العنوان الفتوى السوداء في فوائد شهادات الديون!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
مشاهدات 79
نشر في العدد 933
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 19-سبتمبر-1989
على الرغم من إجماع علماء الأمة
وفقهائها على اعتبار فوائد البنوك «كثيرها.. وقليلها» إنما هي ربا محرم،
فقد أعلن مفتي مصر يوم 7/ 9/ 1989 خلال مؤتمر صحفي له فتوى إباحية
عللها بإعانة الحكومة على تنفيذ ما أسماه بالمشروعات النافعة، وقد
قال المفتي سيد طنطاوي في فتواه الإباحية: «إن المعاملات في شهادات
الاستثمار وفيما يشابهها كصناديق التوفير جائزة شرعًا، وإن أرباحها حلال
وجائزة شرعًا».
وبناء على هذه الفتوى الإباحية دعا
سيد طنطاوي شعب مصر إلى شراء شهادات الاستثمار بنية مساعدة الدولة،
وأضاف المفتي مبررًا: «إن من يعين الدولة على تنفيذ المشروعات
النافعة الحلال يكون قد قدم لها معروفًا»!
وأكد المفتي ما ذهب إليه رئيس البنك
الأهلي المصري من أن الدافع إلى إنشاء شهادات الاستثمار هو حاجة الدولة
إلى المال! وطالب المفتي البنوك الربوية بإلغاء اسم الفائدة لارتباطها
بمفهوم الربا، واستخدام لفظ «العائد الاستثماري».
وبالوقوف على النقاط التي أثارها
مفتي مصر في مؤتمره الصحفي يمكن أن نلاحظ ما يلي:
1-
ضرب المفتي عرض الحائط بصريح النصوص الواردة
في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكان جريئًا على الله سبحانه،
ناسيًا التحذير النبوي الواضح: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»، وصار
كمن يقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾(البقرة:
275) داخلًا في زمرة من وصفهم الله سبحانه بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ
الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (البقرة:275)، وتناسى
المفتي التحذير الإلهي بمحق الأموال التي تلوثها الفوائد الربوية متجاهلًا
القول الواضح الصريح للحق سبحانه: ﴿يَمْحَقُ
اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ )البقرة: 276).
نعم.. لقد ضرب المفتي سيد طنطاوي
بفتواه سائر نصوص القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.. وهو
يعلم -علم اليقين- أن الربا الكبيرة الوحيدة التي أعلن الله
الحرب على مرتكبيها!
2-
تجاوز المفتي إجماع سلف الأمة وخلفها بشأن هذا النوع
من الربا.. وخالف العلماء جميعًا بالتحايل على الشرع الإسلامي حيث طالب
بتغيير اسم الفائدة إلى اسم «العائد الاستثماري».. يقول ابن القيم الجوزية في
كتابه «إعلام الموقعين»: «لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المكروهة والمحرمة،
ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه». ويقول أيضًا في
نفس الكتاب: «ويحرم على المفتي الإفتاء إذا جاءته مسألة على إسقاط واجب
أو تحليل محرم أو مكر أو خداع، وينبغي أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم
وأحوالهم، ولا ينبغي أن يحسن الظن بهم وإلا زاغ وأزاغ».
3- من التصريحات الواضحة
للمفتي سيد طنطاوي يلاحظ أن الحكومة تقف وراء إصداره لفتواه الإباحية؛ حيث نص
المفتي أكثر من مرة على ضرورة إعانة الدولة، إضافة إلى اعتباره
خطبة رئيس البنك الأهلي المصري الحكومي مستندًا له في فتواه، وقد أوضح
رئيس البنك أن سبب إنشاء شهادات الاستثمار هو حاجة الدولة إلى
المال! وهكذا يستغل سيد طنطاوي منصبه لتبرير رغبات الحكومة، وتنفيذ
مطالبها المالية من شعب مصر.. وقد سبق للمفتي أن استغل أسوأ استغلال في موضوع
تحديد النسل؛ حيث تورط في إصدار فتوى في ذلك بناء على طلب
الجهات الرسمية!
على أن سيد طنطاوي ليس بدعًا
بهذه الفتوى، فقد سبقه قبل شهور قليلة وزير الأوقاف الدكتور عبدالمنعم النمر
الذي أجاز أيضًا ربح الوديعة الاستثمارية لدى البنوك على إطلاقها.
ترى.. كيف يسمح هؤلاء لأنفسهم أن
يبيعوا دينهم بعرض قليل من متاع الدنيا الذي لا يزيد عن كونه منصبًا رسميًّا
في دار الإفتاء أو وزارة الأوقاف؟! ولعل جماهير الأمة الإسلامية
التي اشمأزت من هذه الجرأة على الله في الفتوى تسأل:
هل كان كل من الوزير والمفتي
على قناعة بما أباحا من أكل الربا؟ وهل كانا سيعلنان عن هذه الإباحية لو كانا
خارج دائرة المناصب الرسمية؟
إنه سؤال ملح يطرحه من يعرف كيف
تراجع «شلتوت» شيخ الأزهر السابق عما يشبه هذه الفتوى بعد أن ترك منصبه في
مشيخة الأزهر وأصبح طريح الفراش ينتظر ساعته!
وهو سؤال يطرحه أيضًا من يعرف تراجع
الشيخ معروف الدواليبي الذي أحل ربا الإنتاج وفرق بينه وبين ربا الاستهلاك.. وذلك في
مؤتمر الفقه الإسلامي بباريس عام ١٩٥١.. وكان الدواليبي يومها رجل سلطة.. ثم تراجع
عن ذلك وهو خارج بلاده قبيل أعوام قليلة!
على أن إباحية سيد طنطاوي في
فتواه الرسمية أثارت علماء الأمة في كل مكان، وقد أعلن شيخ الجامع الأزهر الشيخ
جاد الحق علي جاد الحق أثناء تمهيد دار الإفتاء لفتوى سيد طنطاوي- أعلن
بكلمات قاطعة أن الفائدة تعد ربا.. وما أعلنه شيخ الجامع الأزهر مطابق لفتوى مؤتمر
علماء الإسلام الذي عقد عام 1965 بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في مصر
والذي أعلن:
1-
تحريم الفائدة على جميع أنواع القروض لأنها ربا، ولا
فرق بين القرض الإنتاجي والقرض الاستهلاكي.
2-
كثير الربا وقليله حرام شرعًا كما يشير القرآن الكريم.
3-
الإقراض بالربا لا تبيحه حاجة أو ضرورة.
4-
فتح الاعتمادات بفائدة.. وسائر أنواع القروض
نظير فائدة.. كلها من المعاملات الربوية المحرمة.. ولم يكن هذا رأي شيخ
الجامع الأزهر بمفرده.. إنما هو قرار علماء الأمة الذين اجتمعوا لبحث هذا
الموضوع في مجمع البحوث الإسلامية آنذاك.. لذا فإن كلًّا من المفتي الطنطاوي
والوزير النمر خالفا إجماع الأمة بإعلان إباحية ربا شهادات الاستثمار وصناديق
التوفير بحجة دعم الحكومة بأموال الشعب!
على أننا
نعتقد -هنا- أن إصدار مثل هذه الفتاوى المالية لها أهداف كبيرة
وخطرة؛ وذلك كما يلي:
1-
إنها تلغي الحاجة إلى البنوك الإسلامية والمؤسسات
الاقتصادية الإسلامية اللاربوية في المجتمعات المسلمة.
2-
إنها تدعو الجماهير المسلمة إلى دعم البنوك الربوية
الرسمية بالأموال بحجة دعم الدولة وسد حاجتها.
3-
إنها تصر على ربط الاقتصاد الوطني بالبنوك الربوية
المرتبطة «آليًّا» بالمؤسسات الاقتصادية العالمية.. وكلها مؤسسات
ربوية تتعامل بأشكال فاحشة من المعاملات الاقتصادية ذات
الفوائد المركبة!
وبهذا تكون الفتاوى الإباحية ضربة
مصوبة باتجاه التشريع الإسلامي الحنيف من ناحية، وضربة مصوبة أخرى
باتجاه الاقتصاد الوطني.. وهي أولًا وأخيرًا تتجاوز حدود الله
وبيان القرآن الكريم الواضح وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم
في المعاملات المالية.
ختامًا.. ندعو المجامع الفقهية.. والمؤتمرات
الإسلامية.. ووزارات الأوقاف.. وإدارات الفتوى في العالم الإسلامي بأجمعه
إلى تفنيد إباحية مفتي مصر.. وذلك لئلا تنطلي أقاويله
وتبريراته على مغفل.. وإننا بالانتظار.