العنوان الفتاوى العدد (994)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الأحد 22-مارس-1992
مشاهدات 94
نشر في العدد 994
نشر في الصفحة 44
الأحد 22-مارس-1992
· السندات «أذونات
الخزانة» هي من الربا المقطوع بحرمته بغض النظر عمن يصدرها.
التصدق من الربا؟
سؤال: شخص اشترى سندات من الدولة «أذونات خزانة الدولة» بمبلغ
كبير، ودفع لها قيمة السند، وأخذ الأرباح بعد الفترة المحددة، ويريد أن يتصدق بنصف
هذه الأرباح، ويسأل هل يُثاب على هذا العمل. علمًا بأن ما سيتصدق به أموالًا
كثيرةً؟
الجواب:
لا أجر ولا ثواب
له حينما يخرج هذه الفوائد؛ لأنها أموال ربوية خبيثة، عافانا الله وإياه منها،
فالسندات هي من الربا المقطوع بحرمته، ما في هذا شك، وبغض النظر عمن يصدر هذه
السندات أو أذونات الخزانة؛ سواء أكان فردًا أو هيئةً أو شركةً أو دولةً، فهي ربا بِنَص
كتاب الله، وسُنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وبإجماع الأمة وعلمائها من عهد
النبوة إلى يومنا هذا.
فالسندات هي:
تعهد مكتوب لحامله، تتعهد الجهة المصدرة بسداد السعر في تاريخ معين، نظير فائدة
محددة.. هذا هو السند، وفائدته ثابتة لا تزيد ولا تنقص، وصاحب السند يعتبر مقرضًا
ودائنًا للجهة المصدرة للسند.
ومادام السند
قرضًا بفائدة معلومة مضمونة؛ فهو ربا - ربا لا يحل بأي صورة كانت، فيحرم التعامل
به.
ويسمى ربا
السندات النسيئة وهو الزيادة في الدَين نظير الأجل. ويسمى ربا القرآن؛ لأن تحريمه
جاء في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران آية:130).
وحرّمه النبي
صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين قال: «ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا:
ربا العباس ابن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله» (مسلم 2/889). ويسمى ربا الجاهلية فقد
كانوا في الجاهلية يقرضون الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة مقدار ما استقرض على
ما يتراضون به، وقد أجمعت الأمة على حرمته، وانعقد الإجماع على ذلك. ونقول للأخ
السائل: لا تغرّك حفنة من الفوائد، فستندم على ذلك يوم لا ينفع الندم ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ
بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ
لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة:35) فمن منا يقوى
على ذلك؟ واعلم يا أخي الكريم، أن من يتعامل بالربا؛ فإنه يعلن الحرب الفعلية على
الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كان الله خِصْمَه؛ خَصَمَه
وأذاقه العذاب في الدنيا والآخرة، اسمع إلى قوله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا
تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة:278-279). نقول لك يا أخي، اتق
الله، وخذ رأس مالك، واترك الربا، وتخلص منه بأسرع وقت، ولا بأس أن تضع فوائد
السندات في ظرف، وتكتب عليه أموال ربوية، وتسلمه بيت الزكاة ليصرفها في مصارفها
الخاصة. ولا تدخل فِلسًا واحدًا من الحرام في جوفك أو جوف زوجك وأبنائك، فاتق
الله، ثم اتق الله.
الإمام يُلحن في القراءة
سؤال: شخص يقول: إن إمامهم يلحن بالقراءة في الصلاة، فلا يخرج
الألفاظ من مخارجها الصحيحة، ويخطئ في التلاوة، فهل تصح الصلاة وراءه؟
ويسأل أيضًا: عن حُكم الإمام إذا كانت الجماعة أو أكثرها لا يرغبون
فيه، ويكرهه الكثير منهم، هل يجوز إعفاؤه من الإمامة؟
الجواب:
الإمام إذا كان يلحن
في قراءة القرآن فالصلاة صحيحة؛ لكن تُكره إمامته إذا كان لحنه لا يغير معنى
الآيات الكريمة، أما إذا كان لحنه يغير معاني الآيات؛ فلا تجوز إمامته. وعلى كل
حال ينبغي أن يقدم المتقن لتلاوة وتجويد وحفظ القرآن الكريم. وأما بالنسبة للإمام
إذا كان مكروهًا لغير أمر شرعي، وكان أغلب المصلين يكرهونه، وقد نَص المالكية على
إمامة من كرهه بعض الجماعة فإمامته مكروهة، فإن كرهه الكل أو أكثرهم أو كرهه أهل
الفضل -وإن قلوا- فإن إمامته حرام عليه؛ لقوله صلوات الله وسلامه عليه: «لعن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة.. ورجلًا أمّ قومًا وهم له كارهون» «أخرجه الترمذي
2/191» وهو حديث ضعيف. وقال الشافعية: تُكره إمامة من يكرهه أكثر المصلين لأمر يُذم
فيه شرعًا. والذي نراه هو القول بكراهة إمامة من يكرهه أكثر المصلين، فالأولى له
أن يترك إمامتهم، أو يذهب إلى مسجد آخر؛ لأن كراهة الإمام لها دخل في خشوع وارتياح
المصلي لعدم ارتياحه نفسيًا لهذا الإمام، كما أن الصوت الجميل له دخل في ذلك،
ويكون معينًا على الإنصات والتأثر من سماع الآيات والخشوع في الصلاة.
