; القرآن «قبلة» المسلمين الفكرية والتشريعية | مجلة المجتمع

العنوان القرآن «قبلة» المسلمين الفكرية والتشريعية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1971

مشاهدات 90

نشر في العدد 84

نشر في الصفحة 3

الثلاثاء 02-نوفمبر-1971

القرآن «قبلة» المسلمين الفكرية والتشريعية

على الصفحة الثانية يطالع القراء خبرًا من ليبيا الشقيقة يقول: إن ليبيا قد قررت مراجعة القوانين فيها وعرضها على الشريعة الإسلامية فما وافق الشريعة بقي، وما خالفها أقصي، وقررت إصدار قانون يعيد «فرض» الزكاة وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

ومن جهة أخرى حملت الأنباء موقف ليبيا ورأيها في «ضرورة» تعميم إعادة فرض الزكاة في دول الاتحاد الثلاث وإصدار قانون من -هدي النص القرآني- يرد المسلمين إلى قرآنهم ويمنع شرب الخمر وبيعها في الدول الثلاث -مصر وليبيا وسوريا- وكانت ليبيا قد أصدرت قانونًا شرعيًا يمنع شرب الخمر وبيعها في ليبيا هذه خطوة ليبية مباركة وواعية وشجاعة.

• مباركة لأنها تحيي فريضة إسلامية هي الركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة، فريضة الزكاة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم 

لقد عصى الحكام ربهم طويلًا بإماتة هذه الفريضة العظيمة في المجتمعات الإسلامية، وهذا العصيان كان السبب في مصائب كثيرة.

١- كان السبب في حرمان الفقراء من حقهم المشروع في أموال الأغنياء ومن يملكون نصاب الزكاة.

٢- بالتالي كان السبب في نقمة الفقراء والمحتاجين على هؤلاء الأغنياء والموسرين وهذه النقمة استغلها الهدامون في تعميق الخلافات الطبقية، واتخذوها سببًا «لسلب» الأموال بالجملة ومصادرتها، وتبديدها في العبث والدعاية المهرجة والتبذير على أنفسهم ومحاسيبهم وأهل التزلف والملق، فلا هم -أي الهدامين- تركوا الموسرين وما معهم -وهذا عقاب من الله عز وجل للمتمردين على فريضة الزكاة -ولا هم أعطوا الفقراء والمحتاجين شيئًا.

٣- كان السبب في «محق» البركة من الأموال.

فالعالم الإسلامي -في جملته- وبتقدير إن «كل» ما يملكه المسلمون إنما هو «لكل» المسلمين، بهذا الاعتبار العالم الإسلامي ليس فقيرًا، لكن لماذا هو يائس هكذا، متسول على أبواب الدول الغنية والبنوك الأجنبية؟

لقد «محق» الله البركة من أموال المسلمين لأنهم بادروه بالعصيان بتمردهـم على فريضة الزكاة التي شرع، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في حديث رواه أبو داود: «حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع»

وأمواج البلاء تكتسح العالم الإسلامي اليوم، ولكن هل يجدي الدعاء من عصاة، عصوا أمر ربهم وخالفوه، وما زالوا مصرين على المعصية إلا من رحم ربك؟

• والخطوة الليبية واعية لأن الإقدام على «تطبيق» التشريعات الإسلامية هو قمة الوعي، أو لأنه يقي أصحابه المهالك التي ذكرت آنفا.

 وثانيًا: لأن التشريعات الإسلامية هي يقينا أرقى التشريعات وأرعاها لمصالح الناس، وتطبيقها لا يعني إلا الالتزام الواعي بأرقى تشريع، والرعاية الحافية لمصالح الناس، وقوم يقدمون على هذا لا شك أنهم قد اتخذوا خطوة واعية.

 ثالثًا: لأن «الاعتزاز» بالشرع الإسلامي دليل يقظة ووعي، فما هوت هذه الأمة وما ركبها الذل إلا حين خمدت فيها روح الاعتزاز بهذا الدين، والاعتزاز بتشريعاته، ومن هنا فإن الاستمساك بالشريعة الإسلامية -في عزة- يمثل منطلقًا إلى نهضة سليمة، وأي خطوة راشدة تدفع الأمة إلى النهضة السليمة هي خطوة واعية.

• والخطوة الليبية «شجاعة» لأنها جاءت في وقت «يخجل» فيها كثير من الحاكمين من أن تظهر عليه «الصبغة» الإسلامية، هذا إذا كان في سره يقيم الشعائر الإسلامية، وكثير من الحاكمين «يخشى» -أو هكذا يدعي -إنه إذا أقدم على تطبيق التشريعات الإسلامية أن تصيبه -ووطنه معه -دائرة!! يخشى سخط خصوم الإسلام وثورتهم عليه إذا هو التزم بتطبيق الشريعة الإسلامية، ونحن لا ندري على أي شيء يخشى هذا النوع من الحكام بعد أن حقق للخصوم «أهم» أهدافهم، وهو مطاردة الإسلام من مجال التشريع والتوجيه؟

إنهم يخافون الفتنة، وهم في الفتنة سقطوا!!

في هذا الجو الخائف الهلوع ترفع ليبيا الشقيقة صوتها وتنادي -بعد أن بدأت بنفسها -بإعادة فرض الزكاة على المسلمين، واستشارة الإسلام في القوانين الحالية، ومنع شراب الخمر وبيعها، لا شك أنها خطوة شجاعة.

• وهناك معان أخرى حية فجرتها الإجراءات الليبية الجريئة.

• إن القرآن قرن -دومًا- الزكاة بالصلاة، وإلى جانب أن هذا الاقتران يؤكد التلازم العقائدي والتطبيقي بين الفريضتين، فإنه من ناحية أخرى يؤكد ضرورة «توجه» المسلمين إلى «قبلة» القرآن في تشريعاتهم المالية وغيرها تمامًا كما يتوجهون إلى «القبلة» في الصلاة.

ولا فرق -البتة- بين نصين صريحين:

١- هذا يفرض التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

٢- وهذا يفرض «التوجه» إلى «قبلة» القرآن التشريعية في تشريعاتنا كلها: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون

وكما أن «الالتفات» عن القبلة يبطل الصلاة فإن «الالتفات» عن «قبلة» القرآن التشريعية يبطل أعمال المسلمين في هذه الحياة ويحبطها.

ونفس التحذير الذي ورد من أجل رفض اتباع «أهواء» الآخرين في شأن قبلة الصلاة، ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِين

نفس هذا التحذير ورد من أجل رفض اتباع «أهواء» الآخرين في شأن «قبلة» القرآن التشريعية: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ

• ولقد كان الاستعمار التشريعي -ولا يزال -يسيطر على العالم الإسلامي، والاستقلال ناقص ومشوه ما لم نستقل في تشريعنا عن قوانين الاستعمار، ومن هنا فإن عودة الشريعة الإسلامية إلى أن تكون «مهيمنة» على كل القوانين، يعني التحرر من الاستعمار، ويعني استكمالًا للاستقلال ومن قبل ومن بعد، هذه العودة قربى إلى الله، أو ينبغي أن تكون كذلك.

• وينبغي أن يعلم الحاكمون الذين بيدهم مقاليد المسلمين أنهم لا هيبة، ولا وزن، ولا «شعبية» حقيقية لهم إلا بالتزامهم بالإسلام والترحيب الذي قوبلت به الإجراءات الليبية دليل على ذلك، وبقدرتهم على التعبير عن «ضمير» الأمة وتطلعاتها إلى حياة إسلامية بعد أن ملت وكرهت حياة العبث والعصيان، إن «الإسلام» وعلى الرغم من كل شيء لا يزال هو مفتاح ضمير العالم الإسلامي، وكل شعار يرفع، كل راية تنصب، كل اتجاه يبرز يصطدم بالإسلام سيجد نفسه معزولًا عن الجماهير الإسلامية ما يضيركم -يا رجال- لو جمعتم أمركم وتحررتم من المخاوف وأخذتم في تطبيق الإسلام؟

إنكم بذلك تنالون الحسنيين:

• قربى إلى الله عز وجل ترشحكم لرضاه وعونه ومدده.

• وشعبية إسلامية تخلع عليكم هيبة حقيقية، وتسندكم -في عزم ومحبة وإخلاص- في مواجهة المشكلات والمواقف.

الرابط المختصر :