العنوان الغيبيات في مفهوم د. حنفي.. وقفات مع اليسار الإسلامي (3)
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 903
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 07-فبراير-1989
د. حنفي يسخر من الذين يعارضون الثقافة
الغربية لأنها صادرة عن الكفار والمشركين!
د. حنفي يرفض أن يتهم الغرب بالإباحية
والانحلال
أعداء المسلمين من يهود ونصارى وشيوعيين
هم الذين شردوا العرب المسلمين في فلسطين وأحلوا اليهود محلهم
أخي القارئ
الكريم..
وضحنا في وقفتنا
مع اليسار الإسلامي في الحلقة الأولى كيف أن الدكتور حسن حنفي ينظر إلى تراثنا
القديم «بعين أوروبية وبعقلية أوروبية وبمنهج أوروبي» وأنه لا يعمل حقيقة على
إحياء التراث بقدر ما يعمل على تشويهه وتدميره، واسترشدنا في الحلقة الثانية
بالدكتور حسن حنفي ذاته وبينا الروافد اليهودية في فكره، وفي هذه الحلقة الثالثة
نقف قليلًا عند بعض المقولات التي عرضها الدكتور حسن حنفي في بعض مقالاته والتي
تبدو لنا أكثر إلحاحًا.
حب
وإعجاب بالثقافة الغربية
في مقالته «بين
الأصالة والتقليد (الآداب مايو 1970 ص 6)،
حيرنا د. حسن حنفي، لا يعجبه المنبهرون بثقافة الغرب لأنهم في رأيه مقلدون
وتابعون.. ولا يعجبه الرافضون لها رفضا سطحيا لأن رفضهم يعني عنده القبول المقنع..
ولا يعجبه أيضًا المعارضون لها معارضة تامة لأنهم في نظره يعانون من حرمان ذهني
ومن كبت ديني. وحتى المحايدون لم ينالوا رضا الدكتور لأنهم مرتزقون مهمتهم عرض
الفكر كمهنة أكثر من التعامل معه ويقترح الدكتور أن ننظر إلى الثقافة الأوروبية من
خارجها بشعور محايد لا يتسم بطابعها ولا يتكون في بنائها النفسي والداخلي.
ورغم أن الدكتور
يدعو إلى اتخاذ موقف من الثقافة الغربية فإننا لا نجد مقالة واحدة له إلا وتنضح
حبًا وإعجابا بهذه الثقافة وبغضًا وحقدًا على من يعارضونها وخاصة هؤلاء الذين
ينظرون إليها على أنها ثقافة كفر وشرك.
يسخر الدكتور من
هؤلاء الذين يعارضون الثقافة الغربية لأنها صادرة من الكفار والمشركين الذين لا
يؤمنون بالله ويؤمنون بالتثليث وبالتالي فلا يصح «اتخاذهم أولياء من دون الله».
يقول الدكتور في
(ص 7): «وتقوم المعارضة في بعض الأحيان على اعتبار الثقافة الغربية صادرة من
الكفار والمشركين الذين لا يؤمنون بالله أو الذين يؤمنون بالتثليث وبالتالي فلا
يصح أخذهم أولياء من دون الله... والحقيقة أن هذا الحكم يقوم على حرمان ذهني وكبت
ديني..».
الفارق
بين الثقافة والمدنية
ويقول الدكتور
في (ص 152) من نفس المقالة: «وفي حياتنا المعاصرة نرى من نتهمهم بالكفر والإلحاد
يساعدوننا على تحرير الأرض وعلى التصنيع وعلى الاطمئنان على لقمة العيش»!
ويبدو أن
أستاذية الدكتور في الثقافة الأوروبية -لا الإسلامية- حالت بينه وبين الإدراك
الحقيقي للفارق بين الثقافة والمدنية. فالأولى هي مجموع المفاهيم عن الحياة
والثانية هي الأشكال المادية للأشياء المحسوسة التي تستعمل في شؤون الحياة؛ الأولى
خاصة تجري حسب وجهة النظر في الحياة والثانية خاصة وعامة.. الخاصة هي ما تنتج عن
الثقافة ووجهة نظرها في الحياة والعامة هي ما تنتج عن العلم وتقدمه والصناعة
ورقيها فهي عامة ولا تختص بها أمة من الأمم ونحن كمسلمين لا يجوز لنا مطلقًا أن
نأخذ وجهة نظر في الحياة غير نابعة من عقيدتنا.. أما الأشكال المدنية فيلزم لنا أن
نفرق بين ما هو ناتج منها عن ثقافة الغرب -أي عن وجهة نظره في الحياة- وبين تلك
التي تنتج عن العلم والصناعة.. فالأولى لا يمكن أخذها بأي حال من الأحوال لأنها
مناقضة تمامًا لعقيدتنا في الأساس الذي تقوم عليه وفي تصويرها للحياة الدنيا وفي
مفهومها عن سعادة الإنسان.
والثانية يمكن
أخذها لأنها ناتجة عن العلم والصناعة ولا نقدم وجهة نظر في الحياة. وقد فرق الشيخ ابن
تيمية رحمه الله بين الأمور غير المتعلقة بالدين أول كل ما فيه انتفاع بآثار
الكفار والمنافقين في أمور الدنيا وبين الأمور المتعلقة بالدين، وأجاز رحمه الله
أخذ الأولى ما لم يترتب على أخذها مفسدة راجحة أما الثانية فلا بد أن تعرض على محك
العقيدة.
نعود إلى قول الدكتور
في (ص 7): «.. وبالتالي فلا يصح أخذهم أولياء من دون الله...»؛ ما يعني اعتراضه
على قوله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ
أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ﴾ (المائدة: 51) بدليل قوله
في (ص 152): «إنهم -أي اليهود والنصارى- ساعدونا على تحرير الأرض وعلى التصنيع
وعلى الاطمئنان على لقمة العيش».
الطريق
الذي يدعو إليه
وواضح هنا أن
السبيل الذي يدعو إليه الدكتور هو طريق عبدالله بن أبي بن أبي سلول وهو طريق
موالاة اليهود والنصارى الذي رفضه عبادة بن الصامت الذي جاء إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ
من الله ورسوله من ولاية يهود، أما عبدالله بن أبي بن أبي سلول فقد قال: إنني رجل
أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية موالي، فنزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا
الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ﴾ (المائدة: 51).
إن اعتراض الدكتور
على الآية وتفضيله طريق عبدالله بن أبي بن أبي سلول قد يدخله في حدود قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن
تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ
عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة)، وقد قال الله تعالى: «يسارعون فيهم» ولم يقل «يسارعون
إليهم» لأن عبدالله ابن أبي بن أبي سلول ومن يحذو حذوه ما خرجوا من دائرة موالاة
اليهود والنصارى حتى يعودوا إليها بل هم في داخلها يسارعون .
ويقول الدكتور:
إنهم يساعدوننا على تحرير الأرض وعلى التصنيع وعلى الاطمئنان على لقمة العيش وما
أصاب الدكتور في ذلك فما زالت أراضينا تحت أيديهم وبلادنا غارقة في الديون لهم وما
منا من يستطيع الاطمئنان على لقمة العيش والعالم يحكمه الدولار والإسترليني.
وتناسى الدكتور أن -اليهود والنصارى- هم الذين شنوا الحروب الصليبية عبر مائتي عام
وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس وهم الذين شردوا العرب المسلمين في فلسطين وأحلوا
اليهود محلهم وهم الذين يشردون المسلمين في كل مكان في الحبشة والصومال وأرتيريا
ويتعاونون مع الإلحاد والمادية والوثنية في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند
وأفغانستان والفلبين وفي كل مكان.
ويستطرد الدكتور
في سخريته من الذين ينظرون إلى الثقافة الغربية على أنها ثقافة كفر وإشراك وإباحية
فيقول «.. أو على اعتبارهم -أي الغرب- إباحيون يتحدثون عن الجنس ويمارسونه علنًا»
والدكتور لا يقر ذلك من معارضي الثقافة الغربية على أساس أنها إباحية، بل يرى أنه
هذا الحكم يقوم على «حرمان ذهني وكبت ديني أو حسد منا لهم على حياتهم وتمتعهم
بالدنيا ونتمنى أن نكون مثلهم ولكنا غير قادرين».
وقد بنى الدكتور
حكمه هذا على حادثة فردية يرويها قائلًا: «في زيارة سارتر لمصر عام 1966م نظمت
جمعية الشبان المسلمين ندوة لمهاجمة سارتر باسم الله والدين والأخلاق وكانت معظم
أسئلة المستمعين حول صلة سارتر برفيقة حياته وعن علاقته معها.
سأل جاري: كيف
يحق لهذا الكافر الفاسق أن يعيش في علاقة حرة مع امرأة دون عقد شرعي؟ ثم همس في
أذني سرًا: ليتني كنت مثله»، ويعلق الدكتور قائلًا: «فالسؤال يقوم على تملق الحس
الديني عند الجمهور وعلى التستر الاجتماعي بالأخلاق والهمس يدل على الحرمان الجنسي
الدفين».
ونحن نشك في هذه
الرواية المنقولة عن الدكتور وحتى إن افترضنا صدقه في روايتها فهي حادثة فردية لا
يحق للدكتور -علميًا- تعميمها على كل من ينظرون إلى الثقافة الغربية على أنها
ثقافة إباحية، وحتى وإن سلمنا بصدق تعميمه فهذا لا يسقط عن الثقافة الغربية أنها
ثقافة إباحية.
ويرفض الدكتور
اتهام الغرب بالإباحية والانحلال ويدافع عن الغرب بما لا يحتاجه الغرب من دفاع
وإلا لم جاء سارتر إلى مصر برفقة عشيقته وليست رفيقة حياته كما قال الدكتور
تخفيفًا من وقع الكلمة على القارئ. ويقول الدكتور مهاجماً العقلية التي تتهم الغرب
بالإباحية: إن هذه التهم تدل على عقلية المتهم وبيئته، أكثر مما تحوي على اتهام
فعلي؟ وتقوم هذه العقلية كما يرى الدكتور بعملية إسقاط لأنها عقلية «تشعر بالنقص
والضعف أمام هذا النموذج» الذي يراه الدكتور نموذجًا فريدًا. وتود هذه العقلية أن
تتمتع بالحياة فتفعل في السر دون العلن.
ويقول الدكتور
في (ص 152): «لقد اعتبرنا حياة الأوروبيين إباحية والحقيقة أننا نحسدهم على حياتهم
ونتمنى أن نحيا مثلهم واعتبرنا سلوكهم رذيلة».
الإعجاب
بالأوروبيين
كشف الدكتور
بهذه الكلمات أن العقلية التي يهاجها والتي يرى أنها تقوم بعملية إسقاط وتشعر
بالضعف والنقص أمام الغرب وتحسد الأوروبيين على حياتهم وتتمنى أن تعيش مثلهم، إنما
هي عقلية الدكتور ذاته وليست عقلية هؤلاء الذين ينظرون إليها على أنها ثقافة
إباحية. وأن الذي يقوم بعملية الإسقاط هو الدكتور نفسه وليس من يهاجهم. ودليلنا
على ذلك من جانب آخر قوله المملوء بالإعجاب بالأوروبيين في (ص 152): «لقد استطاع
الأوربي بعد عصر النهضة وبعد الإصلاح الديني وبعد التحرر العقلي ونشأة الاتجاه
الإنساني استطاع رفض كل قناع مسبق وعشق الحياة التي طالما أبعد عنها مرة باسم
الدين «؟» ومرة باسم الفضيلة «؟» وعرف الواقع بعد الاتصال المباشر به دون أن يكون
في حاجة إلى استنباط ذلك من أية نظرية مسبقة؟ قدس العمل والمرح في الوقت نفسه يعمل
بجد ويمرح بجد وفي ساعة العمل لا يفكر في المرح وفي ساعة المرح لا يفكر في العمل.
عمل كل شيء التجربة والحياة والجنس؟ الفضيلة، الرذيلة المحافظة التحرر وأصبح له
القدرة على الحكم وعلى السلوك السوي، يعلم عن بيئة ولا يؤمن إلا بالتجربة الشخصية؟
أليس هذا هو الإسقاط بعينه عما في نفس الدكتور يلقيه على من يتهمون الغرب بأنها
ثقافة إباحية؟!
التجديد
والتردد
ننتقل إلى موضوع
آخر نثبت فيه تشبع الدكتور بالثقافة الغربية التي يطالبنا بأن نتخذ موقفًا حيالها،
يقول الدكتور في مقالته عن التجديد والترديد (ص 28): «لا يعني إذن النقد الترديد أي ترديد ما يقال في بيئة حضارية معينة لظروف
تاريخية معينة في بيئة حضارية أخرى تخضع لظروف تاريخية مغايرة أو مماثلة خاصة وإن
كان المعطى الديني نفسه مختلفًا في كلتا البيئتين.. الترديد هو إساءة فهم للأفكار
والنظريات التي نشأت في بيئة معينة لأنه يخرجها عن بيئتها ويعممها ويعتبرها وحيا
جديدًا ثم يطبقها على بيئة أخرى قد لا تصور فيها شيئًا وقد لا تمس من فكرها إلا
السطح الخارجي، إن كل فكر له بيئته التي ينشأ فيها.. وكل الكتابات المعادية للدين
هي في الحقيقة كتابات معادية للمسيحية».
كل ما قاله الدكتور
في الفقرة السابقة نادى بنقيضه تمامًا بل إن كل ما تردد في البيئة الحضارية
الغربية ردده الدكتور في بيئتنا الحضارية التي قال: إنها تخضع لظروف تاريخية
مغايرة، يقول الدكتور في نفس المقالة (ص 30): «فالفكر المسيحي المعاصر به تيارات
عديدة أهمها كما هو الحال في كل عصر، تياران: تيار تقدمي حر وهو استمرار للفلسفة
الحديثة مهمته القضاء على البقية الباقية من الأساطير بمناهج العلوم الإنسانية
الجديدة والأساطير المقارنة وتحليل لوجود الإنسان وعلم النفس الاجتماعي وعلوم
الاقتصاد والسياسة..».
ويقول الدكتور
في مقالته «ثقافتنا المعاصرة» (ص 150)، في نفس القضية: «فبعد تقدم العلوم
الإنسانية في الآونة الأخيرة أصبح كثير من المشاكل الإنسانية التي اصطلح من قبل
على أنها من خلق الروح أو من صنع الله موضوعًا للدراسة والتحليل وأمكن تحويل الدين
إلى علم إنساني كسائر العلوم الإنسانية الأخرى من علم نفس واجتماع واقتصاد وتاريخ
وقانون» أما العقائد فترد إلى علم تاريخ الأديان المقارن.
التيار
التقدمي
ونفهم من هاتين
الفقرتين للدكتور واللتين وردتا له في مقالتين مختلفتين في موضوع واحد نفهم منهما
أن التيار التقدمي الحر في الفكر المسيحي هو الذي أدى إلى أن يتحول الدين في الغرب
إلى علم إنساني، ومن المفروض أن الدكتور إذا كان يعي ما يقول فعلًا ألا يردد ما
دار في الغرب في بيئة حضارية يقول عنها إنها تخضع لظروف تاريخية مغايرة ولكن الدكتور
ردد في مقالته ما حققه التيار التقدمي الحر في الفكر المسيحي وبصورة أكثر عنفًا.
قارن الدكتور في
(ص 150) من مقالته عن ثقافتنا المعاصرة بين ثورة أوروبا على الدين وجرأة سبينوزا
على التراث الديني ورفضه أساطير الدين وأوهامه وجرأة فولتير ورفضه للقضاء والقدر
والمعجزات والتصورات التقليدية للدين وبين موقفنا نحن المسلمين من ديننا فيقول في (ص
151): «ونحن ما زلنا نخاف أن نمس الدين وما زلنا نعتبره موضوعًا مثاليًا معطى من
عند الله يحوطه التقديس ولا يمكن دراسة عقائده وكتبه وتاريخه «كعلم إنساني».. إذن
فالدكتور يريد أن يحول الإسلام إلى علم إنساني كما فعل التيار الحر في الفكر
المسيحي بالمسيحية.
وإذا اعترض
الإسلاميون على أفكار الدكتور قال عنهم إنهم رجعيون متخلفون يشبهون أشد الدوائر
رجعية في الفكر الغربي وهي الدوائر الدينية.
يقول الدكتور في
(ص 151): «وفي بعض الميادين التي نحن في أشد الحاجة إلى الاستفادة منها نقف موقف
المعارضة والرفض كما تفعل بعض الدوائر في الفكر الغربي، ونعتبر ذلك خروجًا على
التقاليد وقلبًا للأوضاع وتركًا للتراث وإنكارًا للفضائل الثابتة على ممر السنين،
تبعية منا لأشد الدوائر رجعية في الفكر الغربي أعني الدوائر الدينية الرسمية فبعد
تقدم العلوم الإنسانية في الآونة الأخيرة أصبح كثير من المشاكل الإنسانية التي
اصطلح من قبل على أنها من خلق الروح أو من صنع الله موضوعًا للدراسة والتحليل،
وأمكن تحويل الدين إلى علم إنساني كسائر العلوم الإنسانية الأخرى من علم نفس ولغة
واجتماع واقتصاد وتاريخ وقانون».
إذن فهي ثورة من
قبل الدكتور على الدين وليس كما يدعي أصحاب اليسار الإسلامي أن يكون الدين ثورة،
فيصبح الدين في المستقبل لا دينا، وها هو الدكتور يدين نفسه في موقع آخر ويشهد أنه
يردد ما يدور في الغرب يقول الدكتور في مقالته عن التجديد والترديد (ص 33): «لذلك
قد يكون الدين أقرب إلى علوم الإنسان منه إلى علوم الطبيعة ويكون مهمة التجديد
تحويل الدين إلى علم إنساني كما فعل جوبو في لا دينية المستقبل».
الغيبيات
في الإسلام
وبعد أن يحول الدكتور
الإسلام إلى علم إنساني كعلم الاجتماع أو الاقتصاد فمن المنطقي ألا يكون دينًا أو
عقيدة وإنما سيكون مجموعة فروض وهذا هو الأصل في الأفكار التي حملها الدكتور من
ثقافته الباريسية. ولذلك نجده يقول في (ص 37) من المقالة السابقة ما نصه «ليس الدين
مذهبًا أي مجموعة من العقائد المتماسكة يقبل ككل أو يرفض ككل، إنما الدين مجموعة
من الفروض».
وهكذا يقود الدكتور
الإسلاميين من ذوي النيات الطيبة شيئًا فشيئًا إلى أن يدمروا دينهم بأنفسهم، وليس
هناك أظهر ولا أوضح من دعوة الدكتور إلى القضاء على مسائل الإلهيات والغيبيات في
الإسلام، وهذا هو موضوعنا الثالث في هذه الوقفة.
يعيب الدكتور
على الفكر الإسلامي المعاصر سيادة الإلهيات فيه واستسلامه للجوانب الغيبية التي
يراها أسطورية، يقول الدكتور في (ص 30): «فإذا كانت مشكلة الفكر الإسلامي المعاصر
ما زالت هي سيادة الإلهيات..»، ويعيب الدكتور على الفكر السلفي أيضًا ذلك فيقول في
(ص 39): «والعقلية السلفية ليست كلها عقلية دينية غيبية، صحيح أن ابن تيمية وابن
القيم يؤمنان بوجود الشياطين والجن والعفاريت وهذا هو أحد وجوه الضعف في هذه
المدرسة»
ولا يحتاج
الإنسان لكي يكون مسلما أن يؤمن بهذه الغيبيات يقول الدكتور في (ص 39): «لا يحتاج الإنسان إذن لكي يكون مسلمًا إلى الإيمان بالجن والملائكة
والشياطين والعفاريت». ولكي يكون المسلم مسلمًا حقًا فإن عليه أن ينكر الجانب
الغيبي في الدين.
يقول الدكتور في
(ص 39): «فيمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل الجانب الغيبي في الدين ويكون مسلمًا
حقًا في سلوكه».
هذه المقولات
التي ينادي بها الدكتور لإنكار المغيبات هي محصلة موالاته لليهود والنصارى...
ويعترف الدكتور بذلك فيقول في ص ٣٩ ما نصه «فيمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل
الجانب الغيبي في الدين ويكون مسلمًا حقًا في سلوكه... وهي الفكرة المسيطرة على
كثير من فلاسفة الأديان في اليهودية والمسيحية عند القديس يعقوب والمسيحية الأولى
حتى كانت والمسيحية الليبرالية عند هارناك».
القصص
القرآني
وحتى القصص
القرآني عن آدم وحواء والملاك والشيطان وإبليس والجنة والنار ينكره الدكتور تمشيًا
مع آراء فلاسفة اليهود والنصارى والضالين من فلاسفة المسلمين.
يقول الدكتور في
(ص 38): «أما أن يذكر في الكتب المقدسة من قصص آدم وحواء والملاك
والشيطان وإبليس والجنة والنار إلى آخر ما ينأى عنه البعض باعتباره تفكيرًا غير
علمي فقد اعتبره الفلاسفة من قبل مجرد رموز تدل على معان عقلية أو روحية وأنكروا
مادية الوقائع أو أحداثها التاريخية».. ويجيء رأي الدكتور في هذا القصص في قوله
«إن كل هذا القصص أقرب إلى التصوير الفني منه إلى الوقائع على ما يقول بعض
المجددين المعاصرين الغرض منها التأثير على النفوس وليس تقرير وقائع تاريخية».
ولعل الدكتور يقصد هنا «طه حسين» و«محمد أحمد خلف الله» أما الفلاسفة الذين استشهد
بهم الدكتور فهم ابن سينا وابن رشد وفيلون وابن ميمون وسبينوزا واوريجين.
ووصل الأمر بالدكتور
إلى القول: إن الله تعالى مجرد شعور يخلقه الإنسان فيقول في نفس الصفحة: «وكما أن
الشعور الإنساني يخلق إلها فإنه يخلق شيطانًا». ولا يقف الدكتور في استدلاله على
صحة ما يقول برأي الفلاسفة السابق ذكرهم بل يستدل أيضًا بما يسميه «الأعمال الروائية
الكبرى» فيقول استكمالًا للفقرة السابقة «ويتضح ذلك في الأعمال الروائية الكبرى
«ياجو» في عطيل و«الملكة الأم» في هاملت، وقد يكون إبليس رمزًا للأخطاء البشرية أو
قد يكون رمزًا في عصرنا الحاضر للتحدي ولإعمال العقل والعزة». هذه هي الأطر
المرجعية التي استند إليها الدكتور في رفضه للإلهيات والغيبيات.
