العنوان القدس ومكانتها الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1976
مشاهدات 55
نشر في العدد 286
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 10-فبراير-1976
للقدس مكانة خاصة في قلوب المسلمين، وإليها تتجه أنظار العالم أجمع.. ولم تنشأ مكانتها هذه من عاطفة تاريخية ولا أمجاد يملا ذكرها القلب فخرًا بها وحسرة على ضياعها، فحسب.. بل هي المكانة المقدسة التي حباها الله -عز وجل- بها.. ولم تتجه أنظار العالم إليها لولا مكانتها هذه في نفوس المسلمين، ولولا الطمع في السيطرة على مكان تخفق له قلوب المؤمنين وتجتمع حوله كلمتهم ويرتبط به تاريخ الديانات السماوية.
ولا يهدف الحديث حول مكانة القدس الإسلامية إلى إثبات انتمائها الأصيل إلى ديار الإسلام والمسلمين إثباتًا جديدًا، فذلك ما لا يحتاج من أجله المنصف إلى إثبات ولا يفيد فيه مع الجاحد إقناع ولا منطق والعالم لا يرى في هذا العصر إلا بمنظار الأحداث ولا يستمع إلا لمن يؤثر في مجراها.. إنما يهدف الحديث حول المكانة الإسلامية القدس إلى تذكير الطلائع الإسلامية بالمسؤولية المضاعفة التي يضعها على عاتقها بيت المقدس والدور العظيم الذي أراد الله لها الاضطلاع به لرفع راية الإسلام عالية ثابتة الأركان فوقه بعد ضياعه من أيدي الجيل الذي سبقها.
مقدمة تاريخية:
تبدأ كتابة تاريخ القدس وفلسطين عامة بهجرة الكنعانيين- وهم قبائل عربية سامية- من شبه الجزيرة العربية إليها قبل ميلاد المسيح- عليه السلام- بثلاثة آلاف سنة «1»، وقد سكنت بعض قبائلهم بيت المقدس التي أطلقوا عليها اسم «يورشاليم» وأصبحت آنذاك مركز عبادة للكنعانيين. والراجح أن الاسم مركب من كلمتين: «یور» و «شاليم» ومعنى الأولى تأسيس أو مدينة والثانية اسم إله عبده الكنعانيون «2».
وأقام بعد الكنعانيين في القدس العديد من الأجناس من الساميين وغيرهم، وكان اليبوسيون آخر بطون القبائل الكنعانية التي سكنت فيها. وقد أطلقوا عليها اسم «يبوس» وظلوا فيها حتى فتحها اليهود على يد داوود- عليه السلام- في القرن الحادي عشر قبل الميلاد «3».
وقد حرف العبرانيون الاسم الكنعاني أو«عبرنوه» حيث ينطقونه «يروشالايم» ولكن الاسم الشائع لها في العهد القديم هو«أورشلیم».
وتقدر الفترات التي استقرت فيها اليهود ببيت المقدس وفلسطين عامة بـ 418 سنة كان أبرزها في عهد داوود وسليمان عليهما السلام إذ دام حكمهما نحو ثمانين سنة «4».
وذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» حول بناء بيت المقدس أن داود- عليه السلام- جهز كل شيء لبناء الهيكل أما الذي أقامه فهو سليمان عليه السلام، وذكر أيضًا: «قيل: أن سليمان هو الذي ابتدأ بعمارة البيت، وكان داوود أراد أن يبنيه فأوحى الله إليه أن هذا بيت مقدس، وأنك قد صبغت يدك في الدماء فلست ببانيه، ولكن ابنك سليمان يبنيه لسلامته من الدماء. ولعل هذا النص- إن صح- يبين أصل تسمية بيت المقدس بهذا الاسم.
وقد خرب بيت المقدس في التاريخ القديم على أيدي البابليين والمكدونيين والرومان ففي سنة 586 ق. م دمره نبوخذ نصر«5» ملك بابل وجنوده وقيل عنه إنه أسال دم بني إسرائيل أنهارًا في المدينة المقدسة وقسمهم إلى ثلاث فرق فقتل ثلثًا وأقر بالشام ثلثًا وسبى الثلث الأخير «6».
وفي عام 538 ق. م سمح الملك «كورش» الفارسي بعودة اليهود إلى ديارهم وإعادة بناء معبدهم في أورشليم، وعاد آنذاك بعضهم ولكن غالبيتهم الساحقة فضلت البقاء في المنفى «7».
وفي سنة 170 ق. م دمر الهيكل «أنطونيوس» ملك المكدونيين، ثم دمره «تيطوس» الروماني عام 70 م وكان الدمار الشامل والأخير على يد الإمبراطور الروماني «هدريانوس» سنة 135 م إذ دمر المدينة عن آخرها ولم يبق من الهيكل حجرًا على حجر وحرث أرضها وأمر بقتل اليهود واستئصال جنسهم وبأن تسمى باسم «إيليا» وهو مشتق من اسم الإمبراطور نفسه «8»، ومنذ ذلك الحين لم يعد لبني إسرائيل وجود في القدس وفلسطين بشكل عام إلا بصورة فردية ومشتتة وظلت القدس في قبضة الرومان حتى فتحها المسلمون في السنة الخامسة عشرة للهجرة.
مكانة القدس الإسلامية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:
قال الله -سبحانه وتعالى- في مستهل سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1) لقد أطلقت هذه الآية الكريمة على تلك البقعة المباركة في القدس اسم «المسجد الأقصى» لأنها في مكان«قصي» بالنسبة إلى المسجد الحرام.
وسماها الله -عز وجل- مسجدًا على غير المألوف آنئذ لأن المسجد هو أفضل الأماكن عند المسلمين ولا يقبلون عندما يكون الإسلام وحده المسير لحياتهم- أن يكون لغيرهم سيطرة عليه ويبذلون أنفسهم رخصة في سبيله. وإذا كان لتلك الرحلة المباركة الكثير من المعاني، والآفاق فإنما يقتصر الحديث في هذا المقام على وضع المسجد الأقصى في هذه الرحلة المباركة.
ولو كان هدف الرحلة قاصرًا على عروج محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء ورؤيته ما رآه من آيات الله تعالى لما استدعى الأمر أن تكون الرحلة على مرحلتين: إسراء ومعراج، فالله القادر على أن يجعل نبيه يعرج إلى السماء من بيت المقدس قادرًا أيضًا على العروج به من أي مكان يشاء وقادر أن يعرج به من مكانه الذي كان فيه.. ولو كانت الرحلة سياحة فوق الأرض لكانت هناك بقاع شتى للإسراء خلف صحراء شبه الجزيرة العربية القاحلة التي قطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل في صباه وشبابه..
بل كان عروجه -صلى الله عليه وسلم- من هذا المكان المقدس إشارة إلهية لإعزازه وتكريمه وقد كان دومًا مقرًا للأنبياء ومهبطًا للملائكة.
ومن معاني هذه الرحلة المختارة من اللطيف الخبير الربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وإبراز لمعنى الإسلام الحقيقي، الدين الحق الذي دعا إليه الأنبياء جميعًا وقد برز ذلك في صلاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأنبياء جميعًا رمزًا للوحدة بين غايات سائر الأديان السماوية. وهنا يستدعي الانتباه.. هل كان ضروريًا أن يتم هذا اللقاء المبارك في بيت المقدس بالذات إلا لما حباه الله من مكانة رفيعة جعلته أهلًا للقاء أفضل البشر عليهم الصلاة والسلام؟ إن لتخصيص المسجد الأقصى بهذا اللقاء دلالة بالغة على قدسية القدس الشريف في نفوس المسلمين والربط المباشر بين الأماكن المقدسة التي تمثلت في المسجد الحرام والمسجد الأقصى اللذين ذكرهما الله معًا في الآية الكريمة حثًا للمسلمين على الحفاظ عليهما وتطهيرهما من مظاهر الشرك والمشركين.. فكأنما أعلنت تلك الرحلة المباركة وراثة خاتم النبيين لمقدسات الرسل قبله وشمول رسالته لرسالاتهم فأصبح المسلمون هم ورثة الأماكن المقدسة والمطالبون برعايتها بما يتناسب مع وضعها الذي ارتضاه الله -عز وجل- لها.
وكان فرض الصلاة من أهم نتائج هذه الرحلة الخالدة، والصلاة- كما قال عنها الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- عماد الدين.. وعندما يرد ذكر الصلاة يطوف بالأذهان ذكر المسجد الأقصى الحبيب فقد كان الأمر بالصلاة في رحلة المعراج منه والعودة من السماء إليه وكانت صلاة النبي- عليه أفضل الصلاة والتسليم بالأنبياء فيه، وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم- أول مسلم صلى في ذلك المكان الطاهر. وعندما يرد ذكر الصلاة يعلم المسلم أن كل بقاع الأرض سواء في إقامتها لقوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا» «9».. إلا ثلاثة مواضع حددها الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى» «10»، وفي هذا التخصيص تكريم لتلك الأماكن المقدسة، ما كان منها تحت راية الإسلام وما لم يكن بعد.. فهذا المسجد الأقصى بقعة من ثلاث بقاع في الأرض خصت بهذه القدسية، يثاب المسلم في الحج إليها والصلاة فيها أكثر من سائر بقاع الأرض.
ولنا مغزى إسلامي عظيم في أن المسجد الأقصى كان أولى القبلتين.. فقد توجه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وصحابته رضوان الله عليهم إلى المسجد الأقصى في صلاتهم سبعة عشر شهرًا بعد الهجرة إلى المدينة، وإن توجه روح الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقلبه وأرواح المسلمين وقلوبهم إلى هذه البقعة الطاهرة رغم أنها كانت في قبضة الروم والنصارى آنذاك لدليل كبير على عظيم مكانتها في الإسلام وعند المسلمين وتحفيز لهم على تطهيرها وعبادة الله فيها وذكر اسمه -سبحانه وتعالى- في المكان الذي قال فيه: «الذي باركنا حوله» حيث يأتي لفظ «المباركة» حافًا بالمسجد محيطًا به يعم المكان كله بظلاله.. فأي «بركة» فقدنا وبأي خسارة منينا؟
وكانت البداية العلمية لوضع المسجد الأقصى في حوزة الإسلام في السنة الثامنة للهجرة في غزوة مؤتة التي استشهد فيها كثير من المسلمين وعلى رأسهم قواد الجيش الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، من أحباء الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأقربهم إلى قلبه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.. وكانت هذه الغزوة أول مرة تتجه فيها الجيوش الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية.
وكانت «تبوك» خاتمة غزوات النبي- صلى الله عليه وسلم- في السنة التاسعة الهجرة في اتجاه الشام لقهر الروم المسيطرين على بيت المقدس.. كانت حثًا للمسلمين على استمرار الجهاد لاستخلاص الأرض المقدسة.
وكان آخر جيش جهزه الرسول -صلى الله عليه وسلم- جيش أسامة بن زيد بن حارثة، وكان يعده للتوجه إلى الشام حيث أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستمر توجه المسلمين نحو البقعة المباركة بالقدس الشريف.. ولا ينتهي ذلك في نظر الإسلام بوفاته -صلى الله عليه وسلم-.
وقد بلغ من تقديس أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسجد الأقصى الشريف أن جماعة منهم رأوا حين وفاته أن ينقل جثمانه الشريف إلى بيت المقدس ليدفن فيه بجانب المسجد الأقصى بجوار إخوانه من الأنبياء الصالحين.
فتح القدس على يد عمر ودلالته
كان الفتح الإسلامي لبيت المقدس في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حدثًا فريدًا يتناسب مع جلال المكان وقدسيته فرغم الفتوحات الهائلة التي تمت في عهده لعشرات الممالك والمدن لم تشارك بيت المقدس أية بقعة أخرى في طريقة فتحه ودخول الإسلام إليه.
فها هم جنود المسلمين يحاصرون بيت المقدس والروم يستميتون في الدفاع عنه، إلا أنهم أمام قوة العقيدة التي تملأ قلوب جند الله وما سمعوه ورأوه من انتصاراتهم الباهرة على كل من وقف في طريقهم طلبوا المصالحة على لسان بطريركهم «صفرنيوس» على أن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بنفسه.
فكتب عمرو بن العاص له فرحب بذلك وشرع من توه في السفر إلى تلك البقعة الطاهرة. وقطع عمر ثلثي المسافة من المدينة المنورة إلى بيت المقدس ماشيًا، إذ خرج ومعه غلام وراحلة واحدة.. فكان يركب مرحلة وغلامه أخرى، ثم يتركان الراحلة تمشي أمامهما مرحلة ثالثة متخففة من الحمل. وعندما وصل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أحد الجبال المشرفة على القدس كبر قسمي الجبل بـ «جبل المكبر» وصالح أهل البلدة الآمنة وتسلمها من الروم دون أن تسيل قطرة دم واحدة لأول مرة في تاريخ الصراع عليها.. وعندما طلب من البطريرك أن يريه موضعًا يبني فيه مسجدًا أشار له إلى الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب -عليه السلام- فوجد عليها ردمًا كثيرًا فشرع في إزالته بيده يرفعه في ثوبه، واقتدي به المسلمون كافة فأزيل الردم لحينه وأمر عمر ببناء المسجد.
لقد كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يتسلم فيها عمر بن الخطاب الصحابي الجليل والخليفة الراشد مدينة فتحها المسلمون بنفسه.. وما كان الأمر يستدعي تلك المشقة منه وذلك الانتظار من جنده ولا الاستجابة إلى طلب الأعداء المحاصرين وليس أمامهم إلا التسليم.. ما كان الأمر يستدعي ذلك كله لولا مكانة القدس في نفس عمر وفي نفوس المسلمين كافة وأولهم أولئك المرابطون حولها..
ومنذ ذلك الحين، في السنة الخامسة عشرة للهجرة والقدس إسلامية يرتفع في سمائها الآذان وتعمرها المساجد وتملأ مسجدها الأقصى صلوات المؤمنين العابدين حتى المحنة الكبرى في الغزوة الصليبية الأولى..
عن الزميلة (الرائد)
المركز الإسلامي- آخن
«1» «2» نقلًا عن كتاب عروبة بيت المقدس للدكتور إسحق موسى الحسيني، مركز الأبحاث في بيروت، تموز 1969، ص 30 – 31.
«3» «عروبة بيت المقدس»، ص 11.
«4» عروبة بيت المقدس، ص 11.
«5» يسمى في بعض المصادر التاريخية «بختنصر».
«6» ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد «1».
ص - 150 دار الكتاب العربي، ط 2، 87 هـ.
«7» الفريد ليلنتال، ثمن إسرائيل، ط 4، 55 م ص 11.
«8» عروبة بيت المقدس، ص 14.
«9» رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
«10» رواه مسلم.
Dr. F. Ccheidl, Israel 1. Band, Wein
Auflage S. 77. 2
Lexicon Invertis Testamenti
Libros, Leiden 1951, P. 403
Dr. Scheidl, Israel, Bd. 1, S. 77
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل