; الفتن وكيف نتقيها؟ | مجلة المجتمع

العنوان الفتن وكيف نتقيها؟

الكاتب نصر الدين العديلي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

مشاهدات 83

نشر في العدد 31

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المتتبع للأحاديث النبوية في الفتن يبهره فيها هذا التصوير البارع ممن لا ينطق عن الهوى للأحوال الاجتماعية والنفسية والسياسية المتردية التي ستؤول إليها هذه الأمة بعد تخليها عن مكان الصدارة ودرجة الأستاذية للبشرية. التصوير الذي يُشكّل حجة دامغة علينا وعلى البشرية جمعاء بصدق رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وإحاطة هذه الرسالة وشمولها وصدقها فيما أخبرت وتخبر عنه من أنباء الغيب، وبالتالي تكشف عن رحمة الله السابغة لنا وعطفه على من خلق، حينما يكشف الغطاء لخاتم الرســل -صلى الله عليه وسلم- عن غيب القرون فيطلعه على أحداثها وما جرى ويجري فيها من خير وشر لكي يُطلق عليه الصلاة والسلام صوت النذير والبشير، محذرًا ومنذرًا لهذه الأمة من شرور تكاد تدهمها ومفاسد وفتن تقطع أوصالها وتنهك قواها وتقذف بها ذليلة مهانة على أعتاب جلاديها.

ومرشدًا وهاديًا لها ومن رغب الحياة في ظل دوحة الإسلام إلى طريق النجاة ووسيلة الخلاص.

إننا حينما نقرأ حديثه صلى الله عليه وسلم «ستتبعون سنن الأمم التي خلت من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟» إننا حينما نقرأ هذا الحديث تطالعنا هذه الصورة العجيبة للنفسية المهزومة لهذه الأمة التي جعلتها تسير على خطى اليهود والنصارى في الحياة وطريقة التفكير -سيرًا مضحكًا- على غير هدى ودون حساب للعواقب والنتائج التي يتركها هذا السير أو التقليد الأعمى على شخصيتها. إن الضب يأوي إلى جحره لأنه المكان الذي يناسب جسمه ويجد فيه راحته. والأسد حينما يحاول دخول هذه الجحر فإنه يطلب المسخ. ولا يتأتى له ذلك إلا إذا ترك الضب بأكله حيًّا، ومع الأيام سيكون داخل الجحر لا أسدًا، ولكن دماء غزيرة تجري في عروق الضب وطاقة هائلة تساعده على الفتك. وفي هذه الحالة يكون أسدًا مسلوب الإرادة فاقد الحس، منهوك القوى أعياه الجري خلف الضب وتنقله من جحر إلى جحر حتى استسلم لهذا المصير المشئوم والواقع المزري.

قد يتملكنا العجب لأول وهلة ونتساءل كيف تتخلى أمة الله غايتها والقرآن كتابها ومحمد صلى الله عليه وسلم رسولها وقائدها، كيف تتخلى هذه الأمة عن مكانها فوق الذرى لتهبط إلى السفوح وتقبع على أبواب الجحور مسلوبة الإرادة بانتظار المصير المشئوم؟؟ قد يتملكنا العجب ومن حقنا أن نعجب... كيف؟؟

ويفوتنا بأنها في هذه الحالة تكون قد تخلت عن كثير من تعاليم ربها وإرشادات رسولها التي تمنحها الإرادة الحرة الكريمة فأسلمت قيادها للهوى. والهوى قيمة هابطة تنجذب بصاحبها دومًا إلى أسفل. وأسفل يعني أن نسلم قيادنا لليهود والنصارى «فهم القادة والموجهون في السفوح» أو نكون مثلهم، أعطوا القيادة وكلفوا اتباع شرع الله ودعوة الناس إليه، فنكصوا على أعقابهم وتهاوت بهم أهواؤهم إلى الحضيض، فذبحوا أنبياءهم وقتلوا علماءهم وحرّفوا كلام الله واتبعوا الطاغوت فساءت أحوالهم، وتدنت علاقاتهم الاجتماعية وأظلمت قلوبهم، فكان ما كان من قدر الله في أمثالهم. قتل وتشريد في الأرض وذل، كان من حظ اليهود. وخلاف واقتتال وجدل وجهل كان من حظ النصارى حتى شاء الله أن يريح البشرية من خبث هؤلاء وخلاف هؤلاء، فبعث محمدًا خاتم الرسل -صلى الله عليه وسلم- فحسم الشر وأرسى قواعد الحق وأنار الدرب للبشرية. وانطلق أتباعه من بعده ينشرون الهدى في ربوع العالمين سلاحهم إيمان بالله لا يزعزع وهدفهم نصر أو شهادة وحاديهم ذكر تكفل الله بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9). وبقي الحال هكذا إلى أن استولى على المسلمين حب الشهوات ونزلت بهم أهواؤهم إلى سفوح اليهود والنصارى يحيون بين مستنقعاتهم ويتمرغون على أبواب جحورهم.

فصودرت الحرية وتغلبت الأنانية والفردية، وأصبح الحكم ملكًا عضوضًا والمال وقفًا على الخاصة، فشبعوا حتى التخمة وجاعت العامة، وتفشى الفساد وأرخى ليل الفتن سدوله، فحصلت الانقسامات وتشرذمت الدولة الهرمة إلى دويلات. فجاء قدر الله في أواخر الحكم العباسي ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء: 16).

جاء قدر الله جيوشًا تترية وثنية ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا* ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا* إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرةِ لِيَسُوؤواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (الإسراء: 5- 7).

حطموا الدويلات الحاقدة ونهبوا الأموال وأحرقوا التراث الفكري لخمسة قرون وقتلوا الذراري.

 

الرابط المختصر :