العنوان القانون الذي يساعدهم على التمادي في الإجرام
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988
مشاهدات 79
نشر في العدد 857
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 08-مارس-1988
نشرت بعض الصحف
في إحدى البلاد العربية قصة مدرس اعتدى على 9 تلميذات صغيرات تتراوح أعمارهن بين 7
سنوات و12 سنة من تلميذات المدرسة التي يعمل بها المدرس، فقد انفرد بالتلميذات كل
واحدة على حدة في أوقات مختلفة، واعتدى عليهن جنسيًّا. وقررت النيابة حفظ القضية،
وجاء في قرار الحفظ: "إنه وإن كانت التهمة ثابتة على المتهم، الأمر الذي
يستوجب محاكمته جنائيًّا بتهمة هتك عرض بنات صغيرات؛ إلا أنه نظرًا لصغر سن
التلميذات المجني عليهن ولعدم إقحامهن أمام محكمة الجنايات للإدلاء بشهادتهن، فإن
النيابة تأسف وهي تحفظ الدعوى الجنائية ضد المتهم، وتطلب نقله من مهنة التدريس
للبنات إلى مهنة أخرى".
يا للعجب! مجرم
ينتهك أعراض بنات صغيرات مستغلًّا وظيفته كمربٍّ ومعلم، فأهان قدسية هذه الوظيفة،
وفجر بالتلميذات اللاتي وُضعن في أمانته وعهدته، فلم يتق الله فيهن، ولم يخش
عقابه، فانتهك أعراضهن وأساء إلى سمعتهن وسمعة أهلهن، وأفقدهن أعز ما يملكن، فجلب
لهن ولأهلهن الأذى والعار، والعذاب النفسي المستمر أبد الدهر. لم يُعاقَب، ولم
يُقدَّم إلى المحاكمة لينال جزاءه على ما ارتكب من جرم خطير؛ على الرغم من ثبوت
التهمة عليه! كل ما عُمل نحوه أن تطلب النيابة نقله من مدرسة البنات إلى عمل آخر!
وقد تكون الوظيفة التي يُنقل إليها أحسن من وظيفته الحالية، وقد يكون النقل محققًا
لأمنية لديه، فبعد أن أشبع غريزته من الفتيات الصغيرات يذهب ليشبع غرائزه من
وظيفته الجديدة التي حصل عليها طبقًا لتوصية النيابة، ويكون العذر أقبح من الذنب
عندما يكون السبب في حفظ القضية هو القانون نفسه الذي جُعل لحماية الحق والعدالة،
والمحافظة على أرواح الناس وأعراضهم وأخلاقهم وممتلكاتهم. السبب هو ألا يتعرض
لتعقيدات قانون المرافعات في محكمة الجنايات.
هذه القضية تلفت
نظرنا إلى عدة أمور:
الأمر الأول:
عيوب القانون الوضعي
الذي سلب
الأفراد حقهم في إقامة الدعوى الجنائية ومنحه للنيابة، وأطلق عليها التصرف في رفع
القضية أو عدم رفعها، وجعل من حقها أن تكتفي بالجزء الإداري وتحفظ القضية، وإن
كانت في خطورتها وأهميتها مثل هذه القضية التي تتعلق بانتهاك الأعراض. كما كشفت
هذه القضية تعقيدات قوانين المرافعات والجنايات في القانون الوضعي، فإنه إذا
أُحيلت القضية إلى محكمة الجنايات تدخل في دور من الروتين والتعقيد، فيصير المشتكي
كأنه هو المتهم، فإذا كانت النيابة عللت حفظ القضية بأنها لا تريد إقحام التلميذات
إلى محكمة الجنايات، فذلك أن القانون يدلل المتهم، حتى لو كان مجرمًا ثابت
الإجرام، فيتكلف صاحب الحق ما لا يطيق، ويصير كأنه هو مرتكب الجريمة، فما يلحقه من
الأذى وتكاليف أكثر مما سيحصل عليه لو خرج الحكم في صالحه. ولو نظرنا إلى هذه
القضية بمنظار الشريعة الإسلامية لما أفلت هذا المجرم من يد العدالة، من غير أن
تتكلف التلميذات كلهن شيئًا، ومن غير أن يتعرضن لأي مضايقات تزيد من عذابهن
النفسي، ففي المحكمة أن تندب قاضيًا ليأخذ أقوالهن وأقوال المتهم في جلسة مغلقة،
فإذا اعترف المتهم وقامت عليه الأدلة الكافية لإدانته تحكم المحكمة بالحكم المطابق
للشريعة من حد أو تعزير، يكون فيه العقاب الرادع له ولغيره، قد يصل إلى حد
الإعدام. ومن حيث تحريك الدعوى، فالشريعة الإسلامية تفرق بين نوعين من الجرائم:
جرائم عامة تقع على الدولة نفسها، وجرائم خاصة تقع على الأفراد. وهناك دعوى جنائية
عامة، ودعوى جنائية خاصة، ففي حقوق الله الخالصة، أو التي يغلب فيها حقه يُراعى
فيها جانب حق الله ويتولد عنه جريمة عامة، يكون لولي الأمر حق تحريك الدعوى، ولكل
فرد مشاركته في إقامتها، فهي دعوى عامة واقعة على المجتمع الإسلامي ونظامه. وفي
حقوق العبد الخالصة، أو التي يغلب فيها حق العبد، تتولد له دعوى خاصة بطلب عقاب
الجاني. ومن هنا نعرف أن الشريعة الإسلامية شريعة تكافل وتضامن وتعاون على الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تترك مجرمًا يفلت من يد العدالة، ولا تترك موظفًا
في نيابة أو إدارة يتلاعب بأقدار الناس. وهناك في الشريعة نظام الحسبة التي
بمقتضاها يحق لكل مسلم أن يتقدم بدعواه إلى القضاء من أجل الصالح العام.
الأمر الثاني:
الضرر الحاصل من الاختلاط
الذي تلفت نظرنا
إليه هذه القضية الضرر الحاصل من الاختلاط عندما يكون رجل يدرس للبنات أو بالعكس؛
ومن هنا نعرف حكمة الشريعة الإسلامية في منع الاختلاط. ومما يدعو إلى الأسف أنه
على الرغم من هذه الدروس القاسية التي تتلقاها المجتمعات فلا يزال هناك من يصرون
على الاختلاط، ويتفلسفون في تبريره ويرمون معارضيه بالرجعية والتخلف، ويقولون
عنهم: إنهم ينظرون إلى علاقة المرأة والرجل علاقة جنس فقط، لا علاقة فكر وعقل! وهم
يقولون ذلك مع علمهم بمشاكل الاختلاط، وتكرار الحوادث التي يندى لها الجبين،
ولكنهم يتجاهلون كل ذلك، ويعاندون ويكابرون، فأين علاقة الفكر والعقل في مثل هذه
الحوادث؟
الأمر الثالث:
ظاهرة تعرض الأطفال للاعتداء
ظاهرة تعرض
الأطفال للاعتداء في كثير من المجتمعات، فأين مؤسسات رعاية الطفولة التي نسمع عنها
في كل مكان؟ وأين دورها في حث الحكومات باتخاذ الوسائل الناجعة للقضاء على هذه
الظاهرة وحماية الأطفال من كل أشكال الاستغلال، وتشديد العقوبات على المجرمين
الذين يعتدون على الأطفال ويلحقون بهم الأذى؟ فإن الأطفال هم عماد المستقبل، وإذا
لم يُصانوا من المؤثرات التي تضر بأجسامهم وعقولهم وأخلاقهم سيكونون جيلًا فاسدًا
عاجزًا عن العطاء لخلق مجتمع قوي.
إن ظاهرة
الاعتداء على الأطفال قد فشت في كل أنحاء العالم، فنجد من يقتل أولاده الصغار
لمجرد أن تعتريه ضائقة مالية، ونجد من يبيعهم بسبب الفقر، ونجد من يستغلهم في
الأعمال الشاقة. وإنني كلما سمعت عن حادثة من حوادث العنف ضد الأطفال تذكرت ما
حفلت به تعاليم الإسلام من حث على العناية بالطفولة، وتذكرت بصورة خاصة ما نقلته
لنا السيرة النبوية من حرص رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام على تلك الرعاية
للأطفال، وشفقته عليهم، وكيف أنه يسرع لإنهاء الصلاة إذا سمع بكاء الطفل. فسلام
الله عليك وتحياته يا رسول الله، يا معلم الأمم، ويا رحمة العالمين، وصدق الله حيث
قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل