; المجتمع الثقافي :العدد 1591 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي :العدد 1591

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 69

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 50

السبت 06-مارس-2004

الفن الملتزم.. من يشارك في صناعته؟ 

علاء سعد حسن

يرفض الملتزمون الفن الهابط وصور الإسفاف التي تقدم من خلاله، ويطالب كثير من جمهور الملتزمين بتنقية ما يقدم في وسائل الإعلام من صور مستفزة المشاعر المسلمين من المجون أو الخلاعة أو الانحلال الديني والخلقي، مع المناداة الدائمة بالبديل الملتزم أو ما يعرف بالفن الإسلامي الراقي وبين شجب ما هو هابط والمناداة بما هو جيد ملتزم تثور عدة أسئلة مهمة للمشاركة الفاعلة والحقيقية في صناعة الفن الملتزم بدلًا من الاكتفاء بمجرد الرفض أو المناشدة بعيداً عن اتخاذ الخطوات الفاعلة التي تسهم في صنع هذا النوع من الفن وتجعله حقيقة واقعة ومن أهم هذه الأسئلة:

هل نحن في حاجة إلى الفن؟ 

هذا السؤال هو أهم الأسئلة التي تطرح نفسها على الساحة الإسلامية عندما يثار موضوع الفن، ولاشك أنه قد يثير كثيرًا من الجدل بين الملتزمين أنفسهم خصوصًا مع تباين الاتجاهات والمذاهب الفقهية والرؤى الفكرية تجاه قضية الفن، ولحسم هذا الخلاف والجدل يمكننا أن نقول إننا نحتاج إلى كل ما احتاج إليه مجتمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، ولقد عرف الإسلام الفنون لاسيما فنون اللغة وشجع عليها مثل الشعر والنثر والخطابة والإنشاد والارجاز الذي أجازه النبي -صلى الله عليه وسلم- خلال الحرب والسفر كما ورد أمره بذلك لعائشة رضي الله عنها في الأعراس[1] وهي الفنون التي كافأت متطلبات عصر النبوة وعلينا أن ندرك أن أنواع الفنون الموجودة اليوم ما هي إلا تطور طبيعي لتلك الفنون التي سادت في المجتمع الإسلامي الأول، وكثير من الفنون الحالية ظهر إلى الوجود نتيجة تطور التقنية في إنتاج وسائل الاتصال والعرض مثل الإذاعة والسينما والتلفاز ثم الفضائيات وما إلى ذلك.. 

هذا التطور الطبيعي للفنون يجعلنا لا نتوقف طويلًا أمام نوع الفن بقدر ما يجب أن تتوقف أمام مضمونه أو رسالته والشكل الذي يؤدى به، فلقد بدأ الفن شعرًا وإرجازًا وإنشادًا، وتطورت هذه الألوان فيما بعد إلى القصة والرواية، مع تطور حروف الطباعة في عصر النهضة الأوروبية، ولم يذكر المسلمون هذا اللون الجديد من الفنون ودخلوا حلبة الإبداع فيه ثم تحولت الرواية والقصة إلى دراما تمثيلية وهنا فإن من واجب الملتزمين أن يواكبوا ويكافئوا وسائل ومتطلبات العصر مع الحفاظ على روح الشرع الحنيف وضوابطه.

 حاجتنا للفن تنبع من وظائف الفن ذاته والفن وظائف يؤديها داخل المجتمع المسلم، ووظائف يؤديها خارجه، ومن الوظائف التي يؤديها داخل المجتمع:

 أوظيفة ترويحية في الأعراس والأعياد والمناسبات المختلفة، وهو ما تقدم حث النبي عليه وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قالروحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت[2].

 ب وظيفة تثقيفية يجب أن يؤديها الفن في المجتمع فينقل إليه النافع من الثقافات والمعارف.

 ج - وظيفة تربوية، حيث إن المناخ الفني المحيط بالإنسان لاسيما النشء والشباب يشكل بيئة تربوية تؤثر فيهم بشكل مباشر، وتؤثر كذلك في القيم التي يكتسبها الأفراد في المجتمع

أما الوظيفة الخارجية للفن فتتمثل في أنه الوعاء الإبداعي الذي ننقل من خلاله ثقافتنا وتراثنا وقيمنا إلى الآخرين، ونعرفهم بنا عن طريقه

المحاور الأساسية في العملية الفنية

 يعتمد العمل الفني أياً كان نوعه على محاور أساسية يخرج من خلالها للنور، وأهمها:

-الفكرة أو المضمون أو الرسالة والهدف الذي يتم العمل من أجله.

-الشكل أو القالب أو الوسيلة التي يتم إخراج العمل الفني فيه

التسويق التجاري للعمل الفني بهدف الانتشار وتحقيق العائد المادي ونحن نعيش الآن في مرحلة الفن التجاري بحيث تسيطر عملية التسويق التجارية على المحاور الأخرى فيبدأ العمل الفني بالسؤال عن كيفية ترويجه وتسويقه أولاً ثم وضع الشكل أو القالب الذي يضمن هذا التسويق بغض النظر عن محتواه أو مضمونه.

كيف نصنع فنًا ملتزمًا؟

لابد لنا في المقام الأول أن نعترف بأن المجتمع بحاجة إلى الفن، ويعتبره مصدرًا من مصادر الترويح عنه والمساهمة في تثقيفه وتربيته، وعلينا أن نعترف أن طبقة العلماء والدعاة ومن يحملون هموم الأمة أولئك الذين تلهيهم التبعات والمسؤوليات عن بعض حظوظ أنفسهم، وأولئك الذين يترفعون عن المباحات لاضطلاعهم بما تنوءبحمله الجبال هذه الطبقة لا تشمل المجتمع المسلم كله، وعلينا أن نعترف أن الفن الهابط والمسف يسيطر على منصة التوجيه والتأثير في الملايين من أبناء المجتمعات الإسلامية، وأن هذه الملايين تحتاج إلى الترويح والترفيه، وأن فضول الأوقات لديها يجب أن تستغل فيما لا يضر إن لم تستغل فيما ينفع، وأننا مطالبون أن نقدم لها فنًا ملتزمًا يرتقي بالذوق ويسمو بالمشاعر ويهذب الأحاسيس، وأن صناعة الفن تخضع لمحاور ومقاييس، ولقد شعرت الحركة الإسلامية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت بأهمية الفن الملتزم فقدم مسرح الإخوان المسلمين بمصر عشرات المسرحيات في ذلك الوقت، وقاد حركة المسرح الإسلامي الشيخ عبد الرحمن البنا أخو الإمام حسن البنا مؤسس الجماعة[3] ، لكن هذا الاهتمام المبكر لم يتم تطويره بسبب العديد من الظروف الخارجية والداخلية ليواكب الفنون المستحدثة في عصرنا الراهن

واليوم ونحن نتساءل عن كيفية صناعة فن ملتزم، ندرك أنه ليس عندنا أزمة في الإبداع ولا في المواهب والطاقات الفنية كتابة وأداء في مختلف الفنون التي تستطيع أن تنافس الموجود وتخرج الرديء منه من سوق الفن وتقود حركة الفن وتحول مساره إلى الالتزام واحترام أخلاق المجتمع ومبادئه، لكن مشكلتنا الأساسية لصناعة فن ملتزم تكمن أولًا في إدراكنا لأهمية هذا النشاط وحاجتنا إليه ثم اعتمادنا على آليات صناعة الفن الناجح تسويقيًا، فلئن كنا نملك المضمون الجيد والشكل المناسب، تبقى عمليات التمويل والتسويق هـى العقبة الأكبر والتغلب على هذه العقبة لابد من توافر مجموعة من العوامل:

ا- جمهور عريض من الملتزمين يتقبل هذا اللون ويحرص عليه ويشجعه ويعمل على شراءه وتسويقه والدعاية له، فالفن الملتزم كغيره من أنواع الإنتاج الفنييحتاج إلى تمويل ضخم وتسويق جيد، فلو أعرض عنه جمهور الملتزمين والمتدينين ولم تتقبله باقي شرائح المجتمع، فمعنى ذلك أن الفن الملتزم سيحكم عليه بالإعدام في مهده.

۲محاربة النسخ والاعتداء على حقوق الملكية الإبداعية والفكرية وهي العقبة الكؤود التي تواجه عملية إنتاج الفن الملتزم، وعلى جمهور الملتزمين أن يدرك أن هذه الأريحية التي كانت تحكم العلاقة قديمًا بين المبدع والمتلقي باعتباره مبدعًا إسلامي يبتغي بعمله مرضاة الله تعالى، وأنه لا ينتظر من إبداعه مقابلًا ماديًا، وأن الفن الإسلامي إن جاز التعبيرهو ملك للتيار الإسلامي عمومًا، هذه النظرة يجب تعديلها اليوم وليس ذلك قدحًا في إخلاص المبدعين الملتزمين ولا تجردهم، ولكن لما يكلفه هذا النوع من الإبداع من تكاليف مادية تعتمد أساسًا على عملية البيع في استرجاع ما تم إنفاقه وإلا عجزت قدرة المبدع المادية عن الاستمرار في الإنتاج، وإني لأعجب من بعض الملتزمين الذين يعتدون على حقوق الآخرين المادية، كيف يسمحون لأنفسهم أن يحصلوا على عمل جيد دون مقابل مادي؟

 ٣- الاستثمار الاقتصادي المؤسس في مجال الفن الملتزم، فعملية الإنتاج الفني تحتاج إلى تمويل ضخم يعجز عنه كثير من المبدعين والموهوبين فيبقى حلمًا في صدورهم أو أمنية في نفوسهم لا ترى النور على أن عملية الاستثمار في مجال الفنون إذا ما توافرت لها عناصر النجاح والإبهار تدر عائدًا ماديًا كبيرًا، وإلا ما تسابقت شركات الإنتاج المختلفة على صناعة الفنون وتسويقها لتحقيق العائد المادي الضخم ولو كان ذلك بفتح سوق نخاسة جديد على حساب قيم المجتمع وأخلاقه

٤ - الدعم الإعلامي للفن الملتزم ورموزه ومنتجيه ومبدعيه عبر الصحافة والإذاعات والفضائيات، إن الفنان الملتزم يقدم إبداعه في ظروف غاية في الصعوبة لأنه يقدم لوناً غير مألوف في دنيا الفن، ويبدو إبداعه غريباً حين يلتزم بالقيود والضوابط، في زمن تستباح فيه كل الضوابط، وهو ذلك يتعرض لهجوم شديد من النقاد والصحفيين التقليديين، لذا فهو في حاجة ماسه لتلقي الدعم والتوجيه والنقد من التيار الملتزم الذي يوجه إبداعه إليه في المقام الأول، فعلى صحافتنا الإسلامية أن تخصص صفحات فنية لمتابعة هذا الإبداع والإنتاج ودعمه وتشجيعه.

 5- قبول الاجتهادات والآراء الفقهية في سعة صدر لا تصادر حق الآخرين في الاجتهاد، بحيث يتاح لكل مدرسة فقهية أن تعبر عن نفسها بنوع أو بلون من الفن الملتزم الخاص بها، بما يضمن لهذا الفن التنوع والتعدد في الأشكال والقوالب مع الحفاظ على روح المضمون الهادف الملتزم واحترام القواعد الفقهية المعتبرة التي تقرر بوضوح أن الاجتهاد لا يرد الاجتهاد، وأن المسائل الخلافية بين العلماء لا يجب النهي فيها عن منكر قد يراه الآخرون معروفًا، ولا الأمر فيها بمعروف يراه غيرهم غير ذلك.

الهوامش

1- راجع تفاصيل ذلك كلة في كتاب "الإسلام والفن" للدكتور القرضاوي.

2- إحياء علوم الدين للغزالي.

3- عن تقرير بعنوان مسرح الإخوان المسلمين البداية رومانسية للباحث أحمد عز من موقع إسلام أون لاين، والجدير بالذكر أن الشيخ عبد الرحمن البنا الذي حاول قبل وفاته إكمال " الفتح الرباني في شرح مسند الإمام أحمد الشيباني" الذي بدأه والده، وهو العضو البارز في دعوة الإخوان المسلمين والمرشح فيما بعد لخلافة أخيه" حسن البنا" في قيادة الإخوان المسلمين هو الذي قاد حركة مسرح الإخوان.

واحة الشعر

  ١٤٢٥هـ       

شعرأيمن بن عبد القادر كمال

عام جديد قد أطل واقــبــلا ***  أدعو الإله بأن يكون الأجمـلا 

أبصرته نشوان، فوق جبينه ***  فرخ الطفولة مشرقًا متهللا 

مترنّمًا بالأغنيات، وصوتُه *** بَوْحُ النسائم هائمات بالعلا 

ساءلته والحزن يعصرني، وقد ***   نطقت عيوني حيرة وتساؤلا 

أتراك قد أبصرت حزني ناقصًا *** فأتيت حزنًا للقلوب مكملا؟

 ابدَقْتَيْك حملت فصلًا للأسى ***  يبكي الفؤاد فلا يطيق تحملا؟

 أعلى لسانك أغنيات لحنها *** لحن الجراح تاوهًا وتَمَلْمُلا؟ 

أم جئت تسقي القلب كأس مسرة *** من بعد أن ليس النواح فأسبلا؟

 أتراك تعلم ما أعاني؟ إنني *** أجد السعادة كذبة وتخيلا

وتركته، وبَعُدْتُ عنه، وخِلْتُه ***  قد فر من حرج ولكن أقبـــلا 

نادى بأعلى الصوتجئت مبشرًا *** ولسورة الأنفال جئت مُرتّلا 

إني جلبت النصر بعد مذلة ***  وبَنَيْتُ للفرح المغيب منزلا 

بيض البشائر في يدي، كحامل *** في عتمة الصحراء ليلًا مشعلا 

وبراحتي توهج ويخافقي ***  غُصنُ المسرة بالندى قد أثقلا 

صفحات مجد قد حملت ورجعة ***  للدين ترقب موعدًا متاملا 

بالدين يرجع ما أضيع، وليس بالـ *** ندم المرير يعود ما قد أهملا

في زحمة الآلام جئت مهنئًا  ***  للمسلمين معانقًا ومُقبلا 

وتجول في خلدي أحاسيس الرضا *** عنهم، وقد جعلوا العقيدة أولًا

تركوا المعاصي والذنوب وأقبلوا ***  للدين، يرجو سعيهم أن يُقبلا

 لا يرتضون سوى النجوم مواطنًا ***  وجوار شمس العالمين المعقلا 

لكن خوفي أن يصير كتابهم *** -سر النجاة - مُهمُشًا ومُعطلا 

ويظل نبراس الحياة بقلبهم *** رغم الظلام، مُقيدًا ومكبلا 

ها قد اتيت وفي فؤادي لهفة *** للمكرمات مكبرا ومُهللا 

يا أيها الراجون عزًا أبشروا *** عام البطولة قد أطل وأقبلا 

الرابط المختصر :