; الفاتيكان والإسلام (8).. الافتراء على رسول الإسلام! | مجلة المجتمع

العنوان الفاتيكان والإسلام (8).. الافتراء على رسول الإسلام!

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 57

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 38

السبت 12-مايو-2007

وإذا كانت خارطة العالم الإسلامي تقول: إن أربعة أخماس الأمة الإسلامية لم يدخل بلادها جيش إسلامي فاتح، ولا عرفت في تاريخها حروبًا ولا فتوحات، وإنما دخلها الإسلام وانتشر فيها بالقدوة والأسوة، وتميز منظومة القيم والأخلاق التي جاء بها الإسلام والتي حملها إلى هذه البلاد التجار والعلماء والمتصوفة.

 كما تقول حقائق تاريخ الفتوحات الإسلامية: إن هذه الفتوحات جميعها إنما تمت ضد قوى الهيمنة الاستعمارية والحضارية التي قهرت الشرق واستعمرته ونهبته لعشرة قرون من الإسكندر الأكبر «٣٥٦ - ٣٢٤ ق.م» في القرن الرابع قبل الميلاد إلى هرقل «٦١٠- ٦٤١م» في القرن السابع للميلاد.

وتقول هذه الحقائق- كذلك- إن جميع معارك تلك الفتوحات الإسلامية إنما كانت ضد جيوش الاستعمار البيزنطي والفارسي ولم تدر معركة واحدة ضد أهل البلاد من الشرقيين، بل وتقول هذه الحقائق، أيضًا، إن الشعوب الشرقية قد وقفت مع جيوش الفتح الإسلامي ضد المحتلين البيزنطيين الرومان، لأنها رأت في الفتح الإسلامي تحريرًا للأرض والأوطان من النهب الروماني، وتحريرًا للشرق من القهر الحضاري البيزنطي، وتحريرًا للمسيحية الشرقية وضمائر أهلها من الاضطهاد الديني، بل والإبادة التي مارستها الكنيسة الرومانية ضد النصرانية الشرقية... وقفت هذه الشعوب الشرقية جميعها مع جيوش الفتح الإسلامي، وهي على دياناتها السابقة على الإسلام. 

ولقد شهد الأساقفة النصارى الشرقيون ومنهم شهود العيان على هذا الفتح الإسلامي على أن هذا الفتح إنما كان إنقاذًا للنصرانية الشرقية، التي اضطهدها الرومان وتحريرًا للكنائس والأديرة الشرقية التي اغتصبها الرومان وعلى أن هذا الفتح إنما جاء عقابًا إلهيًا، بيد إسلامية للرومان على ظلمهم الذي مارسوه ضد الشرق والشرقيين لعشرة قرون.

  • شهد بهذه الحقيقة، التي تجاهلها عظيم الفاتيكان الأسقف القبطي «يوحنا النقيوسي» فقال:

«إن الله، الذي يصون الحق، لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين، ولم يرحمهم لتجرأهم عليه، وردهم إلى أيدي الإسماعيليين-العرب المسلمين- ثم نهض المسلمون وحازوا كل مدن مصر، وكان هرقل حزينا. وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مدينة مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم، مرض هرقل ومات.

وكان عمرو بن العاص ٥٠ ق.هـ . ٤٧هـ . ٥٧٤ـ ٦٦٤م. يقوى كل يوم في عمله ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئا ما، سلبا أو نهبا، وحافظ عليها. الكنائس-طوال الأيام» (1).

  • أربعة أخماس الأمة الإسلامية لم يدخل بلادها جيش إسلامي فاتح وإنما دخلها الإسلام بالقدوة والأخلاق التي حملها التجار والعلماء والمتصوفة

  • وشهد بذلك بطرك المصريين «بنيامين»، «٣٩هـ- ٦٥٩م»، الذي ظل هاربًا من مطاردة الرومان ثلاثة عشر عامًا، حتى جاء الفتح، الإسلامي فأمنه، وأعاده إلى كرسي كنيسته وأعاد إليه كنائس رعيته وأديرتهم من الاغتصاب الروماني.. فخطب في «دير مقاريوس» بعد التحرير الإسلامي فقال:

 «لقد وجدت في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون»(۲).

  • لقد وصف الأسقف، «يوحنا النقيوسي» فرح المصريين بانتصار المسلمين على الرومان وبهجتهم بتحرير المسلمين للبطرك بنيامين ورد الكنائس والأديرة إلى أهلها، وصف ذلك الذي شهدته عيناه، فقال:

«ودخل الأنبا «بنيامين» بطرك المصريين مدينة الإسكندرية بعد هربه من الروم في العام ۱۳ «أي العام الثالث عشر من تاريخ هروبه» وسار إلى كنائسه وزارها كلها.

وكان كل الناس يقولون: هذا النفي وانتصار الإسلام، كان بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين على يد البابا «كيرس» البطرك المعين من قبل الدولة الرومانية في مصر، وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر (۳).

  •  كما شهد بذلك الأسقف ميخائيل السرياني. بعد خمسة قرون من الفتح التحريري الإسلامي، فقال- في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي:

«وهذا هو الانتقام الذي يذيل الله به دولة الشر كما يشاء، فيؤتيها من يشاء، لما رأى شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة فنهبوا كنائسنا وسلبوا أديارنا في كافة ممتلكاتهم، وأنزلوا بنا العقاب من غير رحمة ولا شفقة، أرسل أبناء إسماعيل من بلاد الجنوب ليخلصنا على أيديهم من قبضة الروم. ولم يكن كسبا هينا أن نتخلص من قسوة الروم وأذاهم وحنقهم وتحمسهم العنيف ضدنا، وأن نجد أنفسنا في أمن وسلام (٤)

وهكذا رأى ميخائيل الأكبر- بطريق أنطاكية اليعقوبي «أصبع الله في الفتوح عربية، حتى بعد أن خبرت الكنائس الشرقية حكم الإسلامي خمسة قرون» (٥) كما يقول العالم الإنجليزي توماس أرنولد.

 وشهد على هذا الطابع التحريري للفتح الإسلامي العلامة سير توماس أرنولد «١٨٦٤-۱۹۳۰م» فقال:

«إنه من الحق أن نقول: إن غير السلمين نعموا بوجه الإجمال، في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلًا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة.

وإن دوام الطوائف المسيحية في وسط إسلامي يدل على أن الاضطهادات التي قامت منها بين الحين والآخر على أيدي المتزمتين والمتعصبين.. كانت من صنع الظروف المحلية، أكثر مما كانت عاقبة مبادئ التعصب وعدم التسامح (٦).

  •  وشهد بذلك أيضًا- المستشرق الألماني الحجة «آدم متز» «١٨٦٩- ١٩١٧م» عندما قال:

«لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام» (۷)

  •  ولقد استمرت شهادات الإنصاف للفتوحات الإسلامية- من رجال الدين. المؤرخين غير المسلمين- حتى القرن العشرين فكتب يعقوب نخلة روفيلة «١٨٤٧- ١٩٠٥م» في كتابه «تاريخ الأمة القبطية»، يقول:

«ولما ثبتت قدم العرب في مصر، شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهلين باستمالة قلوبهم إليه، واكتساب ثقتهم به، وتقريب سراة القوم وعقلائهم منه، وإجابة طلباتهم.

وأول شيء فعله من هذا القبيل استدعاء «بنيامين» البطريرك الذي اختفى من أيام هرقل ملك الروم، فكتب خطابا وأرسله إلى جميع الجهات يدعو فيه البطريرك للحضور، ولا خوف عليه ولا تثريب، ولما حضر وذهب لمقابلته ليشكره على هذا الصنيع أكرمه وأظهر له الولاء وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وعزل البطريرك الذي كان أقامه هرقل، ورد، «بنيامين» إلى مركزه الأصلي معززًا مكرمًا.

وكان بنيامين موصوفًا بالعقل والمعرفة والحكمة، حتى سماه بعضهم «بالحكيم». وقيل إن عمرو لما تحقق ذلك منه، قربه إليه، وصار يدعوه في بعض الأوقات ويستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخيرها، وقد حسب الأقباط هذا الالتفات منة عظيمة وفضلًا جزيلًا لعمرو. 

واستعان عمرو في تنظيم البلاد بفضلاء القبط وعقلائهم لإقامة حكومة عادلة تضمن راحة الأهالي فقسم البلاد إلى أقسام يرأس كل منها حاكم قبطي ينظر في قضايا الناس ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعين نوابا من القبط ومنحهم حق التدخل في القضايا المختصة بالأقباط والحكم فيها بمقتضى شرائعهم الدينية والأهلية، وكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية.

وضرب «عمرو بن العاص»، الخراج على البلاد بطريقة عادلة.. وجعله على أقساط في آجال معينة، حتى لا يتضايق أهل البلاد. 

وبالجملة، فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان.(8)

هكذا شهدت هذه الشهادات- التي كتبها أقباط ومستشرقون منهم من كان شاهد عيان على الفتوحات الإسلامية، شهدت على أن هذه الفتوحات:

  • هي التي أنقذت النصرانية الشرقية من الإبادة الرومانية.

  • وأعادت الشرعية والعلنية والحرية لهذه النصرانية الشرقية، بعد أن حظرها الرومان وعاملوها باعتبارها هرطقة ممنوعة- وبعبارة «ميخائيل الأكبر، السرياني»: «فإن الإمبراطور الروماني لم يسمح لكنيستنا المونوفيزتية»، «القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح». بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت ولهذا فقد انتقم الرب منه.

  • المستشرق الألماني آدم متز: لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام.. بعد الفتح الإسلامي للشرق

  • وحررت دور العبادة النصرانية- الكنائس والأديرة- من الاغتصاب الروماني لا ليتخذها المسلمون مساجد، وإنما أعادوها إلى النصارى الوطنيين، حتى «ليروى أنه خرج للقاء عمرو بن العاص من أديرة وادي النطرون- بمصر- سبعون ألف راهب بيد كل واحد عكاز، فسلموا عليه، وأنه كتب لهم كتابًا- «بالأمان»- هو عندهم (۹)

  •  وحررت- هذه الفتوحات الإسلامية- الناس- فأشركتهم في حكم بلادهم، وأعادت إليهم استقلالهم القانوني والقضائي- والمدني- الذي حرموا منه طوال قرون الاستعمار الروماني.

  •  كما أعادت العدالة الاجتماعية إلى هذه البلاد عندما نظمت الضرائب، وجعلتها على أقساط، وفي آجال محددة وحصرتها في طريقتين بعد أن كان المواطن يدفع أربع عشرة ضريبة للرومان. 

  • وعاد الطابع الوطني للنصرانية الشرقية وكنائسها ورئاستها، فعزل عمرو بن العاص «البطريرك الاستعماري» الروماني وأعاد البطرك بنيامين إلى كرسي كنيسته الوطنية المصرية.

  • وإذا كان المستشرق الألماني الحجة «آدم متز» قد وصف حال النصارى في ظل الدولة الإسلامية فقال: لقد كان النصارى هم الذين يحكمون بلاد الإسلام»، فإن هؤلاء النصارى قد حرموا من حرياتهم المدنية والسياسية والقانونية والقضائية والثقافية واللغوية طوال القرون التي ابتليت بلادهم فيها باستعمار الرومان والبيزنطيين.

الهوامش

  1. «تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي، رؤية قبطية للفتح الإسلامي»، ص ۲۰۱، ۲۲۰، ترجمة ودراسة: د. عمر صابر عبد الجليل، طبعة القاهرة، سنة٢٠٠٠م.

  2. المصدر السابق، ص ۲۲۰

  3. المصدر السابق، ص ۲۲۰

  4. توماس أرنولد الدعوة إلى الإسلام، ص ۷۳۷۲ وانظر كتابنا الإسلام في عيون غربية من ۱۳۸

  5. الدعوة إلى الإسلام، ص ۱۷۲

  6. المصدر السابق، ص ۷۲۱ ۷۲۰ 

  7. آدم متز الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج ١ ص ۱۰5، ترجمة: د. محمد عبد الهادي أبوريدة طبعة بيروت سنة ١٩٦٧م.

  8. يعقوب نخلة روفيلة تاريخ الأمة القبطية، من ٥٤-57، تقديم: د  جودت جبرة طبعة مؤسسة مار مرقس الدراسة التاريخ القاهرة سنة ٢٠٠٠م.

  9.  د. صبري أبو الخير سليم تاريخ مصر في العصر البيزنطي، ص ١٩٤، طبعة القاهرة سنة ٢٠٠١م.

الرابط المختصر :