والتفسير الغيبي
للدين عند الدكتور هو تفسير العوام السذج وليس تفكير الفلاسفة والمثقفين مثله.
ويرى أنه يكفي الأخيرين أن يؤمنوا بأن الدين ليس إلا رموزًا فيقول في (ص 39) من
نفس المقالة: «والتفسير الأسطوري الغيبي هو بالفعل تفسير العوام له وإيمان البسطاء
السذج أما المثقفون فإن تفسيرهم أكثر عقلانية. ومنهم من يؤمن بأن الدين كله ليس
إلا رموزًا يمكن للفيلسوف «ويعني هنا نفسه» أن يدرك معناها وهذا يكفيه».
ويرى الدكتور أن
مفاهيم الغيبيات تعوق استكشاف عوالم جديدة لهذا فلا بد من إسقاطها واستبدالها
بمفاهيم أكثر عقلانية لأنه لا يجب أن نواجه الحضارة المعاصرة بمقولات قديمة.
يقول الدكتور في
مقالته «ثقافتنا المعاصرة» (ص 6): «فما زالت لغتنا القديمة تعبر عن مضمونها الأول
دون أن تستكشف عوالم جديدة يمكن من خلالها إسقاط ألفاظنا القديمة والتعبير عن
مضمونها في لغة أكثر قدرة على التعبير فما زلنا نستعمل ألفاظ- الحلال والحرام
والدنيا والآخرة والجنة والنار والملاك والشيطان مع أن مفكرينا القدماء قد أسقطوها
واستعملوا بدلًا منها ألفاظًا أكثر عقلانية وعمومية مثل السعادة والشقاء وبالتالي
لم تستطع أن تستكشف العوالم المعاصرة مثل الشعور والذات والفعل والحركة.. ما زلنا
نواجه الحضارة المعاصرة بمقولاتنا القديمة».
ويستمر هجوم الدكتور
على التراث الذي كتب مقالاته دفاعًا عنه في مواجهة التراث الغربي فيقول في (ص 6)
من المقالة السابقة: «نحن نرزح تحت عبء التراث القديم في مواجهة التراث الغربي»
ويكرر ذلك في مقالته عن التجديد والترديد فيقول في (ص 40): «صحيح أن في فكرنا
المعاصر تيارًا دينيًا لإثبات الجن والملائكة والشياطين ويتم الترويج لذلك في
أجهزة الإعلام ويكون الأجدى في مثل هذه الحالة للمجتمعات النامية التي ما زالت
ترزح تحت عبء الفكر الأسطوري والعقلية الغيبية أن تحاول الاقتراب من العقلية
المضادة لها أي العقلية العملية وليس المجال هنا إثبات الإلهيات والغيبيات التي
أنكرها الدكتور فهذه القضايا التي يرددها الدكتور ترددت كثيرًا قبل أن يكون هناك
«الدكتور حسن حنفي» بزمن بعيد، وتصدى لها علماء السلف وأرسلوا «جيوشهم وصواعقهم
المرسلة» على منكريها لكننا نكتفي هنا بفقرات للإمام ابن القيم نراها مناسبة في
هذا الصدد.
يقول الإمام ابن
القيم رحمه الله: «وهو أن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته وعدله أن يفسد على العبد
عقله الذي خالف به رسله ولم يجعله منقادًا لهم مسلمًا لما جاءوا به مذعنًا له..
وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرسول حتى آل أمرهم إلى مقالات الفلاسفة التي
قدموها على ما جاءت به الرسل حتى قالوا ما أضحكوا به كافة العقلاء..
وفي الحقيقة لم
يثبتوا ربًا أنشأ شيئًا ولا ينشئه ولا أثبتوا لله ملائكة ولا رسلًا ولا كلامًا ولا
ألوهية ولا ربوبية وبالجملة فلم يصيبوا في الإلهيات في مسألة واحدة، بل قالوا في
جميعها ما أضحك عليهم العقلاء».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل