; الفساد.. ينبغي محاسبة الكبار قبل الصغار | مجلة المجتمع

العنوان الفساد.. ينبغي محاسبة الكبار قبل الصغار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000

مشاهدات 78

نشر في العدد 1410

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 25-يوليو-2000

تحت شعارات: التحرر الوطني، ومكافحة الاستعمار ومقاومة الصهيونية، وتوفير الحرية والكرامة للمواطنين، وتحقيق التنمية والنهضة والتطوير وصلت إلى السلطة في عدد من بلدان العالم العربي والإسلامي أنظمة انقلابية دفعتها ومكنت لها مخططات غربية واضحة.

وقد بقيت تلك الأنظمة في الحكم عقودًا حتى قارب بعضها نصف قرن دون أن تحقق شيئًا من تلك الشعارات المعلنة، بل كانت النتيجة والمحصلة فشلاً ذريعًا في كل مجال، فلا تحقق الاستقلال الوطني حيث إرادة تلك الأنظمة مرهونة بيد الأجنبي الذي جاء بها إلى السلطة ولايزال يمدها بأسباب الاستمرار، ولا انزاح الكيان الصهيوني عن فلسطين بل تمكن مع وجود تلك الأنظمة من التمدد ليحتل أجزاء أخرى من البلاد العربية المجاورة وحين جلا عن بعضها كان ثمن ذلك فادحًا.. إذ جرى الاعتراف بالاغتصاب الصهيوني لفلسطين وإنهاء حالة الحرب مع العدو، وإقرار سياسة التطبيع معه بما فتح الباب أمامه ليعيث فسادًا في تلك البلاد.

أما في مجال الحقوق والحريات فقد استباحت تلك الأنظمة الانقلابية حرمات الشعوب وداست القانون بالأقدام وكممت الأفواه، وزجت بالشرفاء من المسلمين في السجون والمعتقلات وقضت على زعمائهم تحت أعواد المشانق وانتهت تلك البلدان سجنًا كبيرًا يضم كل المواطنين.

وأما عن الفشل في مجال التنمية والنهضة فحدث ولا حرج، إذ انخفض مستوى المعيشة مقارنة بالقوة الشرائية للدخل، وتفاقمت مشكلات الإسكان والصحة والتعليم والمواصلات وغيرها، وتضاعفت المديونيات الخارجية بشكل كبير.

وتزداد الصورة وضوحًا عند مقارنة، إنجازات، تلك الأنظمة بما أنجزته بالفعل نظم أخرى بدأت التجربة معها أو بعدها بسنوات، ولكنها استطاعت أن تحقق طفرات كبيرة لصالح مجتمعاتها.

 وعلى الرغم من الفشل الذي منيت به تلك الأنظمة، وعلى الرغم من أنها أخذت فرصة كبيرة في الحكم دون تحقيق فائدة مرجوة، بل حدث العكس، وعلى الرغم من موجة التغيير العارمة التي اجتاحت بلدانًا كثيرة في العالم، وأطاحت بمثل تلك الأنظمة العسكرية الانقلابية الفاشلة إلا أن أشباههم في عالمنا العربي والإسلامي لايزالون متشبثين بالسلطة، يرفضون التخلي عنها طوعًا ويقاتلون دونها. وكأنها حق أزلي لهم لا ينبغي التفريط فيه، فهي أهم عندهم من أرض الوطن، وكرامة المواطن.

ولما وجدت تلك الأنظمة أن حيلها قد انكشفت وشعاراتها قد بارت تفتقت أذهان زعمائها عن حيل جديدة، وما لبثوا أن رفعوا شعارات جديدة ومن تلك الشعارات:

القول إن لكل دولة خصوصية... ثم ينطلقون من ذلك القول لتبرير الاستبداد والقهر ورفض الشورى وحق الشعب في أن يقول كلمته، وكان من خصوصية تلك الشعوب -في زعمهم الباطل- أنها تقبل الذل والمهانة، وتأبى الحرية والكرامة.

ومن تلك الشعارات أيضًا: شعار مكافحة الفساد.. حيث يجري القبض على بعض المسؤولين الصغار والتحقيق معهم وكشف فسادهم أمام الناس، وقد تنتهي التمثيلية بمحاكمة البعض أو يقضى عليهم ليمتنعوا عن كشف جرائم الكبار.

وفي زحمة الأحداث تضيع أسئلة مهمة من قبيل:

 1 – لماذا غابت النظم والقوانين والمؤسسات التي تمنع استشراء ذلك الفساد ومن المسؤول عن ذلك.

٢– إذا كان هذا فساد الصغار، فماذا عن فساد الكبار؟ ومن الذي يكشفه؟

٣– هل الفساد.. فساد مالي فقط؟ وماذا عن الفساد السياسي والقيمي والأخلاقي؟ إن عدم تطبيق شرع الله أشد جرمًا من السرقة، وتكميم أفواه الناس، أو سجنهم بغير حق أو اعتقالهم بغير جريرة لا يقل جرمًا عن الاختلاس.

 ما معنى أن يحاسب بعض الصغار بتهمة الفساد المالي في بلد ظلت إيرادات النفط فيه لسنوات طويلة لا تدرج ضمن ميزانية الدولة، وإنما تذهب لجيوب طائفة انقلابية بعينها؟

وإذا كان العقيد القذافي قد أمر باعتقال وزير ماليته المتهم بتبديد أربعة مليارات من الدولارات، فمن الذي يحاسب القذافي نفسه عن إهدار أكثر من ثلاثمائة مليار دولار منذ أن استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام ١٩٦٩م؟ وما ينسحب على القذافي ينسحب على الانقلابيين المتربعين على رئاسة دول عربية أخرى.

 إن مثل هذه الشعارات التي ترفعها أنظمة حكم فاشلة لن تطيل أمد بقائها، بل ستكون بإذن الله عاملاً جديدًا من عوامل هدم تلك النظم المستبدة، فالشعوب لا تنطلي عليها مثل تلك الألاعيب والحيل، وهي تعرف أن من سمح بوجود الفساد وتركه ينمو، وتستر عليه فترات طويلة لن يكون أبدًا حكمًا عدلاً ولا قاضيًا يحكم بالسوية، وستطالب الشعوب بمحاكمة الكبار على جرائمهم، وعلى جرائم الصغار الذين تستروا عليهم ومكنوهم من ثروات الشعوب وقد ضرب الله لنا الأمثال بأمم سادت واستبدت فأخذها الله أخذ عزيز مقتدر.

ونصيحة تقدم لتلك الأنظمة أن تصحح مسارها بما فيه خير دينها وعقيدتها وشعوبها، وإلا فالظلم ظلمات، عن أبي موسى –رضي الله عنه– قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) (متفق عليه).

الرابط المختصر :