اليمين الغموس وإنقاذ النفس
سؤال: أحد الأخوة يقول: أثناء الاحتلال العراقي الغاشم كان
العراقيون يسألوننا عن أشياء ليست لنا، وإنما هي أمانات ونقول: إنها لنا، مثل
سيارات الجيران المسافرين كنا نضعها في بيتنا، ونقول عند السؤال: إنها سياراتنا،
وأحيانًا يسألون من أحد البيوت إذا كان أصحابه موجودين أم لا، فنكذب عليهم بأنهم
موجودون، وقد يصاحب هذا الكذب حلف، فما حُكم الكذب في الأحوال السابقة.
وهل علينا كفارة يمين لهذا الحلف الكذب؟
الجواب:
هذا الحلف يسمى
اليمين الغموس، وهي: اليمين التي يحلفها الشخص وهو كاذب متعمد الكذب على أمر تم في
الماضي أو الحال أو الاستقبال، وهذا عند الحنفية والمالكية، لكن المالكية توسعوا
فيها، فاعتبروا من اليمين الغموس الشك من الحالف أو الظن القوي على ما يحلف عليه.
وذهب الشافعية
والحنابلة إلى أن اليمين الغموس هي المحلوفة على أمر تم في الماضي.
واليمين الغموس
أو اليمين الكاذبة حرام، وهي من الكبائر، وقد وَرَد في الحديث قول النبي صلى الله
عليه وسلم: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه؛ لقي الله وهو عليه غضبان» «فتح
الباري 5/239 ومسلم 1/85»، وعدّ النبي صلى الله عليه وسلم اليمين الغموس من
الكبائر حين قال: «من أكبر الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، واليمين
الغموس، والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيا في قلبه يوم
القيامة» «تحفة الأحوذي 4/548».
أما بالنسبة
لليمين الكاذبة أو الغموس في مثل الحالات المسؤول عنها، فهذا من باب الضرورة
لإنقاذ النفس، فهي جائزة بل واجبة لقوله تعالى: ﴿مَنْ
كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل:106) فالآية الكريمة
تفيد أن من أكره على قول كلمة الكفر لإنقاذ نفسه وهو مطمئن بالإيمان؛ فإنه لا عقاب
عليه ولا إثم، فكذلك الحلف لإنقاذ النفس لا شيء فيه من باب أولى.
وقد أجمع
الفقهاء على جواز الحلف لإنقاذ النفس من العدو، وأقوالهم في هذا كثيرة منها قول
الإمام النووي، قال: «الكذب واجب إن كان المقصود واجبًا، فإذا اختفى مسلم من ظالم
وسأل عنه؛ وجب الكذب لإخفائه، وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعة، وسأل عنها ظالم
يريد أخذها؛ وجب عليه الكذب بإخفائها، حتى لو أخبره بوديعة عنده فأخذها الظالم
قهرًا؛ وجب ضمانها على المودع المخبر».
ولو استحلفه
عليها؛ لزمه أن يحلف، ويوري في يمينه، فإن حلف ولم يور؛ حنث على الأصل، وقيل: لا
يحنث» «الأذكار للنووي 336 عن الموسوعة 7/288» وقال موفق الدين بن قدامة: «من
الأيمان ما هي واجبة وهي التي تنجي بها إنسانًا معصومًا من هلكة، كما روي عن سويد
بن حنظلة قال: خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له،
فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنا إنه أخي، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم،
فقال: «صدقت، المسلم أخو المسلم» «عون المعبود 3/73، وانظر المغني 11/166 عن
الموسوعة 7/288».
وعلى هذا
فالأيمان التي كان كثير من الناس يحلفونها كذبًا لإنقاذ أنفسهم، أو لإنقاذ غيرهم
ممن كانوا يخفونهم من الأشخاص المطلوبين، فهذه الأيمان جائزة بل وهي واجبة.
وكذلك الحُكم
إذا كان الحلف بالكذب لمنع الظالم المعتدي من دخول بيت الشخص المطلوب، فيقال له:
إن هذا ليس بيت فلان ويحلف على هذا أو أن هذه السيارة هي للحالف كذبًا وما إلى
ذلك.
أما بالنسبة
لحُكم هذه اليمين هل عليه كفارة يمين أو لا؟ فقد اختلف الفقهاء فيه على رأيين:
رأي يقول: إنه
لا كفارة في اليمين الغموس، وهم الحنفية والمالكية على تفصيل عندهم، ورأي يقول: إن
فيها الكفارة وهو مذهب الشافعية والحنابلة على تفصيل عندهم أيضًا.
ولكل من الرأيين
أدلته من الكتاب والسُنة، والذي نراه تبعًا للأدلة القول بوجوب الكفارة، والله
أعلم. «تُنظر الأدلة في الموسوعة 7/288».
وصف المقالة:
مقالة فقهية
إسلامية تُجيب على ثلاثة أسئلة متعلقة بمسائل مالية وفقهية: حكم التصدق من الربا،
حكم الصلاة خلف إمام يُخطئ في القراءة ومكروه من المصلين، وحكم اليمين الغموس في
حال الضرورة لإنقاذ النفس أو الغير، مع ذكر الأدلة الشرعية وأقوال الفقهاء.
الكلمات
المفتاحية:
•
فقه-الربا-الصلاة
•
اليمين-الغموس-فتاوى
•
أحكام-إسلامية-فقهية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل