; الـحضارة الإسلامية.. اتجاها ومهمتها (1) | مجلة المجتمع

العنوان الـحضارة الإسلامية.. اتجاها ومهمتها (1)

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011

مشاهدات 88

نشر في العدد 1978

نشر في الصفحة 44

السبت 26-نوفمبر-2011

الحضارة بالمفهوم الإسلامي تبدأ من الإنسان المؤمن بالله تعالى - خالقًا رازقًا مشرعًا -

كان الناسُ يَرَوْن آثار منهج الله تعالى في المسلم سلوكًا قبل أن يسمعوه منه كلامًا منطوقًا

ما زال موضوع الحضارة الإسلامية ظاهرة مُلحة بحاجة إلى كثير من الجهد الصبور المخلص الأمين، ليس فقط في إظهار كنوزها، والاطلاع على نتاجاتها ومعرفة مبانيها، بل - قبل ذلك وأهم - إلى بيان منطلقات هذه الحضارة وعنايتها بالحقائق الأساسية للإنسان وحياته، التي تَكْمُن فحسب في الإيمان الغامر الغائر المتنور بشريعة الله تعالى - ابتداءً من العقيدة ومكوناتها التي تبدأ من توحيد الله تعالى - التي أنزلها على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم كان لها مثالًا يُقتدى لكافة بني البشر، حتى يَرثَ الله الأَرضَ ومَنْ عليها: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).

الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله سبحانه وتعالى بأعلى مستوى أخلاقي، شَهِدَ له جَلْ جَلاله بأعلى وصف للأخلاق ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).

المثال والقدوة 

كان  الإنسان المثال لكل الأجيال في كل الأحوال، بهذا أرسله الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)، بذلك: «كان خُلقه القرآن» (۱).

لذلك فلابد أن يَقْتَرب خُلُقُ المسلم مِنْ ذلك النوع الكريم الفاضل، بكل ما استطاع أن يأتي منه، ليصل فوق الحد الأدنى للمسلم الأمين على دعوته. الارتقاء للأكثر مفتوح، يَظْهَر في تعامل المسلم مع كل أحد، به انتشر الإسلام.. كان الناسُ يَرَوْن آثار منهج الله تعالي في المسلم سلوكًا يسمعوه منه قبل أن كلامًا منطوقًا، دعوة وعظ وإرشاد.

نوعية متميزة

لابد هنا من التأكيد بأن الحضارة بالمفهوم الإسلامي تبدأ من الإنسان المؤمن بالله تعالى واحدًا فردًا صمدًا خالقًا رازقًا مشرعًا، عندئذ فحسب يكون نوعية متميزة مترقية، تُلْفتُ النظر إليها، في كل الأحوال. يفعل ذلك استجابة لأمر الله تعالى، وطاعة ومحبة وقُرْبَى، حتى وقت ما يمزح ويمرح ويضحك، هكذا كان الصحابة الكرام يفعلون والإيمان في قلوبهم أعظمُ مِنَ الجبال (2).

 أساس ذلك وموئله ومُحركه أن الإسلام - قَبْلَ كُلِّ شيءٍ - منهج الله تعالى، ومن يتبعه ثابت مرتبط به جل جلاله عقيدة شاملة كريمة سليمة عظيمة صحيحة تقوم على توحيد الله أولا أرسل الله تعالى كافة الأنبياء عليهم السلام خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم بهذا المنهج الشامل الكامل المثال، لتقوم به الحياة الإنسانية الكريمة تبنى عليها حضارة فائقة رائقة حضارة التوحيد.

توحيد الله تعالى، الذي قامت عليه جميع الدعوات الإلهية: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الأنعام:102).

منهج إلهي

دعوة التوحيد ومنهجها الإلهي الكريم الفريد، تقوم في الحياة بأهلها الذين استقرت لديهم في النفس، وتعلق بها القلب وامتلأت بها الذات إليها يسعى جادًا، إيمانًا ووجهة واحتسابًا.. عشق حقيقتها ووَقَفَ في دائرتها المنيرة بأعلى استعداد لاحتمال كل جهد من أجلها مُقَدِّماً لها كل عزيز النفس قبل النفيس، بذلك لا تجوز المقارنة مع أي مما سواها.. تابعها محب ملتزم وقاف عند العمل قبل الحديث، يظهر علمه عملًا متلاحمًا. متوائما قل نظيره، كما قل تنظيره حيث: «العلم للعمل» عنوان كتاب لعالم المشرق يومها: الخطيب البغدادي (٤٦٣هـ -۱۰۷۲م).

 هكذا بمثل هذه الدوافع الربانية الكريمة يتم الارتقاء الحق والتحضّر الإنساني النبيل والاستقامة البناءة الآخذة لكل أشكال البر وأرقى أنواع التعامل، مثل أجود الابتكارات النافعة لبني الإنسان.

 ذاك ما قدمته الحضارة الإسلامية في كافة الميادين المعروفة المبتكرة المنجزة ابتداء.

القاعدة في ذلك: «ابن الإنسان على الإسلام ثم دَعْهُ مُنطلقًا في الحياة يبنيها». عندئذ يُريكَ عَجَبًا، يجعلك تعجب منه، تذهب باحثًا عن سببه.. كم من أناس كانوا من المغمورين على الهامش أرقامًا، غَدَوْا كُلهم من الأعلام المرموقين القدوة، كل له مكانته ومكانتها بالاعتبار الإنساني، الذي كفله الإسلام، بميزانه العدل المرموق استقامة لا تلحق ولا تُضارع، دون النظر لأي اعتبار غير التقوى في التمايز مع بقاء الحقوق للجميع الزاماً بلا استثناء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13).

كذلك وقف الرسول الكريم ﷺ يخاطب قريشاً وأهل مكة أيام فتحها (٢٠ رمضان هـ - ٦٢٩م): «يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناسُ من آدم وآدم من تراب»، ثم تلا آية الحجرات (۲).

أعلام شامخة

هكذا كانت تعاليم المنهج الإسلامي تجبه الناس بعلوها الذي ما كان وما يزال دواما بما لا يخطر على بال مَنْ لا يعرفه.. رفع الناس إلى أعلى المقامات، حتى أولئك الذين يعيشون مغمورين، مثل: بلال الحبشي (المتوفى٢٠هـ - ٦٤١م)، الذي اختاره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليرتقي الكعبة المشرفة ليرفع النداء الخالد: الآذان، مما أثار دَهْشةً مُجْمَل قريش.

وأسامة بن زيد بن حارثة (المتوفى ٥٤هـ -٦٧٤م)، الذي ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره تحت العشرين عامًا - جيشًا فيه أبو بكر وعمر (4).

 وعتاب بن أسيد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة المكرمة وعمره واحد وعشرون عاما)، وغيرهم جد كثير.

يجري ذلك دون استثناء - رجالًا ونساءً وأطفالًا - كُلّ لِمَا يَسِّره الله له، مهما كان قبلًا.

نساء متميزات

أما النساء، فما أكثر المتميزات في تاريخنا تميزن جميعًا بالإسلام، مثل إخوانهن الرجال هذه عفراء التي أتت بأولادها الثلاثة في معركة بدر الكبرى (الجمعة ١٧ رمضان ٢هـ (6) - نحو ٦٢٤/٤/٢٠م)، اسْتُشْهِد منهم اثنان (7)، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام زوجة عكرمة بن أبي جهل، التي قَتَلَتْ في إحدى معارك فتوحات الشام بعمود خيمة عُرْسِها عددًا مِن جيش الروم»، وأسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية (٦٩هـ) (9). 

ثم ألم يرد الرسولُ الكريم صلى الله عليه وسلم مَنْ قَدِمَ مَنَ الأطفال للمعركة، وهم في سن دون الخامسة عشرة، فعادوا حَزَانَى يبكون (١٠)؟!

ولادة إيمانية

الإسلام منهج إلهي دومًا جديد فريد، يُنشِيءُ الإنسان في ولادة إيمانية جديدة، يُنقيه ويُرقيه ويُزَكيه، يأخذه كما هو، ثم يَرْتَقي به برفق، يُظهر طاقاته الظاهرة والباطنة على طريقته، يسير بها في طريقه المنير المبارك يعتلي قمما رفيعة، ما كان له أن يقف عليها فضلًا عن معرفتها.

يستخرج ما في مُكْنَتِه مِنْ مُدْرَكات متنوعة، كانت كامنة مخبوءة Potential يرعاها منيرة مباركة، فكيف بالظاهرة المقروءة؟ لذلك كان ما قدمه المسلمون خلال القرون - في نتاجهم الحضاري المتنوع وحالهم الكريم المقيم والجانب الإنساني الرفيع - مثار إعجاب الأمم حتى الوقت الحاضر بكافة انتماءاتهم، وسيبقى كذلك لكافة الأجيال طول الزمان. كل هذا وغيره، مما أنشأه هذا المنهج الرباني الفريد الذي لا

يمكن لغيره إنجازه أبدًا بحال.

سبق وإنجاز

موضوع الأعلام في الحضارة الإسلامية بحاجة إلى دراسة مستقلة، نلحظ أعاجيبهم الباهرة، منها أن عددهم يفوق ما لدى أية أمة في كافة العصور، وربما ما لدى كل الأمم مجتمعة.. إذْ إِنَّ تَوافَّر الإنسان المسلم المعبر عن الإسلام بأفعاله وأحواله وسلوكه، يمثل المنطلق الحضاري، بعدها يُقدِّم كُلِّ سَبْقِ ممكن من إنجاز مترق باهر بأي مفهوم واتجاه يأتي تاليا باهرا طبيعيا عالي الآفاق.

كل ذلك موكول بتوافر الجيل الآخذ بمنهج الله تعالى، إيمانًا وجهادًا واحتسابًا، القائم بحدوده المتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم به وَحْدَهُ يَكونُ جيلا متميزا ملتزما بالمنهج الرباني الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران102:104).

قاعدة الحضارة الإسلامية: ابن الإنسان على الإسلام ثم دَعَهُ مُنطَلِقًا في الحياة نتنيها.. وسيُريكَ عَجَبًا 

عدد الأعلام في الحضارة الإسلامية يفوق ما لدى كل الأمم مجتمعة -

الهوامش

(۱) موسوعة الحديث الشريف الكتب الستة مسلم رقم ١٧٣٩(٧٤٦). مسند الإمام أحمد ٦/٩٧، ٢١٦، كذلك: البداية والنهاية، ٥٢/٦ - ٥٣، روته أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها)، حين سُئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت للسائل: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى قالت: «فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن.

 (۲) حياة الصحابة، الكاندهلوي، ٤٨/١.

 (۳) السيرة النبوية ابن هشام، ۹۳۷ البداية والنهاية، ٥٥٣/٤، ٥٥٧. 

(٤) الموسوعة: البخاري، أرقام: ۳۷۳۲ - ۳۷۳۷، ٤٤٦۹، مسلم، أرقام: ٣٨١٦ - ٣٨١٩، السيرة النبوية ابن هشام، ۱۱۲۳، سير أعلام النبلاء الذهبي ٤٦٩/٢ - ٥٠٧، البداية والنهاية ابن كثير، ۳۱۰/۵ - ۳۱۱، ۹/۷-۱۱، ٩٣/٨ - ٩٤، الأعلام، الزركلي، ۲۹۱۱. 

(٥) السيرة النبوية ١010، ١٠٩٤،١١٤٢، البداية والنهاية ٠٥٥٧/٤ ٦٤٢ - ٦٤٣، الأعلام، ١٩٩/٤ – ٢٠٠.

(٦) البداية والنهاية، ٤/ ١٧، ٣٢،.1.0.1-1.02،٥٢

(۷) السيرة النبوية ابن هشام، ٣٩٥،۵۹۰ ،۵۲۷

(۸) السيرة النبوية، ٩٣٦، البداية والنهاية ١٧٥/٤، ٥٥٠، ٥٦٣، الأعلام، ٢٦٩/٢. 

(۹) سير أعلام النبلاء، ٢٩٦/٢ - ٢٩٧، البداية والنهاية ،۷۸/۹ ١٤٤/١٠، الأعلام،

.٣٠٦/١

(۱۰) السيرة النبوية ٦٥٤، البداية والنهاية، ٠٥٤/٤. 

الرابط المختصر :