العنوان الفَلَس السياسي والنَّهَم العدائي.. إلى أين؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1288
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 17-فبراير-1998
البلد الطيب والعقل النابه يخرج نباته عظيمًا طيبًا، والتوجه الفاسد والفكر الشارد لا يخرج إلا محنًا ونكدًا، وحالة كثير من الأمم والشعوب والسلطات في العالم الثالث أصبحت واضحة المعالم، بينة القسمات، معروفة الحال والمآل، والحاضر والمستقبل، يتكلم فيها القاصي والداني، ويشخصها الأطفال قبل الأخصائيين، ويعرفها الجاهل قبل العالم.
فبصراحة- وبكل وضوح- هل تختلف السياسة الداخلية لدول العالم الثالث عن السياسة الخارجية، أم أنها تخرج من مشكاة واحدة، وتطبخ في وعاء واحد؟ لأن العقلية هي العقلية، والتوجه هو التوجه، إن صراع الشعوب مع السلطات ما زال على أشده، بل يزداد ضراوة بدون أن يجد له سبيلًا إلى الحل، وطريقًا إلى التفاهم، وكأن الشعوب هي العدو الواجب التصدي له ومقاومته بكل حزم وقوة، وإذا انتقلنا من صراع الشعوب والسلطات، وجدنا صراعًا آخر، وهو صراع الجوار والحدود، فإذا انتقلنا والتفتنا إلى جهة أخرى، وجدنا صراع السلطات مع الأقطار المختلفة، إسلامية أو قومية، بنفس التوجه والقوة والإصرار، بل لا أكون مبالغًا إذا قلت إن هذا التحارب وتلك العداوات صارت هي مشروعنا الاجتماعي والقومي والحياتي، الذي ينبغي إنجازه وعدم التهاون فيه، ولا أراني في وقت من الأوقات وجدت سلطة أو إدارة إلا غارقة إلى الأذقان في هذا المستنقع الكريه، ولا ينبغي لأحد أن يسأل عن حال الأمة الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي والصناعي والإنمائي، لأن هذا شيء قد حذف من خطة الحكومات وقاموسها، وإثارته قد تسبب المتاعب، وتورث الظنون، وتهيج الأمن والسلطات، وتورد الحتوف، وفعلًا قد تم استئصال كثير من العقول الغيورة والقادرة على تصحيح المسيرة، وحمل التبعة، فتضاعفت بذلك الرزايا، وتكاثرت النكبات.
لعمرُك ما الرزيةُ فقْدُ مالِ *** ولا فَرسٌ يموتُ ولا بعيرُ
ولكنً الرزيةَ فقد حر*** يموتُ بموته خلق كثير
ولهذا نرانا كل يوم تحل بنا كارثة، أو تنزل بنا داهية، حتى كادت العواصف تقتلع ما تبقى فينا من صمود، وتنهش ما تخلف عندنا من عقل، وزاد الأمر بلية أننا صرنا متاعًا يؤكل، وزادًا يقسم، وتركة تنهب، ومريضًا يراد له أن يوارى التراب، ويعرف الناس كل الناس أن هذا كان لعاملين اثنين: الأول: عقول السلطات غير المؤهلة، والثاني: استغلال أعدائنا لجهلنا وظروفنا.
وقد أوضح هذا كثير من المحللين الغربيين والشرقيين، منهم «بول كيندي»، إذ يقول: «إن التقارير عن ورطة القادة في الشرق الأوسط مظلمة بشكل غير عادي»، وتصف هذه التقارير المنطقة بأنها «منطقة كوارث إنسانية وبيئية»، وبأنها «هامشية» وطرفية بالنسبة لبقية العالم، وأنها تعاني من مشاكل يصعب حلها، بحيث إن بعض خبراء التنمية الأجانب يتركونها ليعملوا في مكان آخر، ومن وجهة نظر البنك الدولي يتوقع أن يشاهد العالم كله تقلصًا في مستوى الفقر بحلول عام ٢٠٠٠م، إلا في تلك المنطقة وإفريقيا، حيث ستصبح الأمور أكثر سوءًا، وتتساءل إحدى الدراسات المتعاطفة فتقول: كيف لهؤلاء البقاء في ظل هذا التقدم والسباق الدولي الحضاري؟!.
ثم يقول: ليس من الصعب أن يعرف المرء سبب الظروف المقلقة للعالم الإسلامي ثقافيًا أو تاريخيًا، وغالبًا ما ينسى النقاد في غمرة تخلف المنطقة التكنولوجي وحكمها الدكتاتوري، أنه قبل قرون من إعادة التشكل هذا، قاد الإسلام العالم في الرياضيات والطب، وعلم رسم الخرائط، وفي مجالات أخرى عديدة علمية وصناعية، كما أنه كان يتمتع بوجود المكتبات والجامعات والمراصد الفلكية في الوقت الذي كانت فيه اليابان وأمريكا لا تملكان شيئًا على الإطلاق، وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعيش في ظلام دامس، وفي وقتنا الحاضر قام العالم الإسلامي بالتضحية بكل هذه الأمور مقابل فكر تقليدي، ومقابل الانقسام بين أجزائه ومذاهبه، فهل يرجع الإسلام إلى ذاته؟ لأن تأخره هذا يبدو أنه كان عکس خطى التاريخ، ولربما كان هذا أيضًا رد فعل على صعود أوروبا وتوسعها الناجح، وعملها على تعويق المسيرة الإسلامية.
فالغرب هو الذي قام باختراق العالم الإسلامي، وغزا وادي النيل والخليج الفارسي والهلال الخصيب، ثم دخل إلى قلب الأمة العربية، وقسم الأمة الإسلامية على أساس حدود غير طبيعية كجزء من صفقات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وحلول الولايات المتحدة محل أوروبا في المنطقة، وزرع إسرائيل في وسط الشعوب العربية، وإثارة انقلابات عسكرية ضد القادة الشعبيين، وطمعها في خيرات المنطقة من نفطها وحيويتها، ولربما أن الغرب الذي فعل ذلك لعب دورًا كبيرًا في جعل العالم الإسلامي على الحالة التي هو عليها الآن، ومن الواضح كذلك أن المسلمين يعانون من مشاكل أوقعوا أنفسهم فيها، وما زالت تمسك بخناقهم، ولا يريدون التخلص منها».
وبعد: فهل اتضاح الأمور على هذه الشاكلة يملي الحل؟ وهل ستتزحزح العقول التي ليست مؤهلة للمسيرة، وتترك الساحة لغيرها ممن يستطيعون القيام بها؟ وهل يستطيع المصلحون رد الأمة إلى هويتها وأخوتها، وفض الاحتراب، وتحويل الطاقات إلى عمل منتج، وإنفاق ذلك الهدر المالي في التنمية والإنتاج، واللحاق بالعصر؟
وهل ستلتفت الأمة إلى التربية وتطوير التعليم، وليس إلى تهميشه وإضفاء مسحة من الكآبة عليه؟ وهل سيعمل الإعلام انطلاقًا من جذورنا الثقافية والحضارية، أم يظل لقيطًا خليعًا يعمق الكارثة؟ وهل سينقشع الفَلَس السياسي والنَّهَم العدائي، وتنعم الأمة بالرؤية الصحيحة والوحدة الجامعة والأخوة الحانية؟
نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل