العنوان القدس في ذكرى الإسراء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1380
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 14-ديسمبر-1999
يحتفل العالم العربي والإسلامي في كل عام بذكرى الإسراء والمعراج، ويردد الخطباء والكتاب ما قالوه خلال نصف قرن من الزمان بالنسبة إلى قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك، الذي يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني، في الوقت الذي لا تتوقف فيه الإجراءات التعسفية الهادفة إلى استكمال تهويد الأرض والسكان
وقد أصبحت الأخطار التي كنا نحذر من وقوعها حقيقة ملموسة وماثلة للعيان، لا يزيلها ولا يوقف استمرارها إلا عمل عربي وإسلامي موحد وخصوصًا أن هذه السنة ستجرى فيها المفاوضات النهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإذا حُرم الجانب الفلسطيني من الدعم السياسي العربي والإسلامي فإن نتيجة المفاوضات ستكون محسومة من الآن حسب واحد من السيناريوهات العديدة التي روجت لها السلطات الإسرائيلية.
وهذا الإذعان مرفوض دينيًا وسياسيًا وحضاريًّا، لأن القدس بها الأقصى أولى القبلتين وثالث المسجدين، وأرض الإسراء والمعراج أمانة في عنق حكام الدول العربية والإسلامية، وليست مسؤولية السلطة الفلسطينية منفردة، ولذلك فالدعوة قائمة لحكام العرب والمسلمين كي يجمدوا خلافاتهم الثانوية ويوحدوا كلمتهم بشأن قضية القدس، وإذا كانت القدس غير قادرة على توحيد كلمتهم فما الذي يستطيع ذلك يا ترى؟ إن ضياع القدس يعني هدم ركن أساسي من
أركان الكيان الإسلامي والحضارة الإسلامية في هذا العصر، وسيتبعه تفكيك باقي أعمدة ذلك الكيان لا سمح الله، وسينتج عن ذلك تهميش كامل للوجود العربي والإسلامي، فهل هذا ما ينتظره حكام العرب والمسلمين، إن أعتى قوة في العالم لا تستطيع أن تقف أمام وحدة العرب والمسلمين، إذا كانت حقيقة تهدف إلى إرضاء الله والعمل بمنهج نبيه الان الله يقول ﴿ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7 ).
والذين لا يعرفون ما يجري في القدس والمسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام فإنني أوجز لهم ذلك فيما يلي:
1- منذ إقرار الكنيست الإسرائيلي بتاريخ ۱۹۸۰ قانون توحيد مدينة القدس واعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل، فإن جميع رؤساء الوزارات الإسرائيلية التزموا بهذا القانون ويتصرفون بموجبه، ولا يمكن لأي مفاوضات بشأن القدس أن تنجح طالما يقي هذا القانون ساري المفعول.
ويدعي الإسرائيليون أنهم يؤمنون حرية العبادة في القدس للجميع، وهذا ادعاء باطل لأنهم يحاصرون القدس ويمنعون المصلين الذين يحضرون من جميع أنحاء فلسطين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك وخصوصًا في أيام الجمعة والأعياد الرسمية والإسلامية.
ويسود المعاملة الإسرائيلية الكبرياء والترفع وقسوة القلوب، والعداوة الظاهرة والتعصب الشديد والكذب.
2- أن الحفريات السطحية والأنفاق في داخل القدس وحول المسجد الأقصى المبارك وفي سلوان مازالت مستمرة، وتشكل تهديدًا خطيرًا للأبنية الإسلامية الدينية والتاريخية وخصوصًا حول الأقصى، وحجة السلطات الإسرائيلية هي التفتيش عن آثار الهيكل والوجود اليهودي رغم أن جميع ما اكتشف يؤكد أن هذه الآثار عربية يبوسية أو إسلامية أو أموية وأيوبية، بشهادة بعض علماء الآثار الإسرائيليين مثل: جدعون أفنى، وروني رايخ وياتير زاكويتش وساجيف و فلنكشتاين، وقال بعضهم: إن الآثار المكتشفة حديثًا في سلوان هي من زمن اليبوسيين وترجع إلى العصر البرونزي الوسيط أي ١٨٠٠ سنة قبل الميلاد، وقالوا: إن داود - عليه السلام لم يبن مدينة بل وجد مدينة قائمة، وكانت ضعف مساحة سلوان الحالية.
3- أن عملية مصادرة العقارات الإسلامية في القدس القديمة ضمن الأسوار الحجرية التاريخية مازالت مستمرة، وقد زاد العدد المصادر على مائة عقار، بالإضافة إلى المستوطنة التي أنشأتها البلدية الإسرائيلية في حارة الشرف العربية حيث كان يستأجر بعض اليهود بيوتهم قبل عام ١٩٤٨م، ويسمونها اليوم بحارة اليهود، وعليه فإن عملية تهويد القدس القديمة العربية تسير بالتدريج حتى يصبح هذا الأمر واقعًا ملموسًا، وبعد ذلك يصبح هدفهم المسجد الأقصى الذي وضعوا مخططات لإزالته وإنشاء الهيكل المزعوم مكانه، وقد نشرت الجمعيات اليهودية المتطرفة صورًا لما سيكون عليه الوضع في القدس القديمة خلت من المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة وباقي الأبنية الإسلامية وحل مكانها الهيكل وأبنية يهودية مختلفة.
4- في عام ١٩١٨م كانت الملكية العقارية اليهودية في القدس ٤.٣ من مجموع مساحة القدس بموجب سجلات حكومة الانتداب البريطاني، وعند قيام دولة إسرائيل في سنة ١٩٤٨م كان اليهود يمتلكون ٤% فقط من عقارات البلدة القديمة في القدس و ١٤٪ فقط من أراضي الجزء الغربي من القدس، وبعد احتلال جميع مدينة القدس في سنة ١٩٦٧م اعتبرت السلطات الإسرائيلية نفسها مالكة لجميع الأرض استنادًا إلى الشعار الباطل أرض إسرائيل، وأنشأت المستوطنات على المرتفعات حتى لو كانت الأرض وقفًا إسلاميًّا، واعتبرت حكم أراضي الوقف كحكم الأراضي الأميرية ملكاً للدولة، وقد بلغ عدد المستوطنات في منطقة القدس ثلاثين مستوطنة، وطبقت السلطات الإسرائيلية في إنشاء هذه المستوطنات أساليب عسكرية للدفاع. واختارت المرتفعات بهدف الإشراف بسهولة على ما حولها وربطتها بشبكات طرق ومياه وكهرباء وسلحت القاطنين فيها، وتسمع بعد ذلك من بعض العرب من يطالب بتفكيك هذه المستوطنات المبنية من الخرسانة المسلحة والحجر وبعدة طوابق، ومازالت عملية البناء مستمرة.
5- أن إجلاء السكان العرب عن القدس من أخطر أساليب التهويد، وقد بدأت هذه السياسة منذ احتلال ١٩٦٧م مباشرة حيث قدمت حارة المغاربة وصودرت بعض العقارات في حي السلسلة، وتم تهجير حوالي ۷۰۰۰ مسلم من البلدة القديمة، وترفض البلدية الإسرائيلية منح أي رخص بناء للعرب في البلدة القديمة وتمنعهم من ترميم مساكنهم فيضطر المقبلون على الزواج إلى السكن خارج القدس، ويبلغ عدد السكان العرب في القدس حاليًا ٢٠٠ ألف بينما بلغ عدد السكان اليهود ٤٥٠ الفأ منهم ١٦٠ ألفًا في الجزء الشرقي، علمًا بأن هذا الجزء كان خاليًا من اليهود قبل احتلال ١٩٦٧م.
٦ - بتاريخ ١٨ / ١ / ۱۹۸۹ م تم توقيع اتفاقية بين الحكومة الأمريكية وإسرائيل لشراء أرض في تل أبيب واستئجار أرض أخرى في القدس من أجل إنشاء أبنية دبلوماسية عليها، وتنص المادة
رقم (9) من الاتفاقية على أن الأبنية الدبلوماسية على أرض القدس ستكون جاهزة للاستعمال الكامل في شهر يوليو من عام ١٩٩٦م، وهذا خاضع لترتيبات الكونجرس الأمريكي، كما أن أرض القدس مستأجرة لمدة ٩٩ عاماً مقابل دولار واحد في السنة قابلة للتمديد، وهي أرض وقف محمد الخليلي ومساحتها ٣١٢٥٠ مترًا مربعًا أوقفها صاحبها سنة ١١٣٩ هجرية أي قبل ۲۸۱ عامًا، ومعروف أن أرض الوقف لا يجوز استعمالها إلا لما أوقفت من أجله.
ورغم استنكار وشجب العالم العربي والإسلامي لعملية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس فإن الولايات المتحدة وإسرائيل مصرتان على تنفيذ هذا الهدف الذي تعتبره الدول العربية والإسلامية عملًا عدائيًا وتتخوف من أن تحذو الدول الأوروبية حذو الولايات المتحدة وتنقل سفاراتها بالتالي إلى القدس، وستعد إسرائيل ذلك اعترافًا رسميًا منهم بأن القدس عاصمة لها إن بقاء إسرائيل في هذه المنطقة في ظل سیاستها المستبدة والمتعسفة والمتعجرفة مرتبط بمصلحة أمريكا الاقتصادية، والمصالح ليست أمرًا ثابتًا ومستمرًّا، وسريعًا ما تزول وتنتهي بزوال أسبابها، وعندها لن تجد إسرائيل من یساندها ضد الأمة العربية التي يبلغ تعدادها ربع مليار نسمة، والأمة الإسلامية التي يبلغ تعدادها مليارًا وربع المليار، مقابل خمسة عشر مليونًا من اليهود موزعين على أنحاء العالم، ولو تعي إسرائيل هذه الحقيقة الآن لغيرت من سیاستها العدوانية المتسلطة، ولكن طمس الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.
أما دور الحكومات والشعوب العربية أمام ما يحاك ضدهم من مؤامرات صهيونية، فهو عدم الرضوخ لما يسمى بالأمر الواقع، لأن هذا الواقع متغير، وهو الخيط الدقيق الذي يفصل بين الماضي والمستقبل، والتغيير هو سنة الله في هذا الكون، وقد جاء في القرآن الكريم ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة ٢٥١)؛ لذلك لابد من وقوع التغيير لإزالة هذا الفساد الصهيوني كما زال في السابق فساد أمم وثنية عديدة ذكرها التاريخ، ولكن لا يكفي القول إننا نتوكل على الله دون عمل وجهد، فعلى المؤسسات العامة والخاصة الاستمرار بالتوعية ضد الأباطيل الصهيونية، والممارسات الإسرائيلية العدوانية من خلال المؤتمرات والندوات والإعلام بجميع قنواته، حتى تبقى القضية الفلسطينية وعلى رأسها قضية القدس حية في نفوس الأمة وضمائرها ترثها الأجيال، حتى يأتي الوقت المناسب لتحرير الأرض المباركة .