العنوان القدس: قاعدة التوحيد ورمز الجهاد
الكاتب محمد البنعيادي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1428
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
القدس ستظل عنوانًا على قوة الأمة وميزانًا لكرامتها
القدس في وعيّ المسلم وذاكرته هي أرض الأنبياء ومهبط الرسالات وميدان البطولات والأمجاد الإسلامية منذ إبراهيم الخليل عليه السلام إلى محمد
التجزئة السياسية في بلاد المسلمين حولت ميزان القوى لصالح أعداء الأمة.. والوحدة مدخل أساسي للحل
جاءت انتفاضة الأقصى الأخيرة لتؤكد حقيقة أبدية مفادها أن القدس الشريف سيظل رمزًا تهون دونه كل التضحيات وتذوب حوله كل الخلافات داخل الأمة رمزًا تجتمع حوله القلوب ويأتي هذا المقال ليؤكد على رمزية القدس ومكانته الروحية والسياسية بالنسبة للمسلمين سواء عبر التاريخ الإسلامي أم الحاضر أم المستقبل.
مهد التواصل بين الرسالات: لقد علت القدس حاضرة بصفتها الدينية المقدسة في الوعي الإسلامي من خلال حركة الأنبياء الذين عاشوا فيها أو هاجروا إليها وتحركوا فيها، وكانت حركتهم تعتد وتتسع بامتداد واتساع المواقع الرسالية التي كانوا يرتادونها:
نلتقي بالقدس بعد خروج موسي –عليه السلام– من مصر في رحتله إلى القدس لينطلق في حركته الدعوية خلال هذه الأرض المقدسة.
يقول تعالي: ﴿وَإِذ قُلنَا ٱدخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلقَريَةَ فَكُلُواْ مِنهَا حَيثُ شِئتُم رَغَدا وَٱدخُلُواْ ٱلبَابَ سُجَّدا وَقُولُواْ حِطَّة نَّغفِر لَكُم خَطَٰيَٰكُم وَسَنَزِيدُ ٱلمُحسِنِينَ﴾ (البقرة : ٥٨).
ونلتقي بالقدس في قصتي مريم والإسراء. إن القدس –باختصار مختزنة في الذاكرة الإسلامية لموقع من مواقع العبادة يلتقي فيها السمو الروحي الرسالي بالوعي الإيماني التاريخي.
إن الحديث عن القدس يستوجب الجواب عن السؤال التالي: هل القضية تاريخ نبحث فيه عن ذاتنا وموقعنا؟
ثم هل نبحث في تاريخ القدس وموقعها المتجمد في أرضها، ولتتحول في وعينا إلى صنم نقدسه؟
إن وعينا بقضية القدس في الحقيقة هو نقطة انطلاق حركية الرسالة الإسلامية عبر الماضي في إيحاءاته الروحية والفكرية وما يبقى منها من عبر وعظات وحقائق خالدة وعبر الحاضر والمستقبل في وعي المسلم بمسؤولياته الرسالية والتاريخية تجاه القدس الشريف إن الوعي الحقيقي هذا انطلاق في اتجاه يتداخل فيه الإنسان بالوحي وبالأرض في خط الحركة والتواصل والتفاعل بين الجغرافيا والهوية الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
ويعني ذلك بعبارة أخرى: أن القدس في وعي المسلم وذاكرته وإحساسه تمثل موقعًا للرسالات انطلقت منه أو تحركت فيه جل الرسالات والدعوات، وارتبطت بمسألة العقيدة والثقافة وتمثل كذلك ملتقى الرسل الذين عاشوا قصة النصر بعد المعاناة، والمدافعة في ساحات الكفر والاستكبار الأمر الذي جعل هذه الأرض المقدسة والمدينة المقدسة (1) دائمة الحياة وحاملة لأمجاد التاريخ الإسلامي العام منذ إبراهيم الخليل –عليه السلام– إلى محمد r.
وتجدر الإشارة في هذا المقام، مقام حركة دعوات الرسل في القدس، إلى أنه إذا كان لليهودية بعض تاريخ في القدس حين وجدت مع حركة موسى عليه السلام التحررية وإذا كان للنصرانية بعض التاريخ في القدس كذلك، فذلك لا يعني أن الطابع اليهودي أو النصراني هو طابع القدس، ولا يعني كذلك أن تتحول الصليبية واليهودية العالميتين إلى حالة عدوانية شرسة نظرة المسلمين من القدس وتشرد الشعب الفلسطيني في المقابل نلاحظ أن الإسلام والمسلمين انفتحوا على أهل الكتاب عبر الحوار والجمال بالتي هي أحسن والكلمة السواء والعيش المشترك مما سمح لليهود والنصارى بالحركة داخل الدولة الإسلامية في عملية تواصلية تتفاعل مع المجتمع المسلم في دوائره الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، داخل دائرة ما يسمى في الإسلام نظام الذمة الذي يمثل أرقى مستوى حضاري في حماية الأقليات ورعايتها عبر التاريخ ولعل الوثيقة العمرية الخاصة بالقدر خير مثال على ما نقول.
حضور القدس في حركة الدعوة والتغيير
تشكل القدس حضورًا دائمًا في سيرورة تاريخ الرسالات –كما قلنا– فهي تأتي بعد مكة المكرمة المحور التوحيدي: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكا وَهُدى لِّلعَٰلَمِينَ﴾ (آل عمران أية ٩٦)، ومع ذلك فالقدس من منظور تاريخ حركة الأنبياء الدعوية التغييرية تسجل ذلك الحضور الرسالي الراجح على مكة ثاني القبلتين وأول الحرمين حيث سجلت القدس حركة الكبر عدد من الأنبياء مقارنة مع مكة، وهذا ما يترجمه العدد الكبير لأضرحة الأنبياء عليهم السلام مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وهذا الحشد من الأنبياء الدعاة إلى الله عز وجل أضفى على فلسطين عامة والقدس خاصة صبغة العنوان: الرمز لمسيرة الدعوات التوحيدية التحريرية والتحررية وهذا كفيل بأن يجعلها تبرر كمركز مصوري للتواصل بين المسيرة الدعوية للأنبياء والرسل عبر حقب متباعدة لكن ضمن حلقات المترابطة يقول تعالى: ﴿وَإِذ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّينَ لَمَآ ءَاتَيتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُم رَسُول مُّصَدِّق لِّمَا مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقرَرتُم وَأَخَذتُم عَلَىٰ ذَٰلِكُم إِصري قَالُوٓاْ أَقرَرنَا قَالَ فَٱشهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ (آل عمران : ٨١) إنها الأرض المباركة التي تختصر معاناة حركة الأنبياء والصالحين عبر التاريخ الرسالي مما جعلها المدينة الأولى في العالم كقاعدة للتوحيد، وكانت هذه المكانة التي احتلها القدس سببًا في استهدافها على من الأيام الأزمان فقد حوصرت مرارًا أو هدمت أحيانًا وهجرت وأعيد بناؤها ١٨ مرة حسب المؤرخين.
إن الإسراء والمعراج بالرسول rإليها كان بمثابة إعلان الالتحاق بهذه العاصمة الروحية والتواصل مع مخزونها الروحي وتراثها العقدي الضخم قال تعالى: ﴿سُبحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسرَىٰ بِعَبدِهِۦ لَيلا مِّنَ ٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ إِلَى ٱلمَسجِدِ ٱلأَقصَا ٱلَّذِي بَٰرَكنَا حَولَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِن ءَايَٰتِنَا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ﴾ (الإسراء أية ١)، إنه لفت الانتباه إلى وحدة جذور بركة الأنبياء ودعواتهم التوحيدية دعوات إبراهيم ولوط ويعقوب وإسحاق وموسى وعيسى وهارون وداود وزكريا ويحيى عليهم الصلاة السلام وأخيرًا محمد كلمة الذي كان الإسراء به اختيار المسجد الأقصى قبلة للمسلمين قبل تحويلها التحاقًا رمزيًا بقاعدة التوحيد.
إنها المعاني الكبيرة والأفاق الواسعة التي رسمتها حادثة الإسراء للخروج بالدعوة الإسلامية المحاصرة في مكة والتي خرجت منهكة من الحصار بشعاب مكة و «محبطة» من رحلة الطائف على مستوى الزمان والمكان فالدعوة ليست وقفًا على زمن معين أو جميل بذاته أو أي مكان إنها قضية الإنسان حيثما كان وإلى أي جنس انتمى..
إنها بدأت في مكة مركز النبوة الأولى وانطلقت إلى القدس أرض النبوات لم شملت العالم.
ففي مرحلة الإعداد الروحي العقدي – المرحلة الملكية– للمسلمين كان التوجه إلى بيت المقدس جسد الانخراط الروحي والتواصل العقدي مع الإرث والمخزون التوحيدي الذي تراكم من خلال حركة الأنبياء عليهم السلام التي تمحورت حول القدس وقبة الصخرة (٢).
وعلى الرغم من أن الإسراء معجزة تحمل أكثر من مغري لعل أهمها الربط بين المسجد الحرام المسجد الأقصى وإمامة الأنبياء حيث انتهت رسالاتهم إلى الإسلام: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ ٱلإِسلَٰمِ دِينا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي ٱلأٓخِرَةِ مِنَ ٱلخَٰسِرِينَ﴾ (آل عمران :٨٥)، وأن المؤمن بالإسلام مؤمن بشكل طبيعي بالأديان السابقة كلها.
وما تحويل القبلة من القدس إلى مكة –مع بداية المرحلة المدنية– إلا تعبير عن خصوصية التشريع الإسلامي المرتكز على قاعدة توحيدية مشتركة بين سائر الديانات السماوية والدعوات النبوية.
إن اتساع حركة الدعوة في صدر الإسلام لم يحصل إلا بعد تماسك محور القدس – مكة الذي أرسى دعائمة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه– ولقد انعكس تراجع الفتوحات والحركة الدعوية سلبيًا على هذا المحور؛ حيث سقطت القدس في يد الصليبيين، ثم كان استرجاعها إعلانًا وإيذانًا باستئناف الفتوحات انتهى بطرق أبواب «فيينا» ثم يعود نابليون ليهدد القدس عندما خبت الهمة الدعوية لتسقط بعد نحو قرن ونصف في يد الصليبيين وعلى رأسهم إنجلترا التي اصطنعت كيانًا يهوديًا صهيونيًا غريبًا في المنطقة سنة ١٩١٧م «وعد بلفور المشؤوم» ما زلنا نتجرع مرارة تهويده للأراضي المقدسة وطير هويتها «مازالت فصوله تتواصل إلى يومنا هذا» وذلك حين خطت الصهيونية خطوتها العدوانية في حرب يونيو ١٩٦٧م، واحتلت القدس التاريخية ضمن ما احتلت، –وما تزال– من الأراضي العربية.. وأعلنت «توحيد القدس» أي ضم القدس الشرقية –وهي المدينة العربية التاريخية– إلى أورشليم الجديدة، وإدخالها في مخطط تهويد معلوم مرسوم (۳).
القدس والتوازن الإقليمي
لقد على القدس –من الناحية التاريخية– مؤشرًا لتحديد ميزان القوى العسكرية والسياسية:
فانتصار المسلمين على الروم في معركة اليرموك كان بداية مرحلة جديدة بالنسبة للقدس؛ حيث مال ميزان القوى لصالح المسلمين وسمح ذلك باستمرار إمساك المسلمين بناصية القدس لقرون عدة وكان ذلك دليلًا على استمرار قوة المسلمين في مواجهة القوى الإقليمية.
ولقد حولت التجربة السياسية المسلمين من دور الفاعل إلى دور المفعول به المنصوب فوق خريطة الكيانات المصطنعة المكرسة للضعف والانهزام، أي من وظيفة الهجوم والفتوحات إلى الدفاع من أجل الحفاظ على المكتسبات وخاصة في أواخر الدولة العباسية وفي الأندلس أيام الوهن والتجربة والضياع حيث وقع اختلال كبير في ميزان التوازنات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية لصالح أعداء الإسلام والمسلمين ترجمه الغزو الصليبي المنظم على العالم الإسلامي بما فيه القدس لمدة قرنين من الزمن كانت نتيجتها الهزيمة والسقوط إلى أن جاء صلاح الدين الأيوبي ليصلح الوضع التوازني في المنطقة من خلال معركة حطين سنة ١١٨٧م، والتي توجت بدخول القدس ثم جاءت حركة المماليك العسكرية بزعامة قلاوون سنة ١٢٨٩م لتدشين مرحلة جديدة توجت بهزيمة الصليبيين نهائيًا، وظلت القدس محررة القرون عديدة عاكسة بذلك القوة الإقليمية الأولى للمسلمين إلى أن جاء نابليون في القرن ۱۹ محاولًا إحداث خلل جديد في التوازنات الحاصلة في المنطقة العربية إلا أن محاولته باءت. بالفشل ومع نهاية القرن 19 وبداية القرن ٢٠، وقعت أحداث مكنت العرب الصليبي من إحداث. ارتباك خطير في ميزان القوة ولكن لصالح الصليبيين هذه المرة (٤)، وكان أكثر ما ميز هذه الأحداث هو استهداف القدس لكن بشكل أكثر مكرًا ودها، ترجمته الهجرة اليهودية تحت الحماية والرعاية العربية، وكان وقوف السلطان عبد الحميد الثاني في وجه هذه الهجرات الأولى بداية لسقوط الدولة العثمانية بسبب كيد اليهود، ومساندة «الثورة العربية» المزعومة للغرب التي سرعت عملية هذا السقوط مما جعل العالم الإسلامي عاجزًا عن مقاومة وعد بلفور المشؤوم وسقوط الخلافة العثمانية نهائيًا سنة ١٩٢٤م وقيام الدولة العلمانية الحديثة على يد مصطفى كمال.
ويجدر التنبيه في هذا المقام إلى أن المسالة أكثر من الحروب والصراعات إن المسكة تتلخص في أن بقاء الكيان الصهيوني واستمراره مؤشر على بقاء القدس سليمة، وفي ذلك دلالة على سقوط الأمة العام الذي يحاول المهرولون تسميته بالصلح أو مسلسل السلام رافعين شعار إشاعة ثقافة السلم بدل ثقافة الحرب التي يراد لها أن تحكم المنطقة في ظل ميزان راجح لصالح اليهود ولقد على القادة المسلمون يرفعون عقائرهم للاحتجاج معلقين أملهم على بعض الأساطير المسماة «الأمم المتحدة» أو «الضمير العالمي» (٥).
مقابل هذه الصورة القائمة يأتي موقف الخطاب الإسلامي بمختلف فصائله والوانه وتوجهاته ليؤكد على مركزية القضية الفلسطينية ومركزية القدس في هذه المركزية والخطاب الإسلامي يرسم –بذلك– محورًا أخر غير المحور العلماني القومي، محورًا يوحي بالعزم على بناء التوازن السياسي والعقدي المستقبلي وردة إلى سالف عهده في فترات الازدهار الإسلامي عكست انتفاضة الأقصى الأخيرة المباركة.
إن الإسلام أخيرًا، هو وحده القادر على حسم الصراع الدائر في المنطقة إن عاجلًا أجلًا، وذلك يجعل القدس هما حاضرًا في الوجدان الإسلامي العام في المرحلة المقبلة، وإفهام الأمة أن القدس مستقل عنوانها في قولها، وضعفها، في صحوتها وغيبوبتها، في تقدمها وتأخرها.
الهوامش:
د. حسن ظاظا: القدس، ص 10، منشورات مجلة الفيصل، والدكتور ظاظا مختص في الدراسات العبرية.
عم عبيد حسنة: حتى يتحقق الشهود الحضاري، ص 212.
المصدر نفسه، ص 218.
د. حسن ظاظا، مرجع سابق، ص10.
مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص101.