العنوان الــولاء
الكاتب محمود غزلان
تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011
مشاهدات 66
نشر في العدد 1948
نشر في الصفحة 66
السبت 16-أبريل-2011
يعني الحب والتأييد والنصرة، والولاء قد يكون للأشخاص كما يكون للمبادئ والإسلام يحض على تقديم الولاء للمبادئ على الأشخاص، وإذا أجاز الارتباط بالأشخاص فإنما يجيزه بقدر ارتباط هؤلاء الأشخاص بالمبادئ، فإذا تخلوا عنها انفك الولاء لهم.
وميزة هذا الأمر أن الارتباط بالمبادئ يرفع من قدر الإنسان ويحرره من التبعية لغيره، كما أنه يمده بالمعيار الذي يستطيع به أن يعرف الحق ويزن الناس، وقديمًا قيل: «اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال»، وقيل: «اعرف الحق تعرف أهله».
كما أنه يحمي الإنسان من التقلب وتنازع الأهواء والشهوات وغائلة الشبهات التي قد تعتري أولئك المتبوعين، كذلك يحميه من صدمة الواقع إذا غاب هذا الرمز بالموت ونحوه، فمن أراد أن يتأسى فليتأسى بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ولذلك أبى القرآن الكريم على الصحابة رضوان الله عليهم أن يتعلقوا برسول الله ﷺ تعلقًا يذهلهم عن التعلق بالمبادئ، وأنزل عليهم درسًا بليغًا حينما سرت شائعة استشهاد النبي عليه الصلاة والسلام يوم «أحد»، وقعود بعضهم يبكون من هول الصدمة فقال لهم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144) فلم يقبل منهم تقديم ولائهم لشخص ولو كان رسول الله ﷺ على ولائهم للدين، فما بالك بغيره من الناس.
وهذا الولاء يقتضي من أصحابه حب هذه المبادئ والالتزام بها والدعوة إليها والدفاع عنها وتأييدها ضد خصومها، ونصرة أهلها والاجتماع معهم على ذلك، وهذا كله له تبعات ومستلزمات، منها احترام الضوابط والنظم، وتوقير القيادة، والإخلاص للجماعة والدعوة، ولقد تجلى ذلك كله في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 62، 63)
وفي هذا يقول صاحب الظلال -يرحمه الله- وأيًا ما كان سبب نزول هذه الآيات؛ فهي تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها، هذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها وعواطفها وأعماق ضميرها، ثم تستقر في حياتها فتصبح تقليدًا متبعًا وقانونًا نافذًا، وإلا.. فهي الفوضى التي لا حدود لها. ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: 15).
لا الذين يقولون بأفواههم ولا يحققون مدلول قولهم: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (النور: 62).
والأمر الجامع الأمر المهم الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه، لرأي، أو عمل من الأعمال العامة، فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام.
﴿ لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (النور: 63) فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول الله ﷺ، حتى تستشعر توقير كل كلمة منه وكل توجيه، وهي لفتة ضرورية، فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعًا هينًا لينًا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض.
ثم يحذر الذين يتسللون ويذهبون بغير إذن يلوذ بعضهم ببعض، ويتدارى بعضهم ببعض، فعين الله عليهم وإن كانت عين الرسول ﷺ لا تراهم؛ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).
ليحذروا أن تصيبهم فتنة تضطرب فيها المقاييس وتختل فيها الموازين، وينتكث فيها النظام؛ فيختلط الحق بالباطل، والطيب بالخبيث، وتفسد أمور الجماعة وحياتها.. انتهى.
ولا يمكن لصاحب ولاء مخلص صادق أن يكون ذا وجهين، وقد علم أن رسول الله ﷺ أخبر أن أبغض الناس إلى الله ذو الوجهين الذي يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، فالإسلام والأخلاق والمبادئ والرجولة تفرض على صاحبها أن يكون واحد الوجه صادق الوجهة، لأن صاحب الوجهين إنما يمارس لونًا من ألوان الكذب والنفاق العملي، وهذا ما يأباه كل ذي ضمير حي.
وإذا كان بعض الناس يرى في هذا السلوك المشين نوعًا من السياسة، فأصحاب المبادئ يرون السياسة دينًا لا تنفك عن الأخلاق والرجولة بحال.
وفي بداية دعوة الإخوان المسلمين تعرف الإمام البنا -يرحمه الله- على عالم من علماء دير الزور في سورية، كان قد نفاه الاستعمار الفرنسي من بلده لجهاده ضدهم، وصادر أمواله، وكان -يرحمه الله- إضافة إلى علمه كان عابدًا زاهدًا حكيمًا مجاهدًا هذا الرجل اسمه «محمد سعيد العرفي» كتب عنه الإمام صفحتين في كتابه «مذكرات الدعوة والداعية»، وكان من الحكم التي أخذها الإمام عنه قوله: «لا تتحرج أبدًا من أن تضم إلى الدعوة المقصرين في الطاعات المقبلين على بعض المعاصي ما دمت تعرف منهم خوف الله واحترام النظام وحسن الطاعة، فإن هؤلاء سيتوبون من قريب، وإنما الدعوة مستشفى فيه الطيب للدواء، وفيه المريض للاستشفاء، فلا تغلق الباب في وجه هؤلاء، بل إن استطعت أن تجتذبهم بكل الوسائل فافعل، لأن هذه هي مهمة الدعوة الأولى، ولكن احذر من صنفين حذرًا شديدًا، ولا تلحقهما لصفوف الدعوة أبدًا الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح فإنه لا أمل في إصلاحه وهو بعيد عنكم بأصل العقيدة، فما ترجون منه؟ والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة؛ يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه، فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب، والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون: خرج واحد، ولكن يقولون: صف أعوج، فاحترس من هذا كل الاحتراس.
وقانا الله شر الصنفين وفتنة النوعين، ورزقنا إخلاص النية واستقامة القصد والسلوك، وثبتنا على الحق، وأحسن عاقبتنا وختامنا.. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال: 29).