العنوان الفتوى.. وسلطة ولي الأمر (1)
الكاتب إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012
مشاهدات 103
نشر في العدد 2013
نشر في الصفحة 66
السبت 28-يوليو-2012
تعبير «ولي الأمر» بصيغة المفرد يشير إلى جانب من جوانب تغليب سلطة الأمر الواقع على الأصل في ولاية الأمر، وهو الشورى، التي تفترض تعدد وتكامل مراكز السلطة وجهات صنع القرار المتعلق بالمصالح العامة، لا يستقيم مبدأ الشورى مع مركزية السلطة أو اختزالها في شخص حاكم واحد مهما كانت قدراته ومهما كان ورعه وخصوصاً في ظل الواقع الاجتماعي المعقد الذي بلغته الإنسانية في تاريخها الحديث والمعاصر. كان لابد من هذه التقدمة كي نمهد بها لفهم أثر الفتوى عند ما ترتبط بسلطة ولي الأمر في مسألة من مسائل المصالح الاجتماعية العامة والمثال الذي نقدمه هو الفتوى الشهيرة التي أصدرها مفتى الإسكندرية في عهد محمد على باشا ، بجواز منع إنشاء الأوقاف سدًا لذرائع الأغراض الفاسدة وصيانة للمصالح العامة.
في سنة ١٢٦٢هـ. / ١٨٤٦م أصدر الشيخ محمد الجزائر لي مفتي الإسكندرية فتوى بجواز منع الوقف، وكان محمد علي باشا، قد أرسل للمفتى الجزائرلي سؤالاً نصه هو ما قولكم فيما لو ورد أمر أميري يمنع إيقاف الأماكن المملوكة لأهلها: سداً لذريعة ما غلب على العامة من التوصل به لأغراض فاسدة من حرمان بعض الورثة، والمماطلة بالديون وتعريضها للتلف : هل يجوز ذلك، ويجب امتثال أمره أم كيف الحال أفيدوا؟ (أ. هـ). فأفتاه المفتي الجزائرلي، وجاء في نص فتواه أنه يجوز لولي الأمر أن يصدر أمراً بمنع الناس من وقف أملاكهم وتحبيسها فيما يستقبل من الزمان سداً لذريعة أغراضهم الفاسدة.. ولأنه مما تقتضيه السياسة الشرعية إستنادًا لما حكيناه عن إمام المذهب أبو حنيفة). وعلى أثر تلك الفتوى، أصدر محمد علي أمرا عاما في 9 رجب ١٢٦٢هـ (١٨٤٦م)، بمنع إنشاء أوقاف جديدة اعتبارا من تاريخه ( كتابنا: الأوقاف والسياسة في مصر القاهرة، دار الشروق ، ۱۹۹۸م، ص ۳۸۹، ۳۹۰) إذن فقد قام اثنان من المنوط بهم نقل قاعدة سد الذرائع إلى أرض الواقع الوالي والمفتي فماذا حصل بعد ذلك؟
تقول الوثائق التاريخية التي اطلعنا عليها إن أمر محمد علي بمنع الوقف استنادا إلى تلك الفتوى لم يطبق إلا في حدود ضيقة جدا في الأراضي العشورية أي الأراضي التي فرضت عليها العشور وبقيت في يد أصحابها منذ الفتح الإسلامي لمصر، أما إنشاء الوقف في بقية الممتلكات من عقارات مبنية وأراض زراعية فلم يتوقف، ومع ذلك استمر أمر المنع المشار إليه ثلاث سنوات فقط، وظل أقرب إلى أن يكون حبراً على ورق، إلى أن ألغاه عباس باشا الأول بعد أن أصبح والياً على مصر دون أن يستصدر فتوى جديدة أو يستشير المفتي الجزائرلي نفسه، وهو الذي سبق أن أصد رفتوى المنع وكان لا يزال على قيد الحياة.
أصدر عباس بتاريخ ٢٥ رمضان (١٢٥٦هـ ١٨٤٩م) أمرا ليس فقط بالإلغاء؛ وإنما بإدانة ضمنية لفتوى الشيخ الجزائرلي وأمر المنع الذي كان جده محمد علي قد أصدره. ومما جاء في أمر عباس كان قد صدرت إرادة مخصوصة من جانب الحكومة بمنع الأهالي من وقف أملاكهم، ولكن ظهر أن هذا الأمر جائر، وتعد على حقوق الناس لذلك أمرنا بصرف النظر عن اتباع حكم هذه الإرادة، ليكون كل شخص حراً في وقف أملاكه حسب حكم الشرع الشريف المحمدي، ولا يتعرض له أحد، ولا يمنعه..
وما أن زال أمرُ المنع رسمياً حتى عاد وقف الأهالي للأراضي العشورية بأشد مما كان، ورصدنا وقف ثلاثة آلاف فدان في سنة واحدة (١٢٦٧هـ - ١٨٥١م)، وهي المساحة التي سجلت آنذاك في محكمة مصر الشرعية وحدها، ويحتمل أن هناك مساحات أخرى تم وقفها وتسجيلها في محاكم أخرى خلال تلك السنة ، هذا إضافة إلى أن الأهالي أستمروا في وقف أملاكهم خلال سنوات المنع في غير الأراضي العشورية كما ألمحنا سلفًا.
ثمة خطأ أكيد أدى إلى ذلك المآل الفاشل لأمر المنع والغائه وإدانته وإدانة الفتوى التي استندت إلى سد الذرائع، وإلى السياسة الشرعية، وسؤالنا هو أين مكمن الخطأ؟ هل هو في أن الوالي اعتمد على معلومات غير دقيقة في تقدير حجم حالات سوء استخدام الوقف لتحقيق «أغراض فاسدة» ومن ثم لم يأبه الناس بأمر المنع ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل يلام المفتي في شيء على المآل الفاشل لفتواه؟ أم أن ضعف شكيمة محمد علي في أواخر سني حكمه هو الذي تسبب في عدم تطبيق أمره بمنع الوقف، وكانت الرغبة الاجتماعية أقوى من أمر السلطة، رغم استنادها على فتوى شرعية بجواز ذلك سدًا لذرائع الأغراض الفاسدة؟ لسنا نعرف على وجه الدقة، لكن لا يحتج على أية حال بقول قائل: إن محمد علي كان عدوا للأوقاف فأراد أ يمنعها بغطاء فتوى شرعية، فآل أمره للإخفاق، فهذه حجة غير صحيحة أن محمد علي قبل سنتين فقط قبل إصدار أمر المنع كان قد فرغ من إنشاء خامس وقفية له وباسمه شخصيًا سنة ١٢٦٠هـ . ١٨٤٥م، أي أنه لم يكن عدوًا للوقف، الأمر الذي يشير إلى أنه كان جادًا في سد ذرائع الفساد في الممارسة الاجتماعية للوقف حسبما تشير إليه المعلومات التي تجمعت لديه، ولكن خطأ ما وقع، ومن جهة أخرى لا يعقل أبداً أن أحوال الناس تغيرت من الفساد إلى الصلاح في السنوات الثلاث التي فصلت بين أمر منع الوقف سدا لذرائع الفساد، وأمر إلغاء المنع الذي أصدره عباس الأول!
واللافت للنظر أن المفتي الجزائر لي كان على قيد الحياة عندما أطاح الوالي عباس بالفتوى، وبأمر جده محمد علي ووصفه بأنه جائر، وتضمن أمر الإلغاء نقدًا لاذعًا صرح فيه بأن المنع مخالف لحكم الشرع الشريف المحمدي ، فهل كان عباس أحرص على إمضاء حكم الشرع المحمدي من فضيلة المفتي؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا لم يوضح المفتي هذا الأمر ولم يدافع عن فتواه ؟ أم أن علامات الإستفهام الأكبر تحوم أصلاً حول محمد علي الذي ترك مفتي المحروسة، واختار أن يستفتي مفتي الإسكندرية بالذات . وقد علمنا أنه عينه مفتيًا على الإسكندرية بعد نفيه من الجزائر؟ وأضف إلى هذا كله أنه لم يثبت أن جهة رسمية أو علمائية قامت بمراجعة ما جرى لفتوى الجزائرلي، أو أمر محمد علي بمنع الوقف المعرفة لماذا كان مالهما الفشل؟ وفي حدود علمنا ؛ لا توجد أبدًا سوابق مراجعات لمآلات فتاوى «الذرائع» لا سدًا ولا فتحًا.
إن كل تلك التعقيدات التي أحاطت بفتوى وأمر منع الوقف تطبيقًا لقاعدة سد ذرائع ترينا حجم الفارق الهائل بين جمال التنظير والتقعيد الأصولي والفقهي، وبين مصائر التفعيل في الممارسة الاجتماعية. والأهم من ذلك أنها ترينا أن نقص أدوات التعرف على حقائق الواقع والممارسات الاجتماعية تعتبر سببًا رئيسًا من أسباب تلك الفجوة بين النظرية والتطبيق، وهو ما يدعونا إلى التفكير في كيفية علاج هذا النقص بإزالة الحواجز بين متخصصي العلوم الاجتماعية والإنسانية ومتخصصي العلوم الفقهية والأصولية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل