; الفاتيكان.. والإسلام (5).. عقلانية مؤمنة | مجلة المجتمع

العنوان الفاتيكان.. والإسلام (5).. عقلانية مؤمنة

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2007

مشاهدات 59

نشر في العدد 1747

نشر في الصفحة 42

السبت 14-أبريل-2007

نستكمل اليوم المقال المتميز للإمام محمد عبده حول العقلانية الإسلامية، والذي قارن فيه بين عقلانية الإسلام ولا عقلانية عقيدة بابا الفاتيكان بندكتوس الـ ١٦ حيث يقول الإمام:

إن لله والأمم والأكوان سننًا لا ـ تتبدل.. وهي التي تسمى شرائع أو نواميس، أو قوانين.. ونظام المجتمعات البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل وعلى من يطلب السعادة في المجتمع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله، ويبني عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه فإن غفل عن ذلك غافل فلا ينتظر إلا الشقاء، وإن ارتفع في الصالحين نسبه أو اتصل بالمقربين سببه فمهما بحث الناظر وفكر وكشف وقرر أتى لنا بأحكام تلك السنن، فهو يجري مع طبيعة الدين وطبيعة الدين لا تتجافى عنه ولا تنفر منه﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ  (آل عمران: 137). 

إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه فيجب على الأمة. في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال، وبينها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.

والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل احتلالها ومعرفة حقيقتها

وبهذا الأصل، الذي قام عليه الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي مهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات واتسع له المجال إلى غير حد.. 

وبعد هذا المقال في العقلانية الإسلامية التي تفرد بها الإسلام دون سائر الديانات.. ينبه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده على تميز هذه العقلانية الإسلامية بأنها عقلانية مؤمنة تميزت بالوسطية الإسلامية الجامعة بين «العقل والوحي»  بين السنن الكونية: كتاب الله المنظور وبين آيات الوحي والشرع: كتاب الله المسطور... فهي بريئة من اللاهوت الخرافي براءتها من الغرور العقلاني بريئة من العقلانية المجردة من النقل، كما كان الحال في الحقبة الإغريقية.. وبريئة من العقلانية المادية الوضعية التي جاءت في النهضة الأوروبية. ثورة على اللاهوت اللاعقلاني، ولذلك، ضبط الإمام محمد عبده هذه العقلانية الإسلامية المؤمنة، عندما قال.... فالعقل البشري وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة، اللهم إلا في قليل ممن لم يعرفهم الزمن، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم أشار إليهم الدهر بأصابع الأجيال.

  • العقلانية الإسلامية تميزت بالوسطية الجامعة بين «العقل» و« الوحي » وهي بريئة من اللاهوت الخرافي والغرور العقلاني.

وقد يكون من الأعمال ما لا يمكن درك حسنه، ومن المنهيات ما لا يعرف وجه قبحه، وهذا النوع لا حسن له إلا الأمر، ولا قبح إلا النهى

إن مجرد البيان العقلي لا يدفع نزاعًا، ولا يرد طمأنينًة، وقد يكون القائم على ما وضع من شريعة العقل يزعم أنه أرفع من واضعها فيذهب بالناس مذهب شهواته فتذهب حرمتها وينهدم بناؤها، ويعقد ما قصد بوضعها.. وإذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهي إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني، أما الوصول إلى كنه حقيقة فمما لا تبلغه قوته

ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشري أن يصل إليه وحده لهذا كان العقل محتاجًا إلى معين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة فالعقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته، والتصديق بالرسالة.. أما النقل، فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب كأحوال الآخرة والعبادات.

والذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد، لا دين تفريق في القواعد والعقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه([1]).

وعلى هذا الدرب درب العقلانية الإسلامية المتميزة بإعلاء مقام العقل مع الوسطية التي تجمع بين العقل لعالم الشهادة والإيمان بالنقل المصور لعالم الغيب أي العقلانية الجامعة بين العلم والغيب.. على هذا الدرب يسير الشيخ حسن البنا (١٣٢٤ ١٣٦٨هـ) (1906- 1949معندما يقول

إن الإسلام لم يحجر على الأفكار ولم يحبس..العقول.. بل جاء يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح النافع من كل شيء... والحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها

وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي فلن تصطدم حقيقة علمية بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار

ولقد تذبذب تاريخ العقل البشري بين

  1. طور الخرافة والبساطة والتسليم المطلق للغيب

  2. وطور الجمود والمادية والتنكر لهذا المجهول

وكلا هذين اللونين من ألوان التفكير خطأ صريح، وغلو فاحش وجهالة من الإنسان بما يحيط بالإنسان، فلقد جاء الإسلام الحنيف يفصل القضية فصلًا حقا.. فجمع بين الإيمان بالغيب والانتفاع بالعقل

إن المجتمع الإنساني لن يصلحه إلا اعتقاد روحي يبعث في النفوس مراقبة الله.. في الوقت الذي يجب على النار فيه أن يطلقوا لعقولهم العنان لتعلم وتعرف وتخترع وتكتشف وتسخر هذه المادة الصماء، وتنتفع بما في الوجود من خيرات وميزات.. فإلى هذا اللون من التفكير الذي يجمع بين العقليتين الغيبية والعلمية ندعو الناس([2]).

هكذا تبلورت في الإسلام الدين والحضارة.. والتاريخ عقلانية مؤمنة متميزة عن غيرها من العقلانيات التي عرفتها شرائع أخرى.. وحضارات أخرى.

