العنوان الفُرقة بين المسلمين.. أسبابها وعلاجها (3)
الكاتب د. محمد عبد الغفار الشريف
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1981
مشاهدات 76
نشر في العدد 545
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 29-سبتمبر-1981
من أسباب الفرقة:
- الجهل:
الجهل سببٌ لكل بلاء ومصيبة تحل بالبشرية. فالجاهل عدو لنفسه قبل أن يكون عدوًا لغيره، فهو قد يضرك من حيث يريد منفعتك. فمما روي عن الأقدمين أن رجلًا وجد جرو دب في الغابة فأشفق عليه وأخذه ورباه، حتى كبر وصار أليفًا، وفي يوم خرج الرجل مع هذا الدب إلى الغابة فأصابه الإعياء فنام تحت شجرة ووكل الدب بحراسته، وبينما كان الرجل نائمًا وقعت ذبابة على وجهه، فذبها الدب عنه، ولكنها ما لبثت أن عادت، فخاف الدب أن يستيقظ صاحبه، ففكر في طريقة للتخلص من الذبابة فهداه عقله إلى أن يحضر صخرة كبيرة فإذا وقعت الذبابة على وجه الرجل ضربها بها فتموت، وكذلك فعل ولكنه بدلًا من أن يقتل الذبابة قتل صاحبه. لذا كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحذرون من الجهل، ومن صحبة الجاهل، فعن سلمة بن بلال قال (۱): كان فتى يعجب على بن أبي طالب رضى الله عنه، فرأه يومًا وهو يماشي رجلًا متهمًا فقال له: -
أخا الجهل فلا تصحب وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى حليمًا حين أخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه
ويكفي الجهل ذمًا أن صاحبه يتبرأ منه. فما من أحد يرضى بأن يلقب بالجاهل.
ولما كان الجهل سببًا لتردي الإنسان عن إنسانيته، وسببًا لكفره بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم نرى أن الإسلام قد حاربه منذ أول يوم نزل فيه القرآن، فأول آيات نزلت على المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت مفتتحة بقوله تعالى ﴿اقْرَأْ...﴾ (العلق:1) وكفى به حثًا على طلب العلم، ومحاربة الجهل. ولم يكتف القرآن الكريم بذلك، بل إنه ذم الجهل وقبح صورته بأن سمى الفترة السابقة على الإسلام بالجاهلية (۲) قال تعالى ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. (الفتح: ٢٦) وقال عز من قائل مخاطبًا نساء النبي صلى الله عليه وسلم - ونساء المؤمنين تبعًا لهن في ذلك – ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾ (الأحزاب: ٣٢)
وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه عز وجل، فبدأ منذ أول بعثته بنشر العلم وبمحاربة الجهل.
قال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى (۳) والجهل على ثلاثة أضرب: -
الأول: وهو خلو النفس من العلم، وهذا هو الأصل،
والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه،
والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن يترك الصلاة متعمدًا.
صور من الجهل:
1 - تصدر الرويبضة للإفتاء.
روى أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامة» (ابن ماجه:3277) (٤).
إن من أقبح صور الجهل أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين- ولم يبلغ تلك الدرجة - فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأيًا وخلافه خلافًا، لكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع، وتارة يكون في كلي وأصل من أصول الدين- سواء أكان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية - فتراه أخذًا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، حتى يصير إلى ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع وعليه نبه حديث الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا » (البخاري:100).
قال بعض أهل العلم: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتي الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم، أفتى من ليس بعالم فيؤتي الناس من قبله. وقد صرف هذا المعنى تصريفًا، فقيل: ما خان أمين قط ولكنه ائتمن غير أمين فخان، قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالمٌ قط ولكن استفتى من ليس
بعالم.
قال مالك -رحمه الله-: بكى ربيعة -رحمه الله تعالى - يومًا بكاءً شديدًا فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ فقال: لا ولكن استفتى من لاعلم عنده (٥) .
إن كان ربيعة الرأي وهو في القرن الثاني الهجري يبكي؛ لأنه قد استفتى من لا علم عنده، فما نقول نحن في القرن الخامس عشر الهجري، ونحن نسمع كل يوم بفتاوى جديدة تضحك لها الثكلى، فمن ناسخ لصلاة الظهر، عمن صلى صلاة العيد -إذا وافق العيد الجمعة-، ومن مبيح الفطر للصائم في رمضان بعد أذان الفجر، ومن محرم الجميع أنواع النسك إلا التمتع..... وهلم جرا (٦) .
وإني لأخشى على المسلمين إذا لم يردعوا هؤلاء الرويبضات، أن يأتي عليهم يوم لا يعرفون فيه من دينهم شيئاً. فنسأل الله تعالى ألا يدركنا ذلك اليوم.
٢ - الجفوة بين الدعاة والعلماء: -
لم يمر على الأمة الإسلامية زمان عصيب مثل هذا الزمان في كل تاريخها الطويل - حتى في أيام غزو المغول لبغداد - ففي كل العصور التي مرت على الأمة الإسلامية كنا نرى تلاحمًا قويًا بين العلماء وبين الناس، وعلى الأخص بين العلماء والدعاة، بل إن العلماء كانوا يمثلون قيادة الدعوة الإسلامية في كل البلاد الإسلامية وكمثل لهؤلاء العلماء الدعاة سعيد بن جبير، وأحمد بن حنبل، والعز بن عبد السلام، والنووي وابن تيمية .... وغيرهم من علمائنا الأعلام.
أما في أيامنا هذه فنرى إعراضًا من أكثر العلماء عن الدعوة الإسلامية إما خوفًا وإما طمعًا، وكذلك نرى إعراضًاً من أكثر الدعاة عن العلماء -حتى العاملين منهم الداعين إلى الله تعالى
وأعتقد أن أعداءنا من اليهود والنصاري قد استطاعوا أن ينجحوا في إيجاد فجوة بين الدعاة والعلماء. وهذا الأمر يشكل أكبر خطر على الدعوة الإسلامية وعلى الدعاة؛ لأن الدعوة الإسلامية لا يمكنها أن تسير إلا على بصيرة قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: ۱۰۸) والبصيرة هي العلم (۷) . والبعد عن العلماء يوقع الدعوة في ظلام الجهل، وفي التخطيط كما أن ابتعاد العلماء عن الدعوة يشكل خطرًا عظيمًا عليهم في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف ٢: ٣)
أما ما يلحقهم في الدنيا فالخزي والندامة، والمقت من عباد الله الصالحين، وأما في الآخرة فيكونون من أوائل من تسعر بهم النار كما بين ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة. ولقد نظم الفقية ابن رسلان الشافعي -رحمه الله- هذا المعنى في زبدة فأجاد، حيث يقول مخاطبًا العالم: -
فاعمل ولو بالعشر كالزكاة
تخرج بنور العلم من ظلمات
فعالم بعلمه لم يعملن
معذب من قبل عباد الوثن
وأي عمل أوجب على العالم بعد أداء الفرائض من تبليغ ميراث النبوة، ودعوة الله إلى الناس أجمعين. فنسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يردهم إلى دينه ردًا جميلًا،حتى يدعوا إلى الله على بصيرة.
الفرقة بين المسلمين
3- مهاجمة منهج السلف في تلقي العلم
لقد عرف أعداء المسلمين أن قوتهم تكمن في كمال فهمهم لدينهم، وأن كمال الفهم للدين لا يتأتى إلا بتلقي العلوم الشرعية. ثم نظروا في المنهج الذي يتبعه المسلمون في تلقي علومهم، فوجدوهم يتبعون منهجًا واحدًا في تلقي العلم منذ الصدر الأول حتى آخر عهدهم الذهبي.
ومنهجهم هذا يتمثل في حفظ القرآن - على يد قارئ أولًا، ثم بعد ذلك ينتقل طالب العلم إلى المشايخ المتقنين ليتلقى عنهم العلوم الأخرى، وذلك بدراسة متون معينة مشهورة في كل فن، وكان الطالب المجد يحفظ متنًا في كل فن من الفنون.
فبدأ هؤلاء المجرمون بالهجوم الماكر على هذه الطريقة- لأنهم عرفوا أنها سر نشأة العلماء المتقنين - وجندوا لذلك جنودًا من أبناء المسلمين، فقام جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وتلامذة هذا الأخير مثل محمد رشيد رضا... وغيره بالدعوة إلى نبذ هذه الطريقة والأخذ بالطريقة الحديثة في التعلم- كما هو متبع في الجامعات الأوروبية - ثم أخذوا يهاجمون المتون، وأسموها بالكتب الصفراء لينفروا الناس عنها، ثم شنوا هجومًا ماكرًا على حفظة المتون ولقبوهم بالببغاوات، وأخذوا يزدرونهم أمام الناس، فعندما قال أحدهم لمحمد عبده يومًا: إن فلانًا قد حفظ القاموس المحيط أجابه: بأنه قد زادت نسخة في البلد. يقصد بذلك التقليل من قيمة هذا العمل الجليل. ثم أخذ يركز هجومه على الأزهر الشريف؛ لأنه كان قلعة العلم والعلماء في ذلك العصر - باسم إصلاح مناهجه البالية، وهو يهدف من وراء ذلك هدم الأزهر. ولقد تم له ما أراد ولكن بعد موته، وليته لم يتم؛ لأن ذلك قد أثر على مناهج جميع الجامعات الإسلامية، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
البعد عن العلماء يوقع الدعوة في ظلام الجهل، وفي التخبط، وابتعاد العلماء عن الدعوة يشكل خطرًا عظيمًا عليهم في الدنيا والآخرة.
ونحن لا نستغرب إذا قام المستشرقون وذيولهم بمثل هذا العمل الإجرامي الشنيع، فهم ولا شك يهدفون من وراء ذلك إلى هدم الإسلام، ولكن أشد ما يثير دهشتنا هو أن يقوم بمثل هذا العمل أحد الذين يدعون الحرص على الدعوة الإسلامية وعلى نشر علم السلف الصالح. فقد قام هذا الأستاذ الداعية بتاريخ ٢٥ جمادي الأولى من سنة ١٤٠١ هـ بنشر مقال في إحدى المجلات الإسلامية الأسبوعية، ولقد جاء في مقاله ما أنقله حرفيًا «وهل أفسد التعليم الديني إلا المتون؟! «وإني لاستغرب لهذا الأستاذ الداعية الذي يحمل لقب «شيخ»؛ لأنه نسى أن صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب الحديث كلها ما هي إلا متون، وكذا قد غاب عن ذهنه أن العلماء قد بدأوا بتأليف المتون منذ القرن الثاني الهجري إن لم يكن قبل ذلك. فمن أوائل من كتب المتون الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- المتوفي سنة ١٥٠هـ، وتلميذه الإمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفي سنة ١٨٩ هـ. والإمام الشافعي المتوفي سنة ٢٠٤ هـ .... إلخ.
«ألف أبو حنيفة كتاب الفقه الأكبر، وهو متن في العقيدة، وكتب محمد بن الحسن كتبًا كثيرة - منها كتب ظاهر الرواية - تعتبر متونًا معتبرة عند السادة الحنفية، وكتب الشافعي كتاب الرسالة في الأصول.»
ولكن إن دل كلام هذا الأستاذ الداعية على شيء، فإنما يدل على أحد أمرين:إما أن يكون جاهلًا «ومن جهل شيئا عاداه» والجاهل لا يحل له أن يتكلم في الأمور الشرعية، وإما أن يكون مغرضًا فيجب أن يحذر المسلمون منه!!
الهوامش
(۱) روضة العقلاء لابن حيان من ۱۰۰
(۲) سميت تلك الفترة بالجاهلية، لجهل الناس بربهم ورسله وشريعته، لذا فكل فترة يجهل فيها الناس
بربهم تسمى الجاهلية.
(۳) المفردات ص ۱۰۲
(٤) ورواه الطبراني والحاكم وابن عساكر وغيرهم من هامش الاعتصام 2/173
(٥) الاعتصام 2/172 بتصرف يسير
(6) ومن أراد أن يقف على المزيد من هذه الفتاوى العصرية؛ فليرجع إلى مقالات شيخنا الفاضل الدكتور
محمد حسن هيتو حفظه الله في مجلة المجتمع بعنوان «المتفيهقون»..
(۷) جامع البيان للطبري13/79، وجامع البيان للايجي1/344
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل