العنوان الفكر القومي والـلغة العربية .. آفاق العلاقة والنتائج
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997
مشاهدات 89
نشر في العدد 1250
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 20-مايو-1997
*كانت اللغة العربية خاصة بالعرب لكنها بعد نزول القرآن صارت لغة الأمة والحضارة الإسلامية
*في الجانب الحضاري اتجه الفكر القومي العربي إلى الحضارة الغربية ينقل منها.. وفي الجانب السياسي فشل في تحقيق الوحدة بل ترسخت التجزئة والقطرية
انبثق الفكر القومي في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نتيجة عدة ظروف اقتصادية ودينية واجتماعية منها:
أ– تصدع التحالف المقدس بين النظم الإمبراطورية والكنيسة المسيحية والثورة علىالنظم الإقطاعية الملكية وتحطيمها، وإقامة جمهوريات شعبية مكانها بدءًا من الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م.
ب – تصدع الكنيسة المسيحية ودعوة لوثر إلى إقامة أصول جديدة في التعامل مع النصالمقدس، وإلى إعادة النظر في وضعية رجال الدين في الديانة المسيحية، وإلى إعادة النظر في الرهبنة ذاتها، وكان نتيجة ثورة لوثر علىالكنيسة انبثاق صورة جديدة من الديانة المسيحية هي البروتستانتية في القرن السادس عشر.
ج – تصدع النظام الإقطاعي الذي كان مسيطرًا أثناء العصور الوسطى وانبثاق نظاماقتصادي رأسمالي جديد يقوم على طبقة برجوازية جديدة.
د – التمرد على الدين، واعتباره معاديًا للعقلوالعلم، وربطه بالخرافة والوهم واهتزاز الثقة بكل ما هو ديني، وبداية الثقة بكل ما هو عقلي وعلمي.
هـ –بداية نهضة علمية جديدة تقوم على استخدام الآلة فكان عصر البخار، ثم الكهرباء، إلخ.
من خلال كل هذه الظروف نشأت القومية التي مثلت دينًا جديدًا بالنسبة للشعوب والأفراد، قامت عليها روابط الأفراد، واتجهت إليها أفكارهم ودارت حولها عواطفهم، وقد أثمرت هذه القومية توحيد شعوب كانت متفرقة، وأبرز حركات التوحيد التي دفع إليها الإيمان بالقوميةهما حركتا توحيد الشعبين الألماني والإيطالي في القرن التاسع عشر.
تأثرًا بهذا الفكر القومي، ونسجًا على منواله نشأ الفكر القومي في البلاد العربية والإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرنالعشرين، ونحن من أجل تبيين دور اللغة العربية في نشوء هذا الفكر القومي وإنجاحه، ومدى صوابية ربطها بالأمة العربية سندرس الأمور التالية:
1-وضع الأمة عند مجيء الفكر القومي.
2- عناصر تشكيل القومية.
3-أنواع القومية.
4-هل حقق الفكر القومي العربي أهدافه
1–وضع الأمة عند مجيء الفكر القومي
إنه من ناقلة القول التذكير بأن الأمة التي كانت تسكن منطقة العالم الإسلامي –ومنه العالم العربي– عند وفود الفكر القومي هيا الإسلامية، وكان الإسلام قد صاغ هذه الأمة عبر تعليماته خلال ما يزيد على ألف وثلاثمائة سنة، وكانت هذه الأمة الإسلامية راسخة في كيانها، تلتقي حول كتاب واحد هو القرآن الكريم، وتتبع رسولًا واحدًا هو محمد ﷺ، وقد جعل هذان المصدران الأمة تصطبغ بعادات واحدة، وتقاليد واحدة وثقافة واحدة.
كما أنه من ناقلة القول التذكير بأن الجنس العربي والشعب العربي كان يعمل مع أجناس وشعوب أخرى ضمن بوتقة الأمة الإسلامية وتحت قيادة واحدة غير عربية هي القيادة التركية التي قادت الخلافة الإسلامية مدة أربعة قرونمتتالية عند مجيء الفكر القومي إلى المنطقة وكانت تجربة تعايش الأجناس المتعددة من عربية وغيرها ليست جديدة بل قديمة تمتد إلى بداية مجيء الإسلام وإنشاء الدولة الإسلامية، وكانت تجربة فريدة لم تعرف الإنسانية مثيلة لها هذه هي أوضاع الأمة عند مجيء الفكر القومي، فما القومية؟ وما عناصر تشكيلها؟
2-عناصر تشكيل القومية
ونحن من أجل أن تحدد عناصر تشکیل القومية، ونكون فهمًا عنها سننقل الأقوال التي وردت عنها في مصدرين الأول موسوعة العلوم السياسية، والثاني: كتابات ساطع الحصري أبرز المؤلفين القوميين في مطلع القرن العشرين.
أولًا: موسوعة العلوم السياسية
جاء تحت عنوان مادة القومية في الموسوعة السياسية ما يلي: «ما الذي يميز الأمة عن غيرها من أنواع الجماعات الأخرى؟ وهناك إجابتان: إحداهما موضوعية والأخرى ذاتية أما النظرة الموضوعية للقومية فترى أنها ظاهرة طبيعية تتعلق بمجموعة من البشر لهم لغة واحدة وثقافة واحدة
وعادات وتقاليد واحدة وينحدرون من أصل واحد ويقطنون بقعة إقليمية محددة وتحدوهم أمال واحدة ومصالح مشتركة ويشعرون بالحاجة إلى أن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة، أما النظرة الذاتية فترى أن القومية ظاهرة سيكولوجية لا تتعلق بمقومات خارجة عنها بقدر تعلقها بوعي الأفراد بتلك المقومات والتي تجعلهم يشعرون بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة وتدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية، ولكن تظل المعايير الموضوعية هامة جدًا عند معظم المفكرين القوميين، وإن كان مدى الأهمية المعطلة لمعيار معين بالمقارنة بالمعايير الأخرى تختلف من مفكر إلى آخر بعض المفكرين يرى أن المحك الأهم في تعريف الأمة هو الإقليم، فارتباط الأمة بإقليم محدد هو الذي يمنحها شخصيتها، والبعض يرى أن الدولة هي المعيار الأهم (1)
ثانيًا: كتابات ساطع الحصري
دون ساطع الحصري خلاصة لرأيه في عناصر القومية في نهاية كتابه: ماهي القومية فقال تحت عنوان: «كلمة ختامية في نتيجة الأبحاث»: «إن الوقائع والأحداث التي وضحناها وشرحناها، والنظريات التي استعرضناها وناقشناها، في مختلف فصول هذا الكتاب تؤدي بنا إلى تقرير الحقائق التالية:
إن أس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو وحدة اللغة ووحدة التاريخ، لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع وحدة الآلام والأمال وحدة الثقافة، وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى، ولكن لا الدين ولا الدولة، ولا الحياة الاقتصادية تدخل بين مقومات الأمة الأساسية كما أن الرقعة الجغرافية أيضًا لا يمكن أن تعتبر من المقومات الأساسية، وإذا أردنا أن نعين عمل كل من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة قلنا:
اللغة: تكون روح الأمة وحياتها، والتاريخ: يكون ذاكرة الأمة وشعورها» (۲)
والآن لو أجرينا فحصًا على تلك التعريفات للقومية والتحديدات لعناصر تشكيل القومية والتي نقلناها من الموسوعة السياسية ومن كلام ساطع الحصري، فما الذي تملكه منها القومية العربية عند نشوء دعوتها لتلق نظرة فاحصة عليها.
ابتداء لم يكن الفكر القومي يمتلك عند نشونه في منتصف القرن التاسع عشر العناصر الذاتية لأن الأمة التي كانت قائمة أنذاك، هي الأمة الإسلامية وكان وعي الأفراد المسلمين بها هو الوعي القائم، حيث كانوا يشعرون بتميزهمالإسلامي الخاص وبشخصيتهم الإسلامية.
أما العناصر الموضوعية للقومية فما كان الفكر القومي العربي يمتلك عند نشوئه شيئًا خاصًا به منها، فالثقافة السائدة في المنطقة هي الثقافة الإسلامية والعادات والتقاليد كانت نابعةمن تعاليم الإسلام في كل شؤون الحياة، وربما كان العنصر الوحيد الذي هو محل التباس عند القوميين هو عنصر اللغة العربية، فما، هي وضعية اللغة العربية غداة نشوء الفكر القومي؟
لقد أصبحت اللغة العربية منذ أكثر من ألف سنة لغة الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية ولم تعد لغة مرتبطة بجنس معين.
ثم إن الرعاية التي رعاها المسلمون للعربية لغة القرآن الكريم كانت انطلاقًا من ظروف دينية، فعندما وضع أبو الأسود الدولي قواعد النحو، وأتم ذلك سيبويه في مصنفه، الكتاب، وعندمانقط حروف العربية وشكلها كل من أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم الليثي وعندما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي أصولاللغة، وعندما جمع العلماء مفردات اللغة ومعانيها في معاجم لغوية، إنما قاموا بكل تلك
الأعمال من أجل خدمة القرآن الكريم من أن يدخله التحريف واللحن، ومن أجل خدمة آيات القرآن الكريم أن تفهم على الوجه الصحيح.
ومما يؤكد الدافع الديني وراء تلك الخدمات الجلي التي قدمها أولئك الرجال النوابغ الذين ألممنا بذكر طرف بعض منهم وأغفلنا في الوقت نفسه الكثير مما يؤكد الدافع الديني وراء جهودهم أن قسمًا كبيرًا منهم ليسوا عربًا وليس لسانهم العربية إنما اهتموا بالعربية وأفرغوا عليها، وضبط ألفاظها للمحافظة انطلاقًا من دينهم وإسلامهم.
الخلاصة: إن اللغة العربية كانت قبل نزول القرآن الكريم خاصة بالعرب، لكن بعد نزول القرآن الكريم أصبحت لغة الأمة الإسلامية ولغة المجتمع الإسلامي، ولغة الثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية.
٣- أنواع القومية
يقول أبو الأعلى المودودي إن هناك نوعين من القومية الأولى: قومية حضارية وهي تعني أن شعبًا ما يشترك في الثقافة والحضارة والتفكيروالعادات والتقاليد والعواطف، أي أن خلفيته الحضارية واحدة والثانية: قومية سياسية: وهي تعني أن شعبًا ما موحد تحت قيادة سياسية واحدة، ويتمتع باقتصاد موحد وإدارة واحدة، ويشكل دولة واحدة (۳)
لو نظرنا إلى الفكر القومي العربي عند انبثاقه في القرن التاسع عشر لرأينا أن المطلوب منه تشكيل كلتا القوميتين: الحضارية والسياسية، الحضارية لأن التراث الحضاري السائد في المنطقة العربية كان تراثًا إسلاميًا مرتبطًا بالإسلام بشكل وثيق ومحكم وكامل.
والسياسية: لأن الاستعمار كان قد جزأ المنطقة العربية ووضع حدودًا فاصلة وقاسية بين أقطارهاوأنشأ عصبيات إقليمية تعادي أي توحد.
٤. هل حقق الفكر القومي أهدافه؟
والآن نعود إلى سؤالنا الذي طرحناه من قبل وهو هل استطاع الفكر القومي العربي أن يحقق أيًا من أهدافه التي رسمها لذاته وهي تحقيق القومية الحضارية والسياسية؟
لقد اتجه الفكر القومي العربي من أجل تحقيق القومية الحضارية إلى الحضارة الغربية ينقل منها أفكارها وقيمها وسياستها واقتصادها واجتماعها إلخ.. لذلك كانت معاداته لدين الأمة وتراثها وعاداتها وتقاليدها واضحة بل عنيفة (٤)، والحقيقة أنه فشل في هذا فشلًا ذريعًا، فلم يستطع أن يغرب الأمة الرسوخ الإسلام فيها، ولكنه استطاع أن يحطم جزءًا
كبيرًا من طاقات الأمة، وأن يعطل جزءًا من حيويتها، وأن يضيع قسمًا كبيرًا من أبناء الأمة.
ومشكلتنا مع الفكر القومي العربي أنه كلما فشل محتوى تغريبي في تفعيل الأمة غير هذا المحتوى ظانًا أن الخلل في المحتوى وليس في أصل الفكر القومي، فعندما ثبت فشل المحتوىالديمقراطي الرأسمالي، وعانت الأمة ما عانت من الفوضى والاضطراب والهزال مع نهاية الحرب العالمية الثانية من النظام الديمقراطي، انتقل الفكر القومي العربي إلى تبني الاشتراكية والشيوعية كمحتوى فكري عقائدي من أجل تفعيل الأمة من وجهة نظره، لكن النتيجة أنه ساق قسمًا من! إلى ساحة التغريب وقسمًا آخر إلى ساحة الضياع، وانهزم في ساحة المواجهة مع إسرائيل عام ١٩٦٧م مما أوقع الأمة في إشكالات جديدة لمتستطع حلها إلى الآن.
لقد اتجه الفكر القومي العربي من أجل تحقيق القومية السياسة أثناء الحرب العالمية الأولى إلى الثورة على الخلافة العثمانية، وكانت الثمرة تمزيق هذه الأمة من خلال تحالف قادة الفكر القومي العربي مع الحكومة الإنكليزية التي وعدتهمبإعطائهم العراق وبلاد الشام كنواة للدولة العربية لكنها نكثت بوعدها، وقسمت منطقة بلاد الشام إلى أربع دول هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطينووضعت دول بلاد الشام والعراق تحت الانتدابين الإنكليزي والفرنسي، ولكن النتيجة المفجعة مع مرور الزمن هي أن الفكر القومي العربي لميستطع أن يحقق القومية السياسية التي يسعى إليها وهي وحدة البلاد العربية، وإقامة نظام سياسي واحد، ليس هذا فحسب، بل على العكسترسخت التجزئة المصطنعة، وبرزت القطرية وقامت الحواجز الإقليمية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة.
الخلاصة: فشل الفكر القومي العربي في تحقيق أي قومية من القوميتين الحضارية والسياسية (٥) اللتين استهدف إنشاءهما، وبقي غريبًا ومحدود الأتباع (٦)، والسبب في ذلك أنه أراد استنبات أمة عربية غير موجودة في أرض الواقع على حساب أمة موجودة راسخة الجذور هيالإسلامية، وأنه كان لا يملك أي مقوم من مقومات إنشاء هذه الأمة حسب أقوال منظريه ومفكريه إلا اللغة العربية التي جهل أنها خرجت عن نطاقالجنس العربي لتصبح لغة الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية، وكانت نتيجة هذا الفشل جراحات وعذابات عانتها الأمة الإسلامية، وتمزيقاتوتشويهات أصابت جسم الأمة الإسلامية، وقصورًا وضعفًا في أداء الأمة الإسلامية، وهذا ما أراده أعداء الأمة وخططوا للوصول إليه.
الهوامش
١–موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت مادة ٤٠٥٢.٢٥٧.
٢–ساطع الحصري ماهي القومية ص ٢٥١.
3-انظر كتاب «الأمة وقضية القومية» لأبي الأعلى المودودي ترجمة د. سمير عبد الحميد إبراهيم، ط ۱۹۸۱م. دار الأنصار القاهرة (ص (١٧٤) وما بعدها.
4-حاول بعض المفكرين القوميين أن يزعموا في مرحلة لاحقةان معاداة الدين الإسلامي ليست في صلب الفكر القومي ولكنه منزع لبعض المفكرين القوميين السابقين، وأبرز من حاول أن يلعب على هذا الحبل الدكتور برهان غليون.
5- للأمانة نجح الفكر القومي العربي في أمر واحد هو تغلبه على الأفكار القومية الأخرى مثل القومية السورية الفينيقية والقومية المصرية الفرعونية، وما ذلك إلا لامتلاكه اللغة العربية التي هي أقوى أداة في مخاطبة المدعوين وجابهم إلى حلبة الفكر القومي العربي.
6- للحقيقة فإن الفكر القومي كان دومًا، محدودالجمهور في أبناء الأمة، وربما كانت الفترة الوحيدة التي تجاوب الجماهير معه في فترة حكم جمال عبد الناصر في مطلع الخمسينيات ولم تكن الاستجابةللفكر القومي بمقدار ما كانت استجابة الأمة لنداءات التحرير من الاستعمار وبناء الاستقلال الاقتصادي في وجه الهجمة الغربية الشرسة على الأمة.