فالإنسان كون عقلي.. سلطان وجوده العقل.. 

والعقل هو جوهر الإنسان.. ومن أجل القوى الإنسانية.. بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها.. 

ولقد تأخي العقل والدين في القرآن لأول مرة في تاريخ الشرائع السماوية... 

والله في القرآن لا يخاطب إلا الفكر والعقل والعلم بدون قيد ولا حد.

والقرآن معجزة عقلية عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها.. 

والمسلم لا يكون مؤمنًا حقًا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به.

  • لقد تبلورت في الإسلام عقلانية مؤمنة متميزة.. وتأخى العقل والدين في القرآن لأول مرة في تاريخ الشرائع السماوية

والعقل هو مشرق الإيمان الديني والسعادة الإنسانية هي من نتائج العقل والبصيرة.

وسعادة الأمم لا تتم إلا بصفاء العقول من كدرات الخرافات وصدأ الأوهام.

والسببية والسنن والقوانين هي الحاكمة للكون والاجتماع.

وأول واجب على الإنسان هو النظر.. والشك المنهجي هو الطريق إلى اليقين.

والعقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله والتصديق بالرسالة

أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب.. فالعقل من أشد أعوان الإسلام والنقل من أقوى أركان الإسلام.....

ثم.. من أين جاء عظيم الفاتيكان. أستاذ الفلسفة بهذه البدعة التي زعم فيها أن مسيحيته متفوقة في العقلانية على الإسلام؟

ألم يقرأ مقارنة الإمام محمد عبده بين الدينين في هذا المقام؟.. وكيف أن أحد أصول النصرانية الذي لا يختلف فيه كاثوليك ولا أرثوذكس ولا بروتستانت أن الإيمان منحة لا دخل للعقل فيها، وأن من الدين ما لا يقبله العقل، بمعنى ما يناقض أحكام العقل ومنطقه وهو مع ذلك مما يجب الإيمان به

ولقد قال القديس أنسيلم، (۱۰۳۳ ۱۱۰۹م): يجب أن تعتقد أولا بما يعرض على قلبك بدون نظر.. فليس الإيمان في حاجة إلى نظر العقل والكون وما فيه لا يهم المؤمن أن يجيل فيه نظره!!.. بينما أول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي والنظر العقلي هو أساس الإيمان الصحيح([3]).

فأين هي العقلانية المسيحية؟ وهذا كلام  القديس «أنسليم»؟ فضلًا عن أن تكون عقلانيتها منقوفة على العقلانية الإسلامية قدمنا الشواهد من مقالاتها؟

لقد قرر الإسلام، وقرر فلاسفته ومفكروه أن العقل هو الطريق إلى معرفة الله I، لأن العقل يتفكر ويتدبر ويتعقل في الخلق، فيدرك أنه لا بد من خالق متصف بكل صفات الجلال والكمال

ولذلك، كانت أول فريضة على الإنسان إسلاميًا.. هي فريضة النظر! - حتى قبل الإيمان بالكتب والنبوات والرسالات!! قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ  (يونس: ١٠١قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ  (العنكبوت: 20). 

وإذا جاز لبابا الفاتيكان أن يجهل هذا التراث الإسلامي القديم والحديث في العقلانية الإسلامية المتميزة.. والمتفوقة... والمتفردة.. وهذا غير جائزفكيف له أن يجهل، وهو أستاذ للفلسفة، ما كتبه المستشرق الإنجليزي ألفريد جيوم عن تفرد الفلسفة الإسلامية بتأسيسها على الدين الإسلامي؟ وذلك عندما قال

إن قوة الحركة الاعتزالية التي أسست علم الكلام الإسلامي.. والفلسفة الإسلامية قبل عصر الترجمة عن الإغريق مردها جهود أولئك الذين حاولوا أقصى ما في طوقهم إقامة علم الكلام الإسلامي على أسس ثابتة من الفلسفة مصرين في الوقت نفسه على أن تكون تلك الأسس منطق الانسجام بينها وبين الفلسفة التي يجب أن تدرس بوصفها من صميم العقيدة الدينية([4]).


 

([1]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج ۳ ، ص ١٦٥ ، ٢٧٧ ، وج ، ص ٤٢٨ ، وج ٣ ص ٢٩٨ ، ٢٨٢ ، ١٥١ ، ٢٧٩ ٢٨١ ، وج ٤ ص ٤١٤ ، وج ٣ ص ٢ ، ٥ ، ٢٨٤ ، وج ٥ ص ٩٤ ، 95, وج ۳ ،ص ۲۸۲ ٤١١،٣٩٩, 397 ,٣79,325,365  ولمزيد من نصوص الإمام محمد عبده في العقلانية انظر كتابنا الإصلاح » بالإسلام ، ص ۸۳ ١١٦ ۱2۳ ١٤۲ ، ١٥١ ١٦٣ طبعة القاهرة سنة ٢٠٠٦ م .

([2]) حسن البنا «الرسائل» ص ۲۹٤ ، ۲۷۰ ۲۷۱ ، ۱۱۰ ۱۱۲ ، طبعة القاهرة دار الشهاب بدون تاريخ.

([3]) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج ۳ ، ص ٢٦٢ ، ٢٨٢ 

([4]) جيوم « الفلسفة وعلم الكلام» ، وانظر کتاب تراث الإسلام ص ۳۷۹ ترجمة جرجيس فتح الله طبعة بيروت سنة ۱۹۷۲ م .

الرابط المختصر :