العنوان الفطام عن المألوف شديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1243
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 25-مارس-1997
الإلف والعادة عقبة كأداء في وجه أي تغيير نحو الأفضل أو الأمثل لقلة المدركين للأفضلية أو الأمثلية، وكثرة الواقعين والممارسين لغيرهما مما هو أقل درجة منهما أو مما هو على النقيض، وليس معنى ذلك أن تجاوز هذه العقبة أمر مستحيل وإنما معناه أن تجاوزها يحتاج إلى جرأة كبيرة، وهمة غير قليلة إذ الناس عبيد ما ألفوا، ولذلك تظل العادات والأعراف محافظة على معالمها عشرات السنين رغم تعاقب الأجيال إلا في بعض الجوانب التي تزول بحكم الزمن وتغير المهن، وانقراض بعض الحرف من واقع الحياة، تبقى في وجدان الناس يحكي الكبير عنها للصغير باعتزاز عظيم، وتقدير عميم لا يخلو من نبرة الأسى على انطمارها وزوالها.
إنه الإلف يا صاحبي الذي غالبًا ما يكون عائقًا أمام التغيير المطلوب، وقد يزداد حتى يكون عاملًا من عوامل التمسك بالضلال رغم وضوح الحق، ودافعًا نحو العيش في الظلام رغم ظهور الشمس، وهذا ما جعل أناسًا يتمسكون بضلال أبائهم مع أن الحق بين أيديهم يناديهم،
﴿وَإِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعوا ما أَنزَلَ اللَّهُ قالوا بَل نَتَّبِعُ ما أَلفَينا عَلَيهِ آباءَنا أَوَلَو كانَ آباؤُهُم لا يَعقِلونَ شَيئًا وَلا يَهتَدونَ﴾ (البقرة:١٧٠)، فآباؤهم موسومون بالجهالة والضلالة، ومع ذلك فهم متبوعون، وهم في ضلالهم سائرون لماذا للإلف والعادة بل تتبع ما الفينا عليه أباءنا وفي سورة لقمان: ﴿وَإِذا قيلَ لَهُمُ اتَّبِعوا ما أَنزَلَ اللَّهُ قالوا بَل نَتَّبِعُ ما وَجَدنا عَلَيهِ آباءَنا أَوَلَو كانَ الشَّيطانُ يَدعوهُم إِلى عَذابِ السَّعيرِ﴾ (لقمان: ٢١) فهم في فسادهم الشيطاني القائم على الأمر بالفحشاء والمنكر، يأبون اتباع الحق الذي جاء من عند الله لإلفهم الشر والفساد والشهوات والشبهات والمذكرات، ولقد قررت سورة الزخرف أن الإلف والعادة سبب من أسباب مجادلة الرسل ومخالفتهم وتكذيبهم
﴿وَكَذلِكَ ما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ في قَريَةٍ مِن نَذيرٍ إِلّا قالَ مُترَفوها إِنّا وَجَدنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِم مُقتَدونَ قالَ أَوَلَو جِئتُكُم بِأَهدى مِمّا وَجَدتُم عَلَيهِ آباءَكُم قالوا إِنّا بِما أُرسِلتُم بِهِ كافِرونَ﴾ (الزخرف:٢3-٢4)
وهذا الإلف الذي يعوق عن التغيير في حياة عامة الناس، قد يكون عائقًا كذلك في حياة المثقفين والمفكرين، وأصحاب التنظير واضعي المناهج، وحداة الدعاة، والذين يجيئون من بعدهم السالكين دروبهم المقتفين أثرهم، إذ يصعب عليهم التغيير الذي قد تتحقق من ورائه مصلحة للجموع في مستقبل الأيام، لأن النفس ألفت نمطًا معينًا من الفكر وطريقة خاصة من السير ومنهجًا خاصًّا في السلوك.. وهذا ما جعل حجة الإسلام الغزالي يقول بعد أن أدخل علم الكلام في علم أصول الفقه، فاختلط العلمان عنده، وصعب عليه أن يتخلص من طريقته، وأن يخلص علم الأصول من التشابك والتداخل مع علم الكلام، قال معتذرًا عن ذلك اعتذر بأن الفطام عن المألوف شديد، وهي قولة صادقة من رجل ذي تجربة، يصف واقعًا يعرفه.
وإذا كان هذا حال الغزالي في سعة أفقه، وشمول ثقافته وحرصه على تخليص منهجه من كل شائبة، فما بالك بغيره ممن هم أقل منه فضلًا ودرجة وثقافة؟ وهذا ما جعل كثيرين من قادة المشروع الإسلامي يترددون في أمور كثيرة أمام تغييرات يجب أن يقتحموها، ومستجدات في الدعوة والصحوة إن لم يأخذوا بها، ضاعت كثير من الفرص الدعوية من بين أيديهم، وما ذلك إلا لأنهم مع غيرهم من أبناء الصحوة الفوا نمطًا آخر من التربية، أو ساد عندهم منهج فكري وثقافي يخالف هذه المستجدات أو عاشوا وقائع وأحداث وتجارب ليست متوافقة تمام التوافق مع ما يرونه أمامهم.
وليس ذلك منهم إلا خوفًا من مواجهة جماهير المشروع الإسلامي بما لم يألفوه من أفكار أو سلوك مع أن مصلحة الدعوة قد تكون في الأخذ بهذا الجديد، ولكن كيف نواجه الاتباع الذين ربيناهم على كذا، ثم نفاجتهم بالأخذ بكذا، مما كنا نرفضه من قبل ولا نقبله، ونكرهه ولا نرتضيه؟ أليس هذا نوعًا من الإلف والعادة الذي هو عقبة كأداء في طريق التغيير نحو الأفضل والأحسن، وإنني أذكر في هذا الصدد مثالًا واحدًا على ما أقول، كم وقف أبناء الصحوة في وجه المشاركة البرلمانية، ثم شاركوا فيها على حذر وخوف، ثم لم يسلموا من نقد فريق من إخوانهم في المشروع الإسلامي الذين لحقوا بهم فيما بعد، حين ألف الناس شيئًا جديدًا إلى جانب ألفهم للصد القديم، ولكن الألف الجديد جذبهم، واتضحت لهم فائدته، ولكن متى حدث هذا؟ بعد عديد من السنوات، وعشرات من المقالات والكلمات الناقدة لهذا التوجه والتصرف، ومازالت هناك بقية تنقد وترفض دون أن يقدموا بديلًا متاحًا أو شيئًا مباحًا.
ويكفينا هذا الدليل الواقعي غير المنكور لنكتفي به عن غيره ونعلن من خلاله أن النظر لمصلحة الدعوة أولى بالاعتبار من النظر إلى خشية الاتباع، لأنهم ألفوا ما عرفوه، وسينكرون ما لم يألفوه، وقادة المشروع الإسلامي رواد على طريق الحق فلا يصدهم الإلف عن التغيير المطلوب ولا عن المصلحة الراجحة للدعوة اليوم أو غدًا، وإن رضي من رضي أو سخط من سخط وهم. بحمد الله- رواد صادقون، وأمناء لا يخونون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل