العنوان الفرقة بين المسلمين أسبابها وعلاجها «٢»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1981
مشاهدات 93
نشر في العدد 543
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 15-سبتمبر-1981
من أسباب الفرقة
- اتباع الهوى
والهوى مقصور مصدر هويته من باب تعب،إذا أحببته وعلقت به، ثم أطلق على ميل النفس وانحرافها نحو الشيء، ثم استعمل في ميل مذموم، فيقال اتبع هواه، وهو من أهل الأهواء «1» وإنما سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.
والهوى صاد عن الخير، مضاد للعقل، مسبب لقبح الأخلاق، موقع للإنسان في الأفعال الفاضحة، يجعل ستر المروءة مهتوكًا، ويدخل الإنسان إلى الشر من أوسع أبوابه؛ لذا حذرنا الله تعالى منه أشد التحذير، ونبهنا إلى خطره العظيم فقال ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ (الجاثية: 23).
قال أبن عباس والحسن وقتادة رضي الله عنهم: معناه أن الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما حرم الله، وقال آخرون: معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير رحمه الله: كانت العرب تعبد الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئًا أحسن من الأول رموه وكسروه وعبدوا الآخر «2».
وقال تعالى في ذم من يتبعون الهوى ويعرضون عن الحق الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ (النجم: 23) ولقد عد القرآن أكبر سبب في عدم استجابة المشركين لدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو اتباع الهوى، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ (القصص: 50) وبيّن الحق سبحانه أن ضلال أصحاب الهوى ليس قاصرًا عليهم بل يتعداهم إلى غيرهم فقال: ﴿إِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام: 119).
ومن ينظر في أحوال الفرق الضالة، ويتقصى أخبارهم وآراءهم يجد الهوى أساس بليتهم، ومصدر أدوائهم؛ لذا حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتباع الهوى فقال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» الترمذي وحسنه، وابن ماجة.
وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى» (3).
وعن طاوس رضي الله عنه قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمّه. وعن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى أن رجلًا سأل إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى عن الأهواء: أيها خير؟ فقال: ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير ما هي إلا زينة الشيطان، وما الأمر إلا الأمر الأول. يعني ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم. وعن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أن رجلًا أتى إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أنا على هواك فقال ابن عباس: الهوى كله ضلال، أي شيء «أنا على هواك»؟! (4).
صور من اتباع الهوى
أ- حب الدنيا:
قال تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14).
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن من طبيعة البشر حب الدنيا وشهواتها، ولكنه يلفت نظر المؤمنين إلى منزلة أعلى من هذه المنزلة الدنيئة، ألا وهي الجنة التي أعدها الله للمتقين.
ولما علم الله من عباده حبهم للدنيا حذّرهم من التعلق بها، وبيّن لهم عورها فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: 24)، وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: 20)، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» متفق عليه.
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدينا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» رواه مسلم.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» رواه مسلم وأحمد والترمذي.
ولما علم الشيطان الرجيم حب بني آدم للدنيا وزينتها اتخذها أكبر سلاح لإغوائهم عن الحق.
فها هو ذا يدخل إلى أبينا آدم عليه الصلاة والسلام من هذا الباب قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ (طه: 120)، ثم من بعد اتخذ من هذا الحرص في بني آدم وسيلة لإضلالهم، ولإيرادهم المهالك، فما أكثر من نراهم من صرعى الدنيا.
ولقد قص علينا القرآن قصص بعض هؤلاء قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ (القصص: 76-81).
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 175– 176) قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى، ففيه نزلت هذه الآيات (5).
روی أبو سعيد عبد الله بن أبي عصرون قال: كان ابن السقا من أبرع أهل زمانه في العلوم الشرعية واشتهر بقطع من يناظره في جميع العلوم، وكان ذا لسان فصيح وسمْت بَهي، فأدناه الخليفة وبعثه رسولًا إلى ملك الروم، فرآه ذا فنون وفصاحة وسمت فأعجب به وجمع له القسيسين والعلماء بالنصرانية فناظرهم وأفحمهم وعجزوا، فعظم عند الملك فزادت فتنته، فتراءت له بنت الملك فأعجبته وفتن بها، فسأله أن يزوجها له فقال: إلا أن تتنصر، فتنصر وتزوجها، ثم مرض فألقوه بالسوق يسأل القوت فلا يجاب، وعلته كآبة وسواد (6).
أما من رأيناه نحن أو سمعنا به من الذين افتتنوا بالدنيا فباعوا دينهم وآخرتهم بعرض زائل أكثر من أن يعدوا، فنسأل الله أن يحسن ختامنا.
ب- حب الزعامة: (7)
عن كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» رواه أحمد والنسائي وابن حبان والترمذي وقال حسن صحيح (8).
وفي رواية لجابر رضي الله عنه «ما ذئبان ضاربان باتا في غنم غاب رعاؤها بأفسد للناس من حب الشرف والمال لدين المؤمن».
أما حب الزعامة فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، فما من إنسان من الناس إلا وهو يحب أن يشار إليه بالبنان، وأن يقدم بين الناس، لذا كان الحرص على الزعامة أشد إهلاكًا من الحرص على المال، وضرره أعظم والزهد فيه أصعب لأن الأموال تُبذل في طلب الزعامة والرياسة.
ولقد علم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم- بما علمه الله تعالى- هذه الخلة في نفوس البشر؛ لذا حذر أمته من خطرها فقال صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة» (9) رواه البخاري.
وأشد ما يكون الخطر على الذين يطلبون الرياسة بالأمور الدينية كالعلم والزهد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا في الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» أخرجه أحمد و أبوداود وابن ماجة وابن حبان، وعرف الجنة: ريحها، وكم من أناس كان يُشار إليهم بالعلم والزهد باعوا دينهم مقابل زعامة دنيوية وممن أدركناهم رجال كثيرون كانوا يعرفون بين الناس بالصلاح وبالحرص على نشر الدعوة الإسلامية فلما عرضت عليهم الوزارات والمناصب هجروا الدعوة وحاربوا الدعاة، بل وأخذوا يحاربون دين الله ينشر الضلالات، وبالتحريف والتبديل لشرع الله؛ فمنهم من صار يبيح المحرمات بحجة المصلحة السياسية والمصلحة القومية، ومنهم من أخذ يدعو إلى التقريب بين الأديان باسم التسامح والأخوة الإنسانية، وأغرب قصة سمعتها عن أحد الذين يعرفون بين الناس بأنه من قيادة العمل الإسلامي في إحدى الدول العربية أنه قال: والله لو علمت أن الحق مع.. لما تبعتهم، وما ذلك إلا حرصًا على زعامته، فنسأل الله تعالى العفو والعافية.
ج- ثقل التكاليف:
قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 5)
قال قتاده: ثقيل والله فرائضه وحدوده وقال مجاهد: حلاله و حرامه، وقال الحسن العمل به (10).
فالتكاليف الربانية ثقيلة على النفوس البشرية، لا تتحملها إلا النفوس المفعمة بالإيمان، المتحلية بحلية الصبر؛ لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره» رواه مسلم وغيره.
ويتبع الإيمان الابتلاء والاختبار ليمحص الله الصادقين قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2 -3).
وهذا هو التاريخ يشهد لنا بأن التكاليف الربانية كانت ثقيلة على كثير من النفوس المريضة، مما أدى بها إلى الهلاك، فها هو ذا الأعشى قد ترك الإسلام، بعد أن جاء مادحًا للرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه يحرم الخمر (11).
ومن ينظر في أسباب الردة، يرى أن أكثر القبائل العربية ارتدت عن الإسلام لاستثقالهم لبعض تكاليفه. قال ابن جرير: (12) أقام أبوبكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قُتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشام، وهو الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالمسير إليه.. لم يحدث شيئًا، وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة ويمنعون الزكاة، فلم يقبل ذلك منهم وردهم.
أما من تعرفهم من الدعاة الذين تركوا طريق الدعوة بعد أن رأوا ما فيه من نصب ومشقة، وآثروا السلامة والراحة فأكثر من أن يعدوا، فنسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه.
العلاج:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل» رواه مسلم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، وفي مسند أحمد عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى، فقال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو قال: الهرم.. وأما علاج الهوى فيكون بما يلي:-
1- الإخلاص:
وهو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وتصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وهو سر القبول عند الله عز وجل، قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ (الحج: 37).
أما العمل المشوب بالمكدرات فإنه مردود على صاحبه كائنًا من كان، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان: 23)، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» رواه مسلم.
ولا شك أن الإخلاص والهوى لا يجتمعان في قلب رجل واحد؛ لأن الإخلاص يطرد الهوى عن القلب كما تطرد آية الكرسي الشياطين من البيت، فيجب على الدعاة إلى الله عز وجل أن يخلصوا عملهم له سبحانه، وأن يطلبوا بدعوتهم وجه الله تعالى حتى يوفق الله تعالى بينهم، قال الله عز وجل في حق الحكمين الذين يبعثهما الزوجان ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء: 35)، قال القاسمي رحمه الله تعالى (13): وفي الآية تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه، وفقه الله لمبتغاه.
نعم إن أخلص الدعاة إلى الله في دعوتهم، وطلبوا الحق وحده، ولم يتبعوا أهواءهم، ولم يحرصوا على الزعامات، بل جعلوا مرضات الله نصب أعينهم، ونصرة هذا الدين غايتهم جمع الله شملهم، ولم شعثهم، ووحد صفوفهم، وجعلهم قوة يهابها الشرق والغرب، كما فعل بأسلافهم.
وأما إذا عملوا بعكس ذلك، لم يبال الله في أي واد هلكوا.
فنسأل الله تعالى الإخلاص في القول والعمل.
2- الزهد:
قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النحل: 96)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخرةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (النساء: 77)، وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس» حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (14).
قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء.
قال الجنيد رحمه الله تعالى: الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد، وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة (15).
ولا أظن أن المسلمين وقعوا فيما وقعوا فيه من فرقة واختلاف إلا بسبب حرصهم على الدنيا وعلى الرياسة فيها، ولو أنهم صدقوا الزهد فيها لما وصل بهم الأمر إلى ما هم عليه اليوم. وأصدق شاهد لنا على ذلك هو تاريخ المسلمين، فنرى أن المسلمين لم يدب بينهم الخلاف والفرقة إلا بعد أن حرصوا على الإمارة، وعلى زخارف الدنيا فنسأل الله أن يجعل غنانا في قلوبنا.
3- الجهاد:
عندما نتكلم عن الجهاد فلا نقصد التكلم عن فضائله، فكفاه شرفًا أنه ذروة سنام الإسلام وإنه لا يعدله عمل آخر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله: ما يعدل الجهاد في سبيل الله قال: لا تستطيعونه فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا.
ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله» متفق عليه وهذا لفظ مسلم، ولكننا نريد أن نبين أثره في قوة الأمة، وفي ترابط صفوفها ووحدتها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» رواه أحمد ورواه أبو داود بلفظ «إذا تابیعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (16).
قال الشوكاني رحمه تعالى: (17) وسبب هذا الذل- والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه وهو إنزال الذلة بهم، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان.
ولقد وعى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الحقيقة بعد أن رأى ردة العرب عن الإسلام، فما أن انتهى المسلمون من معارك الردة حتى وجههم إلى فتح فارس والروم، ثم سار الخلفاء الراشدون على نهجه وخطاه، ولما ترك المسلمون الجهاد في سبيل الله وركنوا إلى الدنيا وقعت بينهم الفتن التي حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منها.
وأكبر شاهد حي يبين أثر الجهاد في توحيد صفوف المسلمين هو ما نراه اليوم في سوريا وفي أفغانستان- عجل الله للمسلمين فيها وفي غيرها من البلاد بالنصر- فقد كان المسلمون قبل إعلان الجهاد يعيشون فرقة تشابه الفرقة التي يعيشها إخوانهم في البلاد الإسلامية الأخرى ولكن الجهاد في سبيل الله تعالى وحّد صفوفهم وجمع شملهم فأخذوا يحاربون عدو الإسلام متحدين متناصرين، قد نسوا ما بينهم من خلاف.
هذا هو السبب الأول لفرقة المسلمين، وهذه هي بعض العلاجات التي إن أحسن المسلمون استخدامها، قضت على هذا السبب بإذن الله تعالى.
قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ﴾ (الرعد: 11) صدق الله العظيم.
• تنويه:
وقع في الحلقة الأولى من المقال عدة أخطاء مطبعية نتركها للقارئ الكريم ليصلحها.
ولكننا ننوه إلى خطأ مطبعي أدى إلى خطأ نحوي دون أن يؤدى إلى خلل في المعنى، وهو سقوط كلمة «قول» من الصفحة 33 عمود 3 سطر 4، فتكون الجملة الصحيحة كما يلي: لو اتبعوا فيه قول فقيه واحد.
__________________________________
(1) المصباح المنير ص 796
(2) البغوي 152/6 والبزار
(3) قال في مجمع الزوائد 1/188: رواه ام أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة ورجاله الصحيح
(4) الاعتصام 180/1
(5) القرطبي 3197
(6) الفتاوى الحديثة ص 316
(7) وإن كان حب الزعامة جزءًا من حب الدنيا ولكننا أفردنا بالكلام لأهميته.
(8) قال ابن الأثير ( 230/2 من النهاية) (المرضعة مثلًا للإمارة وما توصله إلى صاحبها من ضرب منافع، وضرب الفاطمة مثلا للموت الذي يهدم ويقطع منافعها دونه).
(9) القرطبي 19/38
(10) راجع قصته في الروض الأنف 3/370
(11) تاريخ الرسل والملوك 3/241
(12) محاسن التأويل 5/1225
(13) رياض لصالحين ص 169.
(14) مدارج السالكين 2/10
(15) قال في نيل الأوطار 233/5: الحديث الخرجه أيضًا الطبراني وابن القطان وصححه، قال الحافظ في بلوغ المرام ورجاله ثقات.
(16) نيل الأوطار 235/5.