; المجتمع التربوي (1422) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1422)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-2000

مشاهدات 58

نشر في العدد 1422

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 17-أكتوبر-2000

وقفة تربوية

التعامل مع الأنداد (1)

كتب الخليفة الراشد أبو بكر الصديق-رضي الله عنه-إلى الصحابي الجليل عمرو بن العاص عندما كان أميرًا على جيوش الشام في شأن الصحابي الجليل خالد بن الوليد:

«إني كتبت إلى خالد بن الوليد ليسير إليك مددًا لك، فإذا قدم عليك فأحسن مصاحبته، ولا تطاول عليه، ولا تقطع الأمور دونه لتقديمي إياك عليه وعلى غيره. شاورهم ولا تخالفهم» «حياة الصحابة ٢/١١٦»

«الند» في اللغة هو المثيل، والصديق في هذا التوجيه الرائع أماط اللثام عن مفاهيم عظيمة في علم الإدارة، وأعطى حلولًا شافية لواحدة من أكبر المشكلات الإدارية في أي تجمع أو مؤسسة تلك المشكلة هي «التعامل مع الأنداد». خاصة إذا كان التماثل قريب إلى درجة يصعب التفريق بينهما، في القوة والأخلاق والذكاء والعلم، والقطنة، أو القدم في الدعوة أو غيرها من الأمور.

والند إما أن يكون معك في منزلة واحدة، أو يكون فوقك في المنزلة، أو المنصب في المؤسسة، وإما أن يكون تحتك ولكل موضع من هذه المواضع ظروفها، وطرق التعامل معها، إلا أن الصديق -رضي الله عنه -وبالرغم من توجيهه للصحابي الجليل عمرو بن العاص في واحدة من هذه المنازل، والتي يكون فيها الند تحتك، إلا أنه ذكر خطوطًا عامة تصلح لأن تكون أساسًا للتعامل مع الأنداد في كل منزلة.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

الفاروق عمر والعواطف المنضبطة

بقلم: د. عبد الباري محمد الطاهر (*)

  • استطاع عمر أن يكبح مشاعره ويضبط عواطفه في مواقف كثيرة التزامًا بأوامر الرسول

توشح عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-سيفه، ثم انطلق يريد قتل رسول الإسلام ولم يدر أن سيفه الذي كان يطاوعه من قبل قد عرف الإسلام قبله، وأنه لن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل سيكون منذ تلك اللحظة طوع أمره، وسيغمد، ولن يخرج من غمده إلا بأمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأسلم عمر، وكان إسلامه استجابة لدعاء رسول الله.

وبقي سيف عمر منذ ذلك التاريخ طوع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يدافع عنه في كل المواقع، ويحميه في كل النوازل، وكان سيفه ملتزمًا بأوامر الرسول، وتحول عمر -رضي الله عنه -من رجل جاف متهور إلى مسلم رهيف الشعور، منضبط العواطف، وتبعه سيفه، مغمودًا في جرابه، لا يخرج إلا إذا طلب.

وفي السنة الثانية للهجرة لما جيء بالحكم بن كيسان مولى بني مخزوم، وكان في عير قريش التي أصابها عبد الله بن جحش بنخلة فأسره المقداد وأراد عبد الله بن جحش ضرب عنقه فقال له المقداد: دعه حتى نقدم به على رسول الله فلما قدموا به رسول الله أخذ يدعوه إلى الإسلام وأطال دعاءه فقال عمر علام تكلم هذا يا رسول والله لا يسلم هذا آخر الأبد دعني أضرب عنقه ويقدم إلى أمه الهاوية فجعل رسول الله يلتفت إلى عمر، فالتزم سيف عمر الصمت، ويقي في غمده، وانضبطت عاطفة عمر-رضي الله عنه. تلك العاطفة التي كانت تمور في قلبه، وتجعله يضيق بما يفعله الحكم بن كيسان من عناد، وأنتظر حتى يعرف ما يسفر عنه حلم الرسول بهذا الرجل، وأسلم الحكم وجاهد وقتل ببئر معونة ورسول الله راض عنه. وهكذا كانت نتيجة التزام سيف عمر وانضباط عاطفته.

ويروي أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه. قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد حبت وخسرت إن لم أكن أعدل». فقال عمر: يا رسول الله أئذن لي فيه فأضرب عنقه فقال: «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم. يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء. ثم ينظر إلى رصافة فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه -وهو قدحه -فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم أيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس»، قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن عليًا بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته.

 انتظار الإذن النبوي:

والشاهد في هذا الحديث أن عمر -رضي الله عنه. لم يحتمل أن يرى رجلًا يتطاول بالقول ويغلظ في الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم ويستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في ضرب عنق هذا الجلف الذي لم يرع حق رسول الإنسانية ولم يقدر منزلته صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك ينتظر الإذن النبوي، فإذا ما رفض طلبه التزم سيفه، وكتم غيظه وانضبطت مشاعره وكان من نتائج ذلك الانضباط أن تعلم عمر. رضي الله عنه -علمًا مهمًا من الرسول صلى الله عليه وسلم. يحدد سمات أناس من المسلمين اسمًا لا حقيقة. وعرف أوصافهم.

وعن علي- رضي الله عنه- قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام وكلنا فارس قال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين» فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ، فقلنا الكتاب فقالت: ما معنا كتاب فأنخناها، فالتمسنا، فلم تر كتابًا، فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم. لتخرجن الكتاب أو لنجردتك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبي «ما حملك على ما صنعت»؟ قال حاطب والله ما بي إلا أكون مؤمنًا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله فقال للنبي صلى الله عليه وسلم «صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا»، فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال: أليس من أهل بدر؟ نقال: «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم. فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. وهكذا عرف عمر -رضي الله عنه -أن السيف لا بد له من أن يلتزم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف بالرجال منه، وأحرص على أصحابه من غيره، ولم تستطع دموع عمر أن تخفي حالة الحزن والإشفاق فسالت، وبقي عمر منضبط العواطف التي ترجمت إلى بضع دمعات رقراقة على جبينه. رضي الله عنه.

وثبت ذلك في الصحيحين من حديث علي في نصة كتابة حاطب إلى أهل مكة يخبرهم بتجهيز سول الله إليهم فنزلت فيه:﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾(سورة الممتحنة: آية رقم 8)، فقال عمر: دعني أضرب عنقه، فقال إنه شهد بدرًا واعتذر حاطب بأنه لم يكن له في مكة عشيرة فدفع عن أهله فقبل عذره، وروى قصته بن ردويه من حديث ابن عباس فذكر معنى حديث على وفيه «فقال يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت فقال يا رسول الله كان أهلي فيهم فكتبت كتابًا لا يضر الله ولا رسوله».

ألزم الفاروق سيفه السكوت في موقفين خطيرين بمواجهة أبي سفيان والعباس 

وعن ابن عباس قال لما نزل رسول الله مر لظهران قال العباس بن عبد المطلب وقد خرج رسول الله من المدينة يا صباح قريش والله لئن لغتها رسول الله في بلادها فدخل مكة عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله البيضاء وقال أخرج إلى الأراك لعلي أرى خطابًا أو صاحب لبن أو داخلًا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله فيأتونه فيستأمنونه فخرجت فوالله إني لأطوف في الأراك التمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حرب  وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله، فسمعت أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم قط نيرانًا فقال بديل هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب فقال أبو سفيان خزاعة الأم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة، فقال أبو الفضل فقلت: نعم فقال: لبيك فداك أبي وأمي فما وراءك فقلت هذا رسول الله ورائي قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال فما تأمرني فقلت تركب عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول الله فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت به أركض على بغلة رسول الله نحو رسول الله فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: أبو سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم اشتد نحو النبي وركضت البغلة وقد أردفت أبا سفيان حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطيء، فدخل عمر على رسول الله فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه، فقلت یا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت مهلًا يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، فقال مهلًا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله اذهب فقد آمناه حتى تغدو به علي بالغداة فرجع به إلى منزله فلما أصبح غدا به على رسول الله فلما رآه قال «ويحك أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله»، فقال بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عنى شيئًا، فقال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله فقال بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك أما هذه ففي النفس منها شيء فقال العباس فقلت له ويلك تشهد شهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك قال فتشهد قال فقال رسول الله للعباس حين تشهد أبو سفیان «أنصرف یا عباس فاحبسه عند خطم الجيل».

انضباط عمر:

ونلحظ هنا أيضًا أن عمر-رضي الله عنه. قد الزم سيفه السكوت وأعمده تنفيذًا لأمر الرسول، وضبط مشاعره في موقفين خطيرين، أحدهما وهو يواجه أبا سفيان الذي كاد للإسلام والمسلمين، والثاني عندما أغلظ العباس. رضي الله عنه-القول له.

وعن عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما. أن عمر انطلق مع النبي صلى الله عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم عم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد الحلم فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال لابن صياد تشهد أني رسول الله فنظر إليه ابن صياد فقال أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم أتشهد أني رسول الله فرفضه، وقال: أمنت بالله وبرسله، فقال له: ماذا ترى قال ابن صياد يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلط عليه الأمر ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم إني قد حبات لك خبينًا، فقال ابن صياد هو الدخ، فقال أخسأ فلن تعدو قدرك فقال عمر -رضي الله عنه. دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله» «البخاري، كتاب الجنائز». 

والتزم سيف عمر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. واستطاع عمر، رضي الله عنه -أن يكبح جماح مشاعره، ويضبط عواطفه، ويتعلم أن السيف إذا شهر فلا يكون إلا في الحق الأبلج، ووفق أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذا هو العملاق عمر بن الخطاب-رضي الله عنه. الذي عرف سيفه الالتزام، وعرفت نفسه انضباط المشاعر.

فهل لنا اليوم مثل هذا السيف الذي لا يشهر إلا حين تكون الحاجة إلى إشهاره ضرورية؟

 وهل لنا اليوم مثل نفس عمر التي كانت منضبطة المشاعر لا تعرف التهور؟

 (*) الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بأبها

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

116

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (30)

نشر في العدد 57

105

الثلاثاء 27-أبريل-1971

من فضائل عمر!