; الفُرقة بين المسلمين أسبابها وعلاجها «4». من جهل شيئا عاداه من لا شيخ له الشيطان شيخه | مجلة المجتمع

العنوان الفُرقة بين المسلمين أسبابها وعلاجها «4». من جهل شيئا عاداه من لا شيخ له الشيطان شيخه

الكاتب د. محمد عبد الغفار الشريف

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1981

مشاهدات 65

نشر في العدد 546

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 06-أكتوبر-1981

عدد المؤلف في الحلقة السابقة بعض الأسباب المؤدية الى الفرقة بين المسلمين، فذكر منها الجهل والجفوة بين العلماء، ومهاجمة منهج السلف في تلقي العلم، وهو هنا يذكر العلاج:

العلاج:

1 - العلم

نعم إن العلم هو الدواء الشافي لمرض الجهل قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «إنما شفاء العي السؤال» رواه أبو داود وابن ماجه، والحاكم، وابن خزيمة، وغيرهم. أي إنما شفاء الجهل طلب العلم. لذا نرى أن الإسلام قد أكثر من حث المسلمين على طلب العلم قال الله تعالى: ﴿وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه 114)، وقال عز من قائل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر 9)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر28)، وإنما كما هو معلوم لدى البلاغيين تفيد الحصر والتوكيد.

وعن معاوية -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم. «وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: العلماء ورثة الأنبياء» رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح. قال ابن جماعة[1]: وحسبك هذه الدرجة مجدًا وفخرًا، وبهذه الرتبة شرفًا وذكرًا فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة فلا شرف فوق شرف وراث تلك الرتبة. أهـ

 لذا يجب على المسلمين عمومًا وعلى الدعاة بوجه خاص أن يحرصوا على طلب العلم ليرفعوا بذلك عن أنفسهم حجب الجهل وليدعوا إلى الله على بصيرة.

فالدعوة تحتاج إلى أن يكون جنودها مسلحين بحد أدنى من العلم الشرعي، ويتمثل ذلك في معرفة أحكام عباداتهم ومعاملاتهم وأنكحتهم، كما أنها تحتاج إلى علماء شرعيين متخصصين ليرجع الدعاة إليهم في أمور الفتيا، وفي المسائل الاجتهادية المتجددة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة 122).

قال الإمام البغوي -رحمه الله- تعالى[2]: الفقه هو معرفة أحكام الدين، وينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين مثل علم الطهارة والصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفته، وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على واحد يجب عليه معرفتها ومعرفة علمها، مثل علم الزكاة إن كان له مال، وعلم الحج إن وجب عليه، وأما فرض الكفاية هو أن يتعلم حتى يبلغ درجة الاجتهاد ورتبة الفتيا، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعًا، وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط الفرض عن الآخرين وعليهم تقليده فيما تقع لهم من الحوادث. اهـ.

والمنهج الصحيح في تلقي العلم هو منهج السلف الصالح، ويتمثل بتحصيل العلم على أيدي العلماء، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إنما العلم بالتعلم» حديث حسن رواه الخطيب والدارقطني في الأفراد وقد اشتهر عن سلفنا الصالح  أنهم قالوا: «من لا شيخ له الشيطان شيخه»، وقالوا«من كان شيخه كتابه كثر خطأه وقل صوابه» فعلى طالب العلم أن يبتدأ بدراسة المتون المعتمدة في كل علم من العلوم على أيدي علماء مختصين متقنين، وينبغي له أن يحرص على حفظ هذه المتون، لأنه من حفظ المتون حاز الفنون.

٢ - أن لا يتصدر للفتيا إلا العلماء 

قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ «النحل116».

قال أبو نضرة -رحمه الله- تعالى «لم أزل أخاف الفتيا منذ سمعت آية النحل إلى» يومي هذا قال ابن حجر الهيثمي -رحمه الله- تعالى[3]: وقال بعض المتأخرين: وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله ورسوله كفر يخرج من الملة، ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في تحليل حرام أو تحريم حلال فهو كفر محض. أهـ.

 وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الأعراف33).

قال ابن القيم -رحمه الله- تعالى[4]: - فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه. أهـ.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من قال على ما لم أقل فليتبوأ بيتًا في جهنم، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ومن أشار على أخيه بأمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه» رواه أبو داود.

وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى -رحمه الله- تعالى قال: أدركت في هذا المسجد -أي المسجد النبوي الشريف - مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما منهم من يحدث حديثًا إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.

قال الإمام أحمد -رحمه الله- تعالى - في رواية ابنه صالح -رحمه الله-: - ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة عالمًا بالسنة. 

وفي رواية ابنه عبد الله -رحمه الله- تعالى قال: إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واختلاف الصحابة والتابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح. [5] 

من مجموع هذه الآيات والأحاديث والآثار تعلم أنه لا يجوز لأحد أن يتصدر للإفتاء إلا إذا توفرت فيه شروط الفتيا.

 أما ما هي شروط المفتي، وما هي الآداب التي تلزمه هذا ما سنبينه إن شاء الله في الحلقة القادمة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

القرآن الكريم متن من المتون التي يحفظها طلبة العلم.


 

[1]  تذكرة السامع والمتكلم ص ٦.

[2]  حاشية الغزنوي 1/290

[3]  التراجر 1/97

[4]  أعلام الموقعین 1/38

[5]  نقل هذه الآثار ابن القيم في أعلام الموقعين 3/ 44 – ٤٧

الرابط المختصر :