; القدس القدس..يا شيخ الأزهر | مجلة المجتمع

العنوان القدس القدس..يا شيخ الأزهر

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 16-مارس-2012

مشاهدات 79

نشر في العدد 1993

نشر في الصفحة 39

الجمعة 16-مارس-2012

القدس يا شيخ الأزهر، القدس يا شيخ المسلمين، القدس أمانة في عنقك أنت ومن معك، لقد وليت أمرًا يجب أن تأخذه بحقه، وحق الإسلام عليك أن تدافع عن مقدساته، وتنافح عن قضاياه، ورجالات الإسلام تظهر في المواقف وتبرز في الأزمات، ولقد وقف من العلماء قبلك الكثير مدافعين على مر الدهور والعصور عن قضايا الأمة وعن فلسطين والمسجد الأقصى ومقدسات المسلمين، واليوم وقد احتلت فلسطين واحتلت القدس، وحوصر المسجد الأقصى ويراد نزعه إلى الأبد من أيدي المسلمين. 

ومن الواضح أن القدس دائمًا كانت اختبارًا لقوة المسلمين ورجولتهم، ولم تؤخذ في مرة واحدة بالتفاوض، وإنما خاض المسلمون من أجلها الحروب تلو الحروب، وهاهي القدس اليوم تنن من ضعف المسلمين وترزح تحت نير المجرمين، ولن يحرك العالم المؤمن إلا قيادات دينية وسلطات إيمانية، وقد قام علماء الأزهر الشريف سنة ١٩٤٧م عند أزمة فلسطين بتوجيه ندائهم إلى أبناء العروبة والإسلام بوجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين وحماية المسجد الأقصى، وقد كان فذهبت الجيوش وتوافد المتطوعون وفيما يلي نص النداء الذي أصدره الأزهر الشريف: 

«بسم الله الرحمن الرحيم.. يا معشر المسلمين، قضي الأمر، وتألبت عوامل البغي والطغيان على فلسطين، وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومنتهى إسراء خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه. 

قضي الأمر، وتبين لكم أن الباطل مازال في غلوائه، وأن الهوى ما فتى على العقول مسيطرًا، وأن الميثاق الذي زعموه سبيلًا للعدل والإنصاف ما هو إلا تنظيم للظلم والإجحاف، ولم يبق بعد اليوم صبر على تلكم الهضيمة التي يريدون أن يرهقونا بها في بلادنا، وأن يجثموا بها على صدورنا، وأن يمزقوا بها أوصال شعوب وحد الله بينها في الدين واللغة والشعور.

إن قرار هيئة الأمم المتحدة قرار من هيئة لا تملكه، وهو قرار باطل جائر ليس له نصيب من الحق ولا العدالة، ففلسطين ملك للعرب والمسلمين بذلوا فيها النفوس الغالية والدماء الذكية، وستبقى إن شاء الله ملكًا للعرب والمسلمين بالرغم من تحالف المبطلين، وليس لأحد كائنًا من كان أن ينازعهم فيها أو يمزقها. 

وإذا كان البغاة العتاة قصدوا بالسوء من قبل هذه الأماكن المقدسة فوجدوا من أبناء العروبة والإسلام أسودا ضراغم ذادوا عن الحمى، وردوا البغي على أعقابه مقلم الأظافر محطم الأسنة فإن في السويداء اليوم رجالًا وفي الثرى آسادًا، وإن التاريخ لعائد بهم سيرته الأولى، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. 

يا أبناء العروبة والإسلام، لقد أعذرتم من قبل، وناضلتم عن حقكم بالحجة والبرهان ما شاء الله أن تناضلوا حتى تبين للناس وجه الحق سافرًا، ولكن دسائس الصهيونية وفتنها وأموالها قد استطاعت أن تجلب على هذا الحق المقدس بخيلها ورجلها، فعميت عنه العيون، وصمت الآذان، والتوت الأعناق، فإذا بكم تقفون في هيئة الأمم وحدكم، ومدعو نصرة العدالة يتسللون عنكم لواذًا بين مستهين بكم وممالي لأعدائكم، ومتستر بالصمت متصنع للعباد، فإذا كنتم قد استنفد تم بذلك جهاد الحجة والبيان، فإن وراء هذا الجهاد لإنقاذ الحق وحمايته جهادًا سبيله مشروعة، وكلمته مسموعة تدفعون به عن كيانكم ومستقبل أبنائكم وأحفادكم فذودوا عن الحمى، وادفعوا الذئاب عن العرين وجاهدوا في الله حق جهاده؛﴿فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾

 (النساء: ٧٤)،﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

 (النساء: 76).

يا أبناء العروبة والإسلام، خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا، وإياكم أن يكتب التاريخ أن العرب الأباة الأماجد قد خروا أمام الظلم ساجدين، أو قبلوا الذل صاغرين.

إن الخطب جلل، وإن هذا اليوم الفصل وما هو بالهزل، فليبذل كل عربي وكل مسلم في أقصى الأرض وأدناها من ذات نفسه وماله ما يرد عن الحمى كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، سدوا عليهم السبل، واقعدوا لهم كل مرصد وقاطعوهم في تجارتهم ومعاملاتهم، وأعدوا فيما بينكم كتائب الجهاد، وقوموا بفرض الله عليكم، واعلموا أن الجهاد الآن قد أصبح فرض عين على كل قادر بنفسه أو ماله، وأن من يتخلف عن هذا الواجب فقد باء بغضب من الله وإثم عظيم؛﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾

(التوبة: ١١١).

فإذا كنتم بإيمانكم قد بعتم أنفسكم وأموالكم، فها هو ذا وقت البذل والتسليم، وأوفوا بعهد الله يوف بعهدكم، وليشهد العالم غضبتكم للكرامة وذودكم عن الحق، ولتكن غضبتكم هذه على أعداء الحق وأعدائكم لا على المحتمين بكم ممن لهم حق المواطن عليكم وحق الاحتماء بكم، فاحذروا أن تعتدوا على أحد منهم إن الله لا يحب المعتدين ولتتجاوب الأصداء في كل مشرق ومغرب بالكلمة المحببة إلى المؤمنين: الجهاد.. الجهاد.. الجهاد.. والله معكم».

وقد وقع على الفتوى كل من فضيلة:الشيخ محمد مأمون الشناوي(شيخ الجامع الأزهر)، والشيخ محمد حسنين مخلوف(مفتي الديار المصرية)، والشيخ عبد الرحمن حسن(وكيل شيخ الأزهر)، والشيخ عبد المجيد سليم(مفتي الديار المصرية السابق)، والشيخ محمد عبد اللطيف دراز(مدير الجامع الأزهر والمعاهد الدينية)، والشيخ محمود أبو العيون (السكرتير العام للجامع الأزهر والمعاهد الدينية)، والشيخ عبد الجليل عيسى (شيخ كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر)، والشيخ الحسيني سلطان(شيخ كلية أصول الدين)، والشيخ عيسى منون(شيخ كلية الشريعة)، والشيخ محمد الجهني (شيخ معهد القاهرة)، والشيخ عبد الرحمن تاج(شيخ القسم العام)، والشيخ محمد الغمراوي(المفتش بالأزهر)، والشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ إبراهيم الجبالي، والشيخ محمد الشربيني، وأعضاء جماعة كبار العلماء، وكثير غير هؤلاء من العلماء والمدرسين في الكليات والمعاهد الأزهرية في القاهرة والأقاليم المصرية.

هؤلاء هم أسلافك يا شيخ الأزهر، كانوا روادًا للأمة على درب من سبقهم وقاموا ببعض ما كان يجب عليهم، ودعوا إلى الجهاد في سبيل استرداد المقدسات، فهل تستطيع أن تقوم بمثل ما قاموا به، وأن تتوجه إلى العلماء حتى يؤازروك ويربطوا على يدك حينئذٍ سترضي ربك، وترضي الإسلام، وترضي الأمة، وتكون نصيرًا لها، وسيحمل التاريخ لك ذلك، وستسطر في صحائفك عند الله وعند الناس، أما إذا كانت الأخرى لا قدر الله، فإن الحساب سيكون عسيرًا، نسأل الله السلامة والسلام.

الرابط المختصر :