; القدس بين اليهودية والإسلام | مجلة المجتمع

العنوان القدس بين اليهودية والإسلام

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000

مشاهدات 55

نشر في العدد 1423

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 24-أكتوبر-2000

  • موسى عليه السلام «نبي اليهودية» عاش ومات ودفن في مصر ولم تر عيناه القدس والتوراة نزلت في مصر ولم تشهد القدس منها شيئًا.. فأين العلاقة الروحية والوطنية لليهود بالقدس؟!

  • يهودية التلمود.. ويهودية الصهيونية.. ليست يهودية موسى عليه السلام

  • هل صلاة أبناء دين تجاه مدينة من المدن ترتب لهم حقوقًا سياسية ووطنية؟

  • بين القدس ومكة رابطة عقيدة إسلامية وقرآن يُتلى

  • الإسراء تم من المسجد الحرام أي «مكة» إلى المسجد الأقصى «أي القدس» وفي ذلك دلالة على اعتبار كل مكة مسجدًا حرامًا وكل القدس حرمًا قدسيًا

عندما نناقش حجج ودعاوى الآخرين حول قضية القدس نحاول أن نتجرّد من منطق صاحب الحق الذي يخاطب ذاته.. فنتحدث بالمنطق «الموضوعي - البارد»، الذي يفند «حجج» الخصوم بمنطق هؤلاء الخصوم، وبلغة العلم وعقلانية الفكر، لا بالعواطف، أو حتى بمأثوراتنا الدينية الخاصة التي لا يؤمن بها الآخرون.

وفي تطبيق هذا المنهج على «وثيقة» «رابطة الدفاع اليهودية» - التي كتبها اليهودي الصهيوني الأمريكي «دانيال باسيبس» - أكبر مساعدي «بنيامين كاهانا» - ابن الحاخام الإرهابي «مائير كاهانا»، مؤسس هذه الرابطة - في مناقشة هذه «الوثيقة»، نجد أن صرامة المنطق المجرد - وهو في الفكر عملة دولية عامة - تقودنا إلى «إسلامية القدس»، وإلى نفي أي علاقة لهذه المدينة باليهودية واليهود.

تقول هذه «الوثيقة»: «إن القدس هي أعظم مدينة دينية بالنسبة لليهودية».

فهل هذا صحيح؟ وهل هناك علاقة ما بين اليهودية وبين مدينة القدس؟

لقد روّج اليهود هذه الدعوى حتى تبنتها الكاثوليكية - ومن قبلها البروتستانتية - فوجدنا بابا الفاتيكان «يوحنا بولس الثاني» يتحدث عن القدس فيقول: «منذ عهد داود الذي جعل أورشليم عاصمة لمملكته، ومن بعده ابنه سليمان، الذي أقام الهيكل، ظلت أورشليم موضع الحب العميق في وجدان اليهود، الذين لم ينسوا ذكرها على مر الأيام، وظلت قلوبهم عالقة بها كل يوم، وهم يرون في المدينة شعارًالوطنهم».. «عن مقال الأنبا يوحنا قلته - الأهرام في 12/5/1997م».

ووجدنا -كذلك- التحالف المسيحي البروتستانتي -في أمريكا- تحت تأثير «الصهيونية - المسيحية» عندما جعل الكونجرس الأمريكي يقرر -سنة ١٩٩٥م- نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وبناءها على أرض الأوقاف الخيرية الإسلامية! ينُص في مقدمة هذا القرار على أن «القدس هي الوطن الروحي لليهودية». 

فهل حقًا تمثل «القدس أعظم مدينة بالنسبة لليهودية» كما تقول «وثيقة» رابطة الدفاع اليهودية؟ وهل هي «شعار الوطن اليهودي».. كما يقول بابا الفاتيكان؟ و«الوطن الروحي لليهودية» كما يقول الكونجرس الأمريكي؟ لنسأل أولًا: ما اليهودية؟

إنها -بالمنطق العلمي المجرد- شريعة نبي الله موسى -عليه السلام- التي جاءت بها الألواح والأسفار التي أوحى بها إلى موسى.

وهنا نسأل -ثانيًا- هل هناك أيّ علاقة بين شريعة اليهودية.. ونبي اليهودية.. وتوراة اليهودية.. وبني إسرائيل الذين توجهت إليهم التوراة والشريعة وبين مدينة القدس؟ إن نبي اليهودية قد ولد ونشأ وعاش ومات ودفن في مصر ولم تر عينه القدس في يوم من الأيّام.

وإن توراة اليهودية وشريعتها ووحيها نزلتْ في مصر، وباللغة الهيروغليفية -وقبل وجود اللغة العبرية- ولم تشهد القدس عبر تاريخها الطويل شيئًا من ذلك في يوم من الأيام، فأين العلاقة الروحية -علاقة «الوطن الروحي» - التي يتحدثون عنها بين اليهودية وبين القدس؟!

رابطة الدفاع اليهودية

فإذا قالوا -وهم بالفعل يقولون- بلسان «وثيقة» رابطة الدفاع اليهودية: «إن اليهود يصلون في اتجاه القدس، ويذكرون اسمها في صلواتهم باستمرار، ويُنهون صلاة الفصح بعبارة شوق حزين «العام القادم في القدس».

فإننا سنقول لهم: حسنًا! لكن هل صلاة أبناء دين من الأديان تجاه مدينة من المدن، ترتب لأبناء هذا الدين حقوقًا «وطنية.. وسياسية.. وسيادية» في هذه المدينة؟ 

إن الأرثوذكس -الروس، واليونان، والصرب، والمصريين، والأحباش- يصلون جميعًا تجاه القدس، وإليها يحجون، وفيها يتقدسون.. ومعهم، في ذلك، كل شعوب الكاثوليك في جميع أنحاء الدنيا، وكذلك كل الأمم والقوميات البروتستانتية.. فهل يرتب التوجه إلى القدس في الصلاة لكل هذه الأمم والشعوب والقوميات والأجناس حقوقًا «وطنية.. سياسية.. وسيادية» في مدينة القدس؟

إن القول بهذا «المنطق» جدير بعالم «النكات»، وهلوسات ضحايا المخدرات، ولا علاقة له بأدنى مستويات العقل والعقلاء! وقس على ذلك توجه المسلمين، من مختلف الأمم والأوطان إلى مكة في الصلاة.. وهو الذي لا يرتب لشعوبهم في مكة أي حقوق «وطنية.. أو سيادية.. أو سياسية».

فإذا قالوا: لقد عاش وحكم في القدس داود وسليمان -عليهما السلام- وفيها بني سليمان هيكلًا لليهود.. فسنقول لهم نعم!، لكن هذا لا يقيم علاقة بين اليهودية - وبين القدس.. وذلك لعديد من الأسباب التاريخية والمنطقية والواقعية.. منها:

1- أن داود وسليمان -بمنطق اليهود واليهودية- هما من الملوك وليسا من «الرسل والأنبياء» ومن ثمّ فإقامتهما في القدس وعلاقتهما بها هي علاقة الاستيلاء السياسي والحربي، وليست علاقة دينية بين القدس وبين اليهودية كدين.

2- وأن علاقة داود وسليمان بالقدس، كانت -بالنسبة لعمر القدس، الذي يبلغ الآن ستة آلاف عام- علاقة عارضة وطارئة، وسريعة الزوال.. فهي قد بدأت في القرن العاشر قبل الميلاد، بعد أن كان عمر القدس قد بلغ ثلاثة آلاف عام -فهي قد أسسها «اليبوسيون» أجداد العرب الفلسطينيين، قبل الميلاد بأربعة آلاف عام ولم تدم العلاقة بينداود وسليمان، بل وبين كل العبرانيين وبين القدس وفلسطين أكثر من ٤١٥ عامًا.

فهل يؤسس ذلك لليهود حقًا «وطنيًا.. وسياسيًا.. وسياديًا» دائمًا في القدس وفلسطين؟

لقد أقام العرب المسلمون وحكموا في الأندلس ثمانية قرون، وبنوا فيها المساجد التي لا تزال قائمة حتى الآن.. فهل يترتب ذلك لهم في إسبانيا والبرتغال حقوقًا «وطنية.. وسياسية.. وسيادية»؟

ولقد أقام الإسكندر الأكبر المقدوني (٣٥٦ – 324 ق. م) في مصر وغيرها من بلاد الشرق مدنًا ومعابد وإمبراطورية، دام حكمها وحكم خلفائه فيها قرابة عشرة قرون -من القرن الرابع قبل الميلاد إلى الفتوحات الإسلامية في الميلادي- فهل يرتب القرن السابع ذلك للشعب المقدوني أو الإغريقي أو الروماني -أو جميعًا- في مصر والمشرق حقوقًا، «وطنية.. وسيادية.. وسياسية»؟

وقبل الإسكندر، دخل كثير من بلاد الشرق تحت حكم «قمبيز» (۲۹ - 521 ق. م) الفارسي وفيها بنى المعابد والهياكل والقلاع.

وقبل «قمبيز»،حكم الفراعنة -قرونًا متطاولة- أغلب هذه الأقطار، وأقاموا فيها المعابد، وتركوا فيها الآثار.. فهل يطالب أهل مصر.. أو أهل فارس بالسيادة الوطنية والسياسية على تلك البلاد؟!

وهذا المعبد الذي بناء سليمان -عليه السلام- والذي دمره البابليون مع مملكة يهوذا سنة 585 ق. م هل حقًا ما يدعيه اليهود أن المسجد الأقصى قد بني على أنقاضه؟

إن اللجنة الملكية البريطانية قد حكمت سنة ۱۹۲۹م بأن ما يسميه اليهود «حائط المبكي»، هو «حائط البراق» جزء من المسجد الأقصى، ومعراج رسول الإسلام، ولا علاقة له بهيكل سليمان.

ولقد مضى ثلث قرن على احتلال اليهود للقدس الشرقية.. وتكثيفهم البحث والتنقيب وتقليب باطن الأرض بحثًا عن أي أثر أو دليل علىدعواهم هذه، لكنهم لم يعثروا في كل هذه المنطقة، وطوال هذه السنين، على أدنى أثر لهذا الهيكل المزعوم.

فأين العلاقة بين اليهودية واليهود وبين مدينة القدس؟

ثم.. هل يهودية التلمود.. ويهودية الصهيونية هي يهودية موسى عليه السلام؟

إن أسفار التوراة ذاتها شاهدة على نقض اليهود لشريعة موسى، وعلى استحقاقهم لعنة الله بسبب خروجهم حتى على التوحيد!

كما أن اليهودية المعاصرة -التي تحتل القدس وفلسطين- تعرّف اليهودي بأنه «هو المولود من أم يهودية» فالمعيار فيها «بيولوجي»، وليس دينيًا، وبذلك أصبح «يهود الخرز» و «الأشكنار» الذين لا علاقة -لهم ببني إسرائيل والعبرانيين والساميين هم اليهود- وفق هذا المعيار «البيولوجي» حتى ولو كانوا ملاحدة، أو أبناء زنى!

فأين العلاقة بين اليهودية وبين القدس.. بل وأين العلاقة بين هذه اليهودية «العنصرية - البيولوجية» وبين يهودية شريعة موسوي عليه السلام.

علاقة القدس بالإسلام

هذا هو «المنطق الموضوعي.. المجرد.. بل والبارد»، الذي نفتد به دعوى العلاقة الدينية بين القدس وبين اليهودية واليهود.

وبهذا المنطق نفسه نناقش «الشبهة» التي تثيرها «وثيقة» رابطة الدفاع اليهودية، والتي تشكك بها في قيام علاقة جدية بين القدس وبين الإسلام، ورسول الإسلام، والثقافة الإسلامية.. وذلك عندما تقول: «إن دور القدس في الإسلام يأتي في مرتبة ثالثة بعد مكة والمدينة.. والقدس لیست قبلة المسلمين في الصلاة، ولم تذكر باسمها مرة واحدة في القرآن، ولا تذكر على الإطلاق في صلوات المسلمين، وهي ليست مرتبطة ارتباطاً مباشرًا بالأحداث التي جرت في حياة الرسول ﷺ، ولم تتحول القدس في يوم من الأيام إلى مركز ثقافي إسلامي، أو عاصمة لدولة إسلامية.

وما جاء في آية الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾(سورة الإسراء: 1).

تقول عنه «وثيقة» رابطة الدفاع اليهودية، إنه «مجرد تفسير أموي» لا يعني مدينة القدس، فلم يكن هناك يوم نزلت هذه الآية سنة ٦٢١م - مسجد في القدس اسمه «المسجد الأقصى»، لأن هذا المسجد قد بُني في العهد الأموي. 

تلك هي دعاوى اليهود التي تنفي وجود علاقة بين الإسلام وبين القدس.. وبين الثقافة الإسلامية والدولة الإسلامية وبين القدس.

في الرد على هذه الدعاوى، وتفنيدها.. نقول: إذا كان الحديث النبوي الشريف يجعل القدس ثالث المساجد بعد الحرمين -بعد مكة والمدينة- فإنه يجعلها أولى القبلتين، أي يقدمها -في الترتيب التاريخي- كقبلة للمسلمين على مكة المكرمة والكعبة المشرفة.. لقد صلى إليها رسول الله ﷺ ستة عشر شهرًا، ثم توجه إلى الكعبة بالصلاة قبل وفاته بثماني سنوات.

ثم إن السُنة النبوية قد جعلت القدس على قدم المساواة مع مكة والمدينة في الاختصاص بشد الرحال -أي السفر- للصلاة في مساجدها الجامعة الحرم المكي.. والحرم المدني.. والحرم القدسي.. فهي القدس المقدمة تاريخيًا كقبلة إسلامية لصلاة المسلمين.. وهي المساوية لمكة والمدينة في شد الرحال إليها للصلاة: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام.. والمسجد الأقصى.. ومسجدي هذا». «رواه البخاري ومسلم».

وعبارة «المسجد الأقصى» في آية سورة الإسراء تعني مدينة القدس -كل القدس- ولا تعني «المسجد» بمعنى البناء المعماري «للجامع»، فلم يكن هذا البناء «الجامع» -قائمًا بالقدس سنة ٦٢١ هـ- ليلة الإسراء وكذلك عبارة «المسجد الحرام» في هذه الآية تعني مكة -كل مكة- ولا تقتصر على الكعبة والمسجد الحرام فرسول الله ﷺ عندما أسري به لم يكن ساكنًا ولا نائمًا في المسجد الحرام «الجامع» وإنما كان في مكة، فالإسراء به قد تم من «المسجد الحرام» -أي مكة- إلى «المسجد الأقصى» -أي القدس-.. وفي ذلك دلالة على اعتبار القرآن كل مكة مسجدًا حرامًا -أي حرمًا مكيًا- وكل القدس مسجدًا أقصى -أي حرمًا قدسيًا-.

ويزكي هذه الحقيقة ويشهد لها وعليها وبها أن المسلمين، ومنذ فجر الإسلام، قد عاملوا القدس، كمكة معاملة الحرم الشريف.. ومن مميزات وامتيازات الحرم في الإسلام تنزيهه بتحريم القتال وسفك الدماء فيه.. وعندما فتح المسلمون بقيادة رسول الله ﷺ مكة سنة ٨ هـ، حرصوا على فتحها سلمًا دون قتال، لأن الحرم لا يجوز فيه القتال.. وهم قد صنعوا ذلك مع القدس عندما فتحوها سنة ١٥ هـ - ٦٣٦م.. فلقد حاصروها حتى صالح أهلها على فتحها سلمًا. وتفردت مكة والقدس بذلك دون جميع المدن التي فتحها المسلمون.. وكما تسلّم رسول الله ﷺ يوم الفتح، تفرّدت القدس -دون كل مدن الفتوحات الإسلامية- بأن استلامها كان من اختصاص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وليس من قبل قائد الجيش الفاتح، رغم أن هذا القائد كان هو أمين الأمة الإسلامية أبو عبيدة بن الجراح.

هذا عن مكانة القدس بالنسبة لمكة والمدينة.. وعن ذِكرها في القرآن الكريم. 

أما دعوى أن القدس لا تذكر في صلاة المسلمين، فهي قد تهاوت عندما ثبت أن المراد بــ «المسجد الأقصى» في آية سورة الإسراء -وهي التي يصلي بها المسلمون في صلواتهم على امتداد أقطار الأرض، وأناء الليل وأطراف النهار- هو مدينة القدس الشريف.. كما أن آيات المعراج في سورة النجم (۱۳ - ۱۸) - التي يتعبد بها المسلمون في الصلاة وغير الصلاة، إنما تذكرهمبالمعراج من القدس الشريف. 

وإذا كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدث من مكة إلى القدس.. وإذا كان معراجه قد تم من القدس.. فهل يجوز -بعد ذلك- أن تدّعي «وثيقة» رابطة الدفاع اليهودية أن القدس «ليست مرتبطة ارتباطا مباشرًا بالأحداث التي جرت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم».

إن هذا الإسراء هو إحدى معجزات رسول الإسلام، وارتباط القدس بمكة في هذه المعجزة هو بتعبير القرآن الكريم آية من آيات الله.. كما أن المعراج من القدس، هو الآخر إحدى معجزات الرسول ﷺ.

عقيدة دينية

فكيف يكون؟ وأين يكون الارتباط المباشر بحياة الرسول إذا لم يكن هذا هو الارتباط؟

لكل ذلك، غدت الرابطة بين القدس ومكة عقيدة دينية إسلامية، وآية تُتلى في القرآن، وتُرتل في الصلاة الإسلامية، ومعجزة من معجزات الرسالة الإسلامية.. وواحدة من عقائد الجهاد الإسلامي، تحدث عنها صلاح الدين الأيوبي (٥٣٢ - ٥٨٩ هـ - ۱۱۳۷ - ۱۱۹۳م) في رسالته إلى «ريتشارد قلب الأسد» (۱۱۸۹ - ۱۱۹۹م) -إبان الحروب الصليبية- فقال عن القدس: «من القدس عرج نبينا إلى السماء، وفي القدس تجتمع الملائكة، لا تفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها أبدًا، كما لا يمكن بحال أن نتخلى عن حقوقنا فيها كأمة مسلمة.. ولن يمكّنكم الله أن تشيدوا حجرًا واحدًا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد».

أما الزعم بأن القدس «لم تتحول في يوم من الأيام إلى مركز ثقافي إسلامي»، فيفندها ويدحضها مكانة القدس في الثقافة الإسلامية عبر أكثر من أربعة عشر قرنًا متواصلة.

فالمسلمون هم الذين أطلقوا على هذه المدينة اسم: القدس.. وبيت المقدس.. والحرم القدسي.. والقدس الشريف -فجعلوا من القداسة اسمًا لها، وعنوانًا عليها، يعبر عن قداستها ومكانتها المقدسة في الثقافة الإسلامية والعقل الإسلامي والوجدان الديني الإسلامي.

وكما «جاور» العلماء والزهاد والعباد والمجاهدون وطلاب العلم في الحرم المكي والحرم المدني، ظلوا عبر تاريخ الإسلام «يجاورون» في المسجد الأقصى.

وحجم الأشعار التي نظمها شعراء الإسلام في الحرم القدسي يبلغ المجلدات في ديوان الأدب الإسلامي، فلقد كانت دائمًا -عندهم- رمز الصراع بين الحق والباطل، ومفتاح الانتصارات، ورمز الاستقلال والتحرر من موجات الغزو والغزاة، 

وهيُجْتَ للبيت المقدّس لوعةً

                                      يطول بهَا مِنْهُ إِلَيْك التَشوّق

هُوَ الْبَيْت إِن تفتحه وَالله فَاعل

                                     فَمَا بعده بَاب من الشام مغلق

وذلك فضلًا عن مئات المخطوطات التي كتبت في مناقب وفضائل هذا الحرم القدسي الشريف.

أما أن هذه المدينة -القدس- «لم تكن في يوم من الأيام عاصمة لدولة إسلامية» كما تقول «وثيقة» رابطة الدفاع اليهودية -فهي دعوى- ككل الدعاوى التي فندناها لا حظّ لها من المنطق الذي يقيم دليلًا على المقاصد التي يريدها اليهود.

فالدولة الإسلامية منذ ظهور الإسلام، وحتى إلغاء الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤م كانت دولة خلافة جامعة، اختصت بمركز العاصمة فيها مدن معدودة، لا تتجاوز الست هي: المدينة، والكوفة، ودمشق، وبغداد، والقاهرة، والأستانة -فهل يعني ذلك أن كل مدن الإسلام- التي تُعد بالآلاف في عالم الإسلام، من «غانة» غربًا - إلى «فرغانة» شرقًا - ومن حوض نهر الفولجا -شمالًا- إلىجنوب خط الاستواء.. هل يعني ذلك أن كل هذه المدن ليست إسلامية ولا أهمية لها في حياة الإسلام والمسلمين، أو لا حق فيها للمسلمين؟ 

ومع هذه المكانة للقدس، في القرآن الكريم.. وفي معجزات رسول الإسلام.. وبين المدن الإسلامية الثلاث، التي تميزّت بالحرمة، فقدت حرمًا آمنًا ومقدسًا في وجدان المسلمين وحياتهم العلمية والفكرية والثقافية والأدبية والروحية، فلقد تميّزت السيادة الإسلامية على القدس، عبر تاريخها الإسلامي، بمزيّة تفرّدت بها القدس الإسلامية عن حياة هذه المدينة إبان اغتصابها من قِبَل الآخرين.. ففي الحقب التي انحسرت فيها السيادة الإسلامية والعربية عن القدس، تم احتكارها من قبل الغاصبين، بينما تميزت السيادة الإسلامية عليها بإشاعة قدسيتها بين كل أصحاب المقدسات من مختلف المذاهب والديانات.. حتّى غدت هذه الحقيقة قانونًا في تاريخ هذه المدينة المقدسة لم يعرف التخلف أو الاستثناء.

لقدْأحتكرها الرومان -في عهد وثنيتهم- دون النصارى واليهود.. فلما تدينت الدولة الرومانية بالنصرانية، احتكرت القدس دون اليهود، بل ودون المذاهب النصرانية التي لا يرضى عنها الرومان! وعندما أغتصبها الصليبيون الفرنجة، احتكروها دون المسلمين واليهود.. واليوم، يصنع الصهاينة هذا الاحتكار للقدس بالتهويد، وبتهديد المقدساتغير اليهودية، وتقليص الوجود العربي -الإسلامي والمسيحي- في هذه المدينة. 

على حين سجل التاريخ الإسلامي للقدس، أن المسلمين هم الذين سمحوا لليهود بالعيش فيها، والتعبد بها، بعد أن كان أهلها النصارى -إيان الفتح الإسلامي لها- يطلبون ألا يسكن فيها أحد من اليهود ولا من اللصوص!

المسلمون وحدهم

وفي عهدها الإسلامي، أشاع المسلمون قداستها، وقدسيتها لكل أصحاب المقدسات، على اختلاف المذاهب وتعدد الديانات.. لا لمجرد «التسامح»، وإنما لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يكتمل الإيمان به إلا بالإيمان بكل النبوات والشرائع والرسالات.. فالمسلمون وحدهم -بحكم عقيدتهم الدينية- هم الذين يعترفون بالآخرين، ويؤمنون بقدسية وحرمة مقدسات هؤلاء الآخرين، ومن ثمّ فإنهم وحدهم -بحكم هذه العقيدة، التي صدّقت عليها الممارسات التاريخية- المؤتمنون على كل مقدسات هذا المسجد الأقصى الشريف، فإسلامية السيادة على هذه المدينة، ليست مصلحة إسلامية خاصة، ولا امتيازًا فلسطينيًا، ولا مزية قومية عربية.. وإنما هي -أولًا وقبل كل شيء- الضمان لبقاء القدس حرمًا أمنًا لكل الذين يعبدون الله. 

تلك هي حقيقة قضية القدس.. وعلاقتها ومكانتها بين اليهودية والإسلام.

وبمثل هذا المنطق يجب أن يكون الحوار مع الآخرين.. والتفنيد الدعاوي الخصوم.. فيه نقنع المحاورين ونزداد يقينًا بحقنا المشروع في القدس الشريف.. ونسحب البساط من تحت أقدام الخصوم، ويكون حوارنا مع العالم حوار العلم، بمنطق العلماء.

 

الرابط المختصر :