; القائد.. الشهيد | مجلة المجتمع

العنوان القائد.. الشهيد

الكاتب صالح عشماوي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979

مشاهدات 69

نشر في العدد 432

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 13-فبراير-1979

عندما تآمرت الدولة.. ملكًا وحكومة.. وكان ملكها يومئذ فاروق وعلى رأس حكومتها إبراهيم عبد الهادي.. عندما تآمرت الدولة بوزراتها المزودين بالنفوذ والسلطان وبولسيها المسلح بالحديد والنار على رجل أعزل سحب منه مسدسه ورفع الحرس عنه واعتقل أنصاره وأصبح هدفًا واضحًا سهلًا لكل جبان رعديد ومستهتر أليم.. عندما تآمرت الدولة على هذا الفرد الوحيد لم تكتف باختيار الشارع الذي تقع فيه الجريمة، وتعيين السفاحين وتزويدهم بالسلاح وإعداد وسائل الهرب للجناة الآثمين.. لم تكتف الدولة بتعيين «المكان» ولكنها إمعانًا في الإجرام قد عينت أيضًا الوقت والتاريخ، فلم يكن يوم تنفيذ الجريمة مصادفة أو اعتباطا، ولكن اختارت الدولة وعلى رأسها فاروق وذيوله يومًا خاصًا هو يوم عيد ميلاد الملك حتى يتم لفاروق السفاح في يوم عيد ميلاده الفرح الكامل والسعادة التامة، وحتى يستطيع العبيد أن يقدموا رأس حسن البنا هدية لمولاهم في يوم عيد ميلاده: وكان ذلك في يوم ١٢ فبراير سنة ١٩٤٩ واليوم وفي يوم الذكرى الثلاثين لاستشهاد الإمام حسن البنا نقف قليلًا لنفي للذكرى الخالدة بعض ما في أعناقنا من واجب.

والكلام عن حسن البنا لا ينفد ولا يمل. ومهما مرت الأيام وكرت الأعوام فسيبقى هذا السفر الخالد، وهذا النجم الساطع، يوحى بأبلغ العبر وأنفع العظات..

جاء حسن البنا والإسلام قد درست معالمه في أذهان أكثر الناس.. فهو عندهم ركعات صماء، واستغفار هو في حاجة إلى استغفار، وذكر وأوراد، وصيام أيام، ومناسك تؤدى في المساجد وخارج المساجد.. وجاء المرشد الراشد والإباحية تهدد كل ما بقي لنا من فضيلة والنفوس هامدة ميتة قد استنامت للمستعمر الغاصب، قائمة من جهادها بما لا يكلفها إلا العافية من كل بلاء! 

جاء حسن البنا الداعية والقائد فرسم ملامح الإسلام كاملة، فإذا هو دين ودولة وصلاة وجهاد، ومصحف وسيف وعقيدة وشريعة، وروحانية ومادة باختصار: منهاج كامل ونظام متكامل للحياة.

ونجح حسن البنا في جذب أكبر حشد من الناس لدعوته. منهم الشيخ والشاب المتعلم والأمي، الفلاح والعامل والطالب والموظف، أستطاع أن يقود هذه الجموع، على اختلاف طبقاتها وتنوع ثقافتها وتباين أعمارها، وأن يجمعها على فهم واحد للإسلام الصحيح، وعلى العمل والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وهيمنة تعاليم الإسلام على كل ناحية من نواحي الحياة.

لقد استطاع حسن البنا أن يحبب إلى الشباب ما في الإسلام من نظم للمجتمع الراقي الفاضل، وفي دفع التشريع الإسلامي إلى بيئات القانون والتشريع، وفي غزو ميدان الاقتصاد باسم الإسلام فأقام الشركات التجارية والمؤسسات الصناعية التي تسير وفقًا للأوضاع التي تتفق مع الشريعة الإسلامية ونشط حسن البنا، كداعية إلى الله يندد بجشع الرأسمالية ويدعو إلى تحقيق العدالة الاجتماعية كما جاءت في الإسلام كما نهض يحارب الشيوعية بما فيها من إلحاد وإباحية ويدعو إلى المبادئ الإسلامية بما فيها من ربانية وفضيلة ومكارم أخلاق.

ولكن أبرز ما تميزت به دعوته بعد إبراز شمول الإسلام لكل نواحي الحياة هو مناداته بالقوة والجهاد كفريضة ماضية إلى يوم الدين ضد المستعمرين والغاصبين لبلادنا والسالبين لحريتنا وهو بذلك قد جدد ركنًا من أركان الدين كانت معالمه قد اندرست وظن الجهلة من المسلمين أن الجهاد كان أيام النبي والخلفاء الراشدين وقد أنتهى وانقضى زمانه إلى يوم الدين.

وقد رأينا كيف نجح حسن البنا في تكوين كتائب المجاهدين من الإخوان المسلمين التي خرجت من مصر للجهاد في سبيل الله في فلسطين لأول مرة في تاريخ الإسلام الحديث، كما رأينا الفدائيين من الإخوان المسلمين يشنون غاراتهم على معسكرات جيش الاحتلال البريطاني في قناة السويس، وقد أرتوت أرض فلسطين كما أرتوت أرض مصر بدماء شهداء الإخوان المسلمين وجنود حسن البنا المخلصين.

وكان الإمام حسن البنا يحارب الاستعمار في جميع جبهاته وفي وقت واحد. فما كان يسعه أن يحارب الاستعمار البريطاني في مصر والسودان ويترك الاستعمار الإنجليزي الصهيوني في فلسطين، وما كان يرضى أن ينتظر حتى ينتهي الاستعمار الإنجليزي في مصر والسودان وفلسطين والأردن والعراق قبل أن يهاجم الاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب والاستعمار الإيطالي في ليبيا والهولندي في إندونيسيا.

فلا عجب إذا ثأرت لعداء حسن البنا هذه القوى جميعًا، فكان أمامه تحلل وطغيان الملكية الفاسدة وحقد الحزبية البغيضة في مصر، وكان أمامه دسائس الاستعمار وجبروت الرأسمالية الجشعة والشيوعية الملحدة والصهيونية الغادرة ولو كان حسن البنا رجلًا يعتنق فكرة لأشفق على نفسه وعلى فكرته من منازلة هؤلاء الأعداء جميعًا ولطوى في نفسه بعض ما يؤلب عليه هذه القرى التماسًا لشيء من العافية. ولكن حسن البنا كان فكرة ودعوة تحيا في رجل.

والفكرة وحدة متماسكة إذا أسفرت شمسها الرائعة أسفرت بكل عناصرها مرة واحدة على كل البيئات والأنحاء.. وهذا هو لب العبرة في جهاد هذا الإمام.

لقد جاءه من يعرض عليه منصبًا ليلين عن بعض واجبه في منصب الداعي إلى الله. وكانت نظرة رثاء وإشفاق وتبكيت ذابت لها شخصية العارض هوانًا وخجلًا..

وعرض عليه الإنجليز في مستهل الحرب العالمية الثانية ذهبهم الوهاج ألوفًا وعشرات الألوف، ولكن الرجل المتواضع أذل بكبريائه من جاء يساومه على دعوته وكرامته ونكس القوم على رؤوسهم مدركين أن الذهب والفضة لا ينفعان مع هذا الرجل، وأن لابد من معالجه بما يحسم أمره ويخفت صوته إلى الأبد!

وأنني لأومن إيمانًا جازمًا بأن شخصية إمامنا حسن البنا قد بلغت مجدها وبرزت أدق معالمها في أيامه الأخيرة مجسمة في الاستهانة بالشدائد، وعدم الخوف من الموت والتحدي والإقبال على التضحية الكاملة.

ولا أذيع سرًا إذا قلت إن حسن البنا كان يعي تمامًا ما يدبر له في الخفاء وما يحاك في الظلام لقتله. وقد حاول بعض أصدقائه ومحبيه من رجال العروبة أن يديروا طريقة لنجاته من المؤامرة واتخذت خطوات وأعدت ملابس للتنكر والتخفي.. ولكن ما كان حسن البنا ليرضى بالاعتزال في أوقات الشدة وما كان يرضى للقائد أن يهرب لينجو بنفسه ويترك جنوده وأتباعه في الميدان لقد رفض حسن البنا الخروج من مصر، وبقي وحيدًا في الميدان، أعزل من كل سلاح إلا سلاح الإيمان وانتظر مصيره في شجاعة المؤمن وإيمان الشجاع وتلقى الرصاصة الغادرة في صدره فلم تصب منه مقتلًا ونزل بنفسه من السيارة وطلب الإسعاف بالهاتف.. ثم حملوه إلى مستشفى قصر العيني حيث تركوه بغير إسعاف تركوه ينزف إلى آخر قطرة من دمه، ويخفق آخر خفقة من قلبه، ويلفظ آخر نفس من أنفاسه الطاهرة!

كان يحب أن يموت شهيدًا.

فالرجل الذي يصنع للناس تاريخًا ليس بالذي يمكن أن يرضى بالموتة الذليلة فيموت على فراشه، إنما هو رجل كفاح ونضال لا يمكن أن يسكت عن حق أو يصبر على ضيم وأن تألبت الدنيا كلها عليه.

إن الشهادة هي النهاية الطبيعية التي تنتظر كل مجاهد في سبيل الله وفي سبيل مبادئ الحق التي تنكر الظلم وتقف في وجه الظالمين. وقد جاءت الشهادة لحسن البنا كوسام يوضع على صدره في آخر لحظات حياته وكوثيقة تثبت صدقه في كل ما دعا إليه من مبادئ وجاهد في سبيله من أهداف. لقد كان الرجل جادًا في طلب الشهادة، وقد صدق الله فصدقه الله، وجعل من موته حياة له ولدعوته يتوارثها المؤمنون جيلًا بعد جيل.

.. ولقد استشهد قبل حسن البنا إخوان في مصر وفلسطين، كما وقع بعد وفاته شهداء على الطريق، ولكن ستظل موتة حسن البنا منارة، على الطريق، «وقمة»، في الاستشهاد..

وظن أعداء حسن البنا أنهم بقتله سيقضون على دعوته، ولكن خاب فالهم وطاش سهمهم! لقد كان حسن البنا دعوة في جسم إنسان فلما تخلصت الروح من الجسد انطلقت في ملكوت الله. نورًا يهدى وتيارًا يسرى سرى الكهرباء، فإذا الدعوة تنتشر وتصل إلى أبعد الآفاق، وإذا بالأنصار والأتباع في كل قارة وفي جميع الأنحاء!

ولقد مضى ثلاثون عامًا منذ استشهاد الإمام القائد حسن البنا.. ومازالت قافلة المؤمنين تسير، وركب المجاهدين يزحف.. فعلى هذا بايعنا حسن البنا وأتبعناه.. وعلى هذا الإيمان سنحيا.. وعليه سنلقى الله إن شاء الله..

وصدق الحق تبارك وتعالى إذ يقول ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. (سورة الأحزاب: 23)

الرابط المختصر :