; الفتوى بين الدين والسياسة | مجلة المجتمع

العنوان الفتوى بين الدين والسياسة

الكاتب محمد بن علي الهرفي

تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003

مشاهدات 67

نشر في العدد 1553

نشر في الصفحة 46

السبت 31-مايو-2003

وظيفة المفتي من الوظائف المستحدثة في الدولة الإسلامية - كما أعلم -فهي لم تكن موجودة في القرون الأولى وإنما كان يمارسها القادرون عليها والذين تثق الأمة بصلاحهم وإخلاصهم، وكانوا يقومون بها احتسابًا بدون أجر، ومع أنها - كما قلت- لم تكن وظيفة رسمية في العصور الأولى، إلا أن فقهاء المسلمين اهتموا كثيرًا بالحديث عن الفتوى والمفتي، وعن دورهما في المجتمع المسلم. ومما قيل في تعريف المفتي هو «الفقيه الذي يبين حكم الله في الواقعة ولا يملك ذلك إلا المجتهد الذي خص باستنباط الأحكام الشرعية من مآخذها وفق القواعد الإجتهادية والبراهين الاستدلالية المقررة»

أما ابن القيم فقال عن المفتين: «المفتون هم فقهاء الإسلام الذين دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، والذين خصوا باستنباط الأحكام وعنوا بضوابط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يحتذي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء، بنص الكتاب قال تعالى: ﵟ‌يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖﵞ ([2])، وقال الإمام الحسن البصري ومجاهد وغيرهما: إن أولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم على العباد هم أهل العلم والفقه والرأي والدين»، ومع هذه الأهمية للمفتي في السياق الذي تحدث عنه ابن القيم وهو من علماء أهل السنة الكبار، إلا أن كثيرًا من كبار علماء الأمة كانوا يتحاشون قبول أي منصب ديني وكانوا يبتعدون عن كل المناصب التي تربطهم بعجلة السياسة سواء كانت قضايا أو إفتاء أو ما شابهها، وكان هذا الابتعاد خوفًا من تعرضهم لأي نوع من الضغوط المؤثرة على مواقفهم الدينية، وكانوا في بعض الأحيان يرون أن مجرد الإقتراب من مجالس الحكام والتردد عليها موضع ريبة وشبهة، مما جعلهم يبالغون في الابتعاد عنها وتحمل كثير من المصائب في هذا السبيل. 

وللحافظ ابن عبد البر رأي في هذا الباب أورده في كتابه جامع بيان العلم وفضله يقول فيه: «وإذا حضر العالم عند السلطان غبًا فيما فيه الحاجة وقال خيرًا ونطق بعلم كان حسنًا. ولكنها مجالس الفتنة فيها أغلب والسلامة فيها ترك ما فيها؛ لأن مخالط السلطان لا يسلم من النفاق والإطراء في المدح، وفي هذا فساد الدين وهلاك الأمة». 

هذا المعنى الذي أشار إليه ابن عبد البر لزمه جمع من علماء هذه الأمة الذين آثروا الابتعاد عن الحكام مهما بذلوا في هذا السبيل، فقد عرض القضاء على الإمام أبي حنيفة فرفضه« فضُرب على ذلك في عهد مروان بن محمد مائة وعشرة أسواط كل يوم عشرة أسواط وهو على امتناعه، فلما رأى تصميمه على الرفض خلى سبيله» واستمر أبو حنيفة على موقفه هذا، ففي عهد أبي جعفر المنصور أرادوه على القضاء فرفض فسجنوه، وكان - رحمه الله - لا يقبل هدايا الحكام، ولا يأخذ منهم مالًا مهما كانت الأسباب، تحرجًا من أن تؤثر عليه هذه الأعطيات حتى وإن كان - رحمه الله - يعرف من نفسه الثبات إلا أن شدة خوفه من أي ذنب مهما صغر كانت وراء هذا الموقف. 

لم يكن أبو حنيفة وحده الذي يعلن رأيه بصراحة مهما كانت النتائج، فهذا الإمام مالك أنكر على المنصور إكراهه للناس بالحلف بالطلاق عند أخذه البيعة منهم وأفتى - رحمه الله - ببطلان هذا الحلف لأنه بالإكراه وأن يمين المكره لا تلزمه، وكانت نتيجة هذه الفتوى أن قام والي المدينة جعفر بن سلمان بضرب الإمام مالك بالسياط حتى كاد كتفه أن ينخلع، ومع هذا فلم يتراجع عن فتواه، ومثله وقع للإمام أحمد بن حنبل الذي ابتلي بفتنة القول بخلق القرآن في خلافة كل من المأمون والمعتصم والواثق، وكاد يقتل أكثر من مرة ومع هذا فلم يوافق على القول بخلق القرآن ولو متأولًا، وقد حُبس بسبب هذا الموقف وعاني كثيرًا وهو ثابت على موقفه .....

ولم تخل الأزمنة بعد ذلك من علماء أفذاذ كانوا يعرفون حق الله عليهم، كما كانوا يحترمون العلم الذي يحملونه، رأينا بعض هؤلاء من شيوخ الأزهر عندما كان هذا المنصب بالإنتخاب فكان شيخ الأزهر أنذاك قويًا لا يخشى سطوة الحاكم إذا خالفه برأي أو قول، ويحكي التاريخ أن شيخ الأزهر في عهد الخديوي إسماعيل أفتى ببطلان ما فعله الخديوي من أخذ الأوقاف وشرائها بمبالغ زهيدة، مما أغضب الخديوي عليه لكنه لم يأبه لهذا الغضب؛ لأنه كان يخشى غضب الله واستمر متمسكًا بفتواه.

أصبحت وظيفة رسمية

ودار الزمن دورته، وأصبحت المناصب ذات الصلة بالدين وظائف رسمية، وأصبح كثير من الناس يتنافسون عليها ومنها بطبيعة الحال منصب المفتي، وهنا مكمن المشكلة ومن هنا كذلك بدأ الضعف يستشري في هذا المنصب، إذ إن الحكام بدأوا بمحاولة التأثير على المفتين لإصدار فتاوى تتماشى مع رغباتهم حتى وإن كانت هذه الرغبات لا تتفق مع المصالح العامة للأمة، فالحاكم في مثل هذه الحالات لا يسأل المفتي عن حكم الشرع، بل يطلب منه فتوى شرعية تبرر موقفه وعمله، فالحاكم هو الذي يفصل الفتوى وليس على المفتي إلا العمل بمهارة للبحث عن النصوص أو تأويلاتها، ولي أعناقها، ليقدم للحاكم ما يطلبه. 

ويذكر لنا التاريخ أن سلطان الدولة العثمانية عندما وقع معاهدة«أدرنة»التي اعترف فيها بحق اليونان في الإستقلال عن الدولة العثمانية سنة ۱۸۳۹م، رأى السلطان أن يحصل على فتوى تجيز له التنازل عن بعض أجزاء الدولة الإسلامية، فاستجاب المفتي لطلب السلطان، مع أن الأولى به أن يطالب السلطان بالدفاع عن الدولة الإسلامية، ولعلنا نعرف كذلك أن السلطان عبد الحميد الثاني خلع بفتوى شرعية من المفتي محمد ضياء الدين أفندي، بالتواطؤ مع القوى الماسونية والعلمانية ذات النفوذ في تركيا أنذاك، وذلك بعد رفض السلطان السماح لليهود بإقامة وطن لهم في فلسطين، ثم انفرط العقد بعد ذلك بصورة أوسع وأشمل، فرأينا أحد المفتين يحل الربا تحت تسميات أخرى، بعد أن كان قبل ذلك يحرم مثل هذا النوع من التعامل، بل إنه لم يكتف بهذا الصنيع، بل ألزم غيره ممن يعملون تحت يده بمثل هذه الفتوى الشاذة، كما رأينا البعض الآخر يحرمون العمليات الاستشهادية ضد اليهود المغتصبين للبلاد الإسلامية بعد أن كانوا يحلونها، ثم عادوا مرة أخرى للقول بحلها بعد أن اختلفت الظروف السياسية وكأن هذه الظروف هي التي تملي عليهم نوعية الفتوى التي يصدرونها!.

ومن هذا النوع من الفتاوى تحريم النظر إلى قناة الجزيرة بحجة أنها تسبب الفتنة وتدعو إلى التفرقة، مع أن منهج هذه القناة لم يتغير منذ افتتاحها وحتى الآن، فما الذي جد فيها كي يتبرع أحدهم بمثل هذه الفتوى، وكيف يمكن تفسيرها ولماذا الآن بالذات؟؟ ثم هل يستحق الأمر كله إصدار فتوى بالنظر أو عدم النظر إلى قناة فضائية؟ ولماذا يحشر بعض الناس أنفهم في مثل هذه القضايا التي لا تليق بمكانتهم؟! أعتقد أنه تكونت لدى الناس حنكة يستطيعون بواسطتها التمييز بين الغث والسمين والنافع والضار، ولا أعتقد أن أي فتوى يمكن أن يكون لها تأثير في هذا الموضوع، بل إن هذه الفتوى قد تجعل الآخرين يزيدون تعلقًا بهذه القناة على مبدأ كل ممنوع مرغوب. 

ومثل ذلك أيضًا القول بأن خطب الجمعة يجب أن يكون محور الحديث فيها مرحلة ما بعد الموت، وترك الحديث عن الآخرين وما يقومون به أحيانًا من أفعال تنافي الإسلام وتخالفه، ولست أدري من أين جاؤوا بمثل هذه الأقول التي لا يقرها عقل ولا شرع وكأن الإسلام محصور في الآخرة فقط، أما الدنيا فلها أناس آخرون! وكأنهم بهذه الفتوى يفصلون بين الدين والدنيا ويجعلون الإسلام رهبانية على طريقة النصارى، وهم يدركون أنهم مخطئون وأن الإسلام لا يفرق بين الدين والدنيا ... أقول: أمثال هذه الفتاوى الخاضعة لسلطان السياسة بدأنا نراها في طول العالم الإسلامي وعرضه.

 توجه جديد عند العامة والسؤال الآن: لمصلحة من يتم مثل هذا العمل؟؟ هل هو لمصلحة الحاكم أم لمصلحة الأمة؟؟ هل هو لمصلحة هؤلاء المفتين أم لمصلحة الأمة؟ أقولها جازمًا هذا النوع من الفتاوى ليس لمصلحة أحد من هؤلاء، بل هو ضد مصالحهم جميعًا ... من مصلحة الحاكم أن يكون منصب الإفتاء محترمًا ذا هيبة ومكانة في نفوس عامة الناس كي يسمعوا ويطيعوا وتسير الأمور بسلامة وسلاسة، ولكن عندما يدرك الناس أن هناك أي تأثير للحاكم على الفتاوى فلن يستمعوا إليها ولن يحترموا قائليها، وبالتالي فأي قيمة ستكون لها ؟؟ والأخطر من ذلك كله، أن عامة الناس سيتجهون إلى أخذ فتاواهم من أناس آخرين قد لا يكونون مؤهلين للفتوى، وهنا مكمن الخطر في حياة الأمة... وانظروا إن شئتم في طول العالم الإسلامي وعرضه، لتعرفوا تأثير هذه الظاهرة، فستجدونها واضحة في كثرة الجماعات الإسلامية واختلافاتها وأحكام بعضها على البعض الآخر، وأحكامها على المجتمعات الإسلامية وقيادتها، وكيفية التعامل معها. لماذا حصل هذا كله في مجتمع مسلم يفترض فيه أن يكون موحد الاتجاهات أو قريبًا بعضه من البعض الآخر، لأنه يدين بدين واحد؟! الإجابة عند المفتين غير الرسميين الذين قادوه إلى مثل هذه التصرفات، ولكن متى؟ بعد أن انخفضت هيبة ومكانة المفتين الرسميين فأصبحت كلمتهم غير مسموعة عند معظم الناس.

من هنا فإن ابتعاد أصحاب المناصب الدينية عن الوقوع تحت تأثير السلطة أمر في غاية الأهمية وإن إدراك أصحاب السلطة لمثل هذه المسألة أمر لا بد منه إذا أرادوا للمؤسسات الدينية أن تستمر قوية محترمة وإذا أرادوا لهذه المؤسسات أن تقوي مكانتهم وتقف إلى جانبهم... أعتقد أن منصب المفتي - أو ما شابهه من المناصب إذا كان لها مسميات أخرى في عالمنا الإسلامي - يجب أن يكون بالانتخاب ومن هيئة علمية محايدة يكون لها حق انتخابه، وكذلك حق عزله إذا رأت منه ما يستحق ذلك، وبهذه الطريقة يعود لهذا المنصب مكانته ويعود الناس مرة أخرى للاستماع إلى ما يصدر عن صاحبه وأخذه بالقبول والاحترام، فهل يمكن أن يفكر في هذه المسالة بهذه الطريقة ام تُترك للظروف؟ لست أدري.

الحاجة للوعي بالقضاء الشرعي

عبد الرحمن العبد اللطيف

لا تخفى على ذي بصيرة، الهمجة الشرسة التي تعرضت لها الأمة الإسلامية والأحكام الشرعية منذ أكثر من نصف قرن، وأدت إلى نتائج ظالمة على الإسلام والمسلمين منها:

  1. تشويه الأحكام الشرعية في نفوس الناس والمسلمين.
  2. إحجام الكثيرين عن الإسلام؛ بسبب الجهل بالأحكام الشرعية وتشوهها في أذهانهم.
  3. جهل غالبية من الأمة بالأحكام القضائية الإسلامية، مما يعني عدم قدرتهم على الدعوة إلى الإسلام، بل وأعظم من ذلك عدم نشاطهم للقضاء الشرعي؛ لأن الناس أعداء ما جهلوا، وهذا أخطر شيء إذ الناس يعادون بطريقة مباشرة وغير مباشرة الأحكام الشرعية بسبب تشوه صورتها في أذهانهم.
  4. فهم كثير من الملتزمين أفهامًا مختلفة عن الأحكام القضائية الشرعية، مما يعني أنهم سينشرون هذا الفهم الخاطئ عن القضاء الإسلامي ليؤدي فيما بعد إلى تصادم القناعات والآراء.

لهذا فإني أقترح على مجلتكم الغراء أن تخصص صفحة خاصة لتعلم وتذكر الناس بالتالي:

  1. مبادئ القضاء الشرعي وكيفية التقاضي في الإسلام، وماذا يطلب من المدعي والمدعى عليه وكيف يحكم القاضي، والشهود وشروطهم والبيانات وغيرها.
  2. محاسن القضاء الإسلامي ومساوئ القضاء الجاهلي الغربي. 
  3. رد الشبه المزيفة على القضاء الشرعي. 
  4. الدعوة لعقد الدورات القضائية وتعليم الناس أحكام الشرع. 
  5. تفهيم الناس أن النظام القضائي الإسلامي هو «نظام» فلابد أن نخضع له، ولا ينبغي أن نفهم أنه يجب أن يلبي أهواءنا، إنما المطلوب أن نفهم أنه متى حكم لنا أو ضدنا فإن ذلك في صالحنا. 
  6. الرد على تساؤلات الناس في القضاء والقضايا بكل وضوح وصراحة وتنبيههم إلى قضية الصدق والمطالبة بالحق. 

إن تخصيص صفحة أمر مهم لإحياء القضاء الإسلامي، فإننا لا نلبث بعد فترة أن يتساءل الناس عن القضاء الشرعي ويتصلوا بالقضاة والفقهاء ويبدؤوا في هضم معاني القضاء الشرعي والإستجابة لأحكامه. 

إن تصور أن الناس يقبلون بالحكم الشرعي دون علم به ودون أن يمارسوه قصور يكذبه الواقع، ولهذا فإنني أتصور أن دحض المزاعم الكاذبة ونشر النور بين الناس في هذا الميدان من أهم الأمور وأوجبها التي تحقق قبول الناس والعمل بكتاب الله وسنة نبيه قال تعالى: ﴿‌فَذَكِّرۡ ‌إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ﴾ ([3]). 

كما أني أحب أن نركز على إرسال ذلك  لمصر قلب العرب والمسلمين، وذلك للكثافة السكانية الموجودة بها، فإن تحول مصر إلى نظام شرعي إسلامي يحتاج إلى كم ضخم من القضاة، وبقاء المحاكم الموجودة ريثما تحول لمحاكم شرعية يحتاج إلى وقت وذلك الوقت- طوله أو قصره - يعتمد بعد الله على سرعة تخريج القضاة وقبول الناس وفهمهم للقضاء الإسلامي .

أصبحت المناصب ذات الصلة بالدين وظائف رسمية يتنافس عليها كثير من الناس ومنها منصب المفتي .. وهنا مكمن المشكلة.

([1]) أكاديمي سعودي.

([2])(النساء:٥٩).

([3])(الغاشية:۲۱)

الرابط المختصر :