (سورة الأعراف: 157).
إن هذا هو مضمون السلام في الإسلام، وهو ما فهمه الكبير والصغير من حماة هذه الرسالة ودعاتها، وهذا ما يبينه جندي عادي من جنود الإسلام ليس بفقيه ولا فيلسوف ولا زعيم، يبين رسالة السلام في الإسلام التي من أجلها حارب المسلمون طغيان دولتي الفرس والروم، هذا الجندي هو ربعي بن عامر، نراه يجيب على استفسار رستم قائد الفرس بقوله: «إن الله ابتعثنا بالحق لتخرج من شاء من عبادة العباد إلى عباد الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام».
إنها أهداف للرسالة تشربتها روح ربعي من مدرسة النبوة التي رأى فيها الجندي قائده يوجه رسائله بالسلام إلى كسرى وقيصر وملوك الأرض شرقًا وغربًا حيث أرسل من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم قائلًا: «السلام على من اتبع الهدى، اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين»، ويختم الحبيب المصطفي الرسالة بهذه الآية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران: 64).
والسلام من أسماء الله الحسنى، يقول عز وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ (الحشر: 23). وهو سبحانه يبشر المؤمنين بجنة الإسلام: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ (سورة يونس: 25)، وتحيته فيها لهم هي السلام: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ (سورة يس: 58)، ويقول أيضًا: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ﴾ (سورة الأحزاب: 44) وتحية الملائكة لأهل الجنة السلام: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (سورة الرعد: 23- 24). وتحية أهل الجنة بعضهم لبعض السلام: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ (سورة الواقعة: 25).
والسلام هو تحية المسلمين وهو هدف الإسلام في الأرض. قال عليه الصلاة والسلام «إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وآمانًا لأهل ذمتنا» بهذه التحية يعصم دم المحارب ويمنح الأمان. لهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (سورة النساء 94).
من أجل ذلك خاطب الله أهل الكتاب، وهم الذين آمنوا بالتوراة والإنجيل فطلب منهم أن يدخلوا في الإسلام ليحملوا رسالة السلام التي جاء بها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (سورة البقرة: 208).
فإن أبوا أن يدخلوا في هذا السلم فلا تحمل للمسالمين منهم إلا الحسنى، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت 46).
فرسالة السلام في الإسلام توجب على المسلم أن يعدل مع غير المسلمين ويبر بهم طالما أنهم لا يقاتلون المسلمين ولا يسعون لإخراجهم من وطنهم قال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8).
إن رسالة السلام في الإسلام توجب على المسلم أن يحارب الفساد والاستغلال. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة القصص: 83).
بل أنه إن امتنع قوم عن فعل الخيرات فلا يعالج ذلك بالعدوان لأن ذلك يتعارض مع رسالة السلام في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة المائدة: 2).
ولقد توج النبي صلى الله عليه وسلم رسالة السلام في الإسلام بإعلانه حقوق الإنسان في حجة الوداع، وذلك بقول: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا» وهذا السلام يوجب علينا قتال المعتدين حتى يذعنوا إلى حكم هذا الدين لأنه السلام. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ﴾ (سورة الأنفال: 39)، والصلح في السلام الإسلامي لا يعني التنازل عن الحقوق، بل يوجب قتال البغاة. قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الحجرات 9).
إن السلام الإنساني هو رسالة الإسلام، لأن دين الإنسانية والعدل والرحمة. فالمسلمون لا يدعون إلى شيء من الإمبراطورية ولا إلى سيادة جنس ولا إلى مغنم دنيوي، ولا يقاتلون تحت راية عمية، قومية أو عصبية، وإنما يهدف الإسلام إلى سلام عالمي بكل حلقات هذا السلام: سلام النفس، وسلام الأسرة، وسلام الدولة، وسلام المجتمع، ثم سلام العالم.
والدعاة إلى الإسلام سواء كانت الدعوة بصورة الدولة أو على صورة جماعة، أو أفراد يسعون إلى تحقيق ذلك السلام ولا يتعارض ذلك مع مبدأ الجهاد والدفاع. لأن الجهاد شرع لتحطيم كل الحواجز التي تحول بين الإنسان وبين هذه الدعوة إلى الحياة الآمنة.
والمسلمون حين خرجوا من الجزيرة العربية إنما خرجوا يدافعون عن حقوق الإنسان وسلامة تلك الحقوق التي اغتصبتها فئات قليلة من المستبدين وكونوا طبقة امتصت دماء الناس وحرمتهم حق الحياة في بقاع مختلفة من الأرض. فكانت رسالة الجهاد الإسلامي أن يمنع هذه الطبقات من الاستغلال والظلم والاستبداد ليكفل للإنسان وللجماهير الغفيرة البائسة التي تعيش في حدود هذه الطبقات حياة آمنة حرة.
حتى إذا نجح المسلمون عسكريًا في كسر هذه الحواجز. تركوا الناس أحرارًا في تقبل الدين الجديد، دون فرض أو قهر أو إكراه. قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ﴾ (سورة البقرة: 256).
فالسلام هو الأصل في الإسلام ويرتبط بمبدأ المسؤولية العامة أمام المسلمين ووسيلة تحقيق ذلك هو الجهاد في سبيل الله.