العنوان البروفيسور محمد نوري عثمانوف صاحب أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية: القرآن هو الرباط الأساسي بين المسلمين في العالم
الكاتب د. حمدي عبد الحافظ
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1255
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 24-يونيو-1997
الكتاتيب قامت بدور رئيسي في تحفيظ القرآن الكريم وشرح تعاليمه السامية، والآن تنتشر المعاهد الدينية في ربوع داغستان
انتظرناه طويلًا حتى يعود من موطنه الأصلي داغستان إلى موسكو، وبالتحديد إلى معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية حيث تخرج على يده المئات و«ربما الآلاف» من المستشرقين الروس وطلاب الدراسات العليا من الأجانب، وكان موضوع حوارنا معه حول بدايات هذا العالم في داغستان وملابسات اهتمامه باللغات الشرقية «الفارسية والعربية»، ثم إنتاجه العلمي ومؤلفاته وترجماته وبخاصة جهده العلمي الكبير وإنجازه الضخم في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية.. إنه البروفيسور الداغستاني محمد نوري عثمانوف «٧٥ عامًا».
النشأة والدراسة
في البداية هل لكم أن تحدثوا القارئ العربي عن سيرتكم الذاتية؟
قبل كل شيء أود أن أتوجه بالشكر لـ «المجتمع» على اهتمامها بأوضاع المسلمين في كل بقاع العالم بصورة عامة، وفي بلدان رابطة الكومنولث وروسيا الاتحادية على وجه الخصوص.
وعودة إلى سؤالكم لي، فأنا ولدت بمدينة محج قلعة «عاصمة جمهورية داغستان» عام ١٩٢٤م، وأنهيت تعليمي المتوسط في مدارسها، وكان والدي يتحدث اللغة العربية، مما أتاح له أن يدرس الفلسفة والثقافة العربيتين، ورغم قيادته لحركة درجينسكي، الثورية في داغستان وتوليه العديد من المناصب الحكومية الرفيعة، فقد اعتقله ستالين عام ١٩٣٧ م وقضى فترة طويلة في السجون السوفييتية، كما أعدموا عمي رميًا بالرصاص بتهم باطلة.
وبعد أن انتهيت من تعليمي المدرسي التحقت بجامعة موسكو ودرست اللغة والآداب الفارسية، وبالرغم من ذلك فقد لازمتني اللغة العربية طوال حياتي، إنها تجري في عروقي، كما أن أجدادي كانوا من علماء الدين الإسلامي، وقد أتيح لي دراسة اللغة العربية في طفولتي على يد عمي محمد إيمان عثمانوف الذي كان يعمل مدرسًا للغة العربية في محج قلعة وكان يحفظ «القاموس المحيط» عن ظهر قلب وأعترف أنني منذ أن وصلت إلى موسكو لاستكمال دراستي، وكان عمري لا يتجاوز العشرين عامًا أردت دراسة اللغة العربية، لكن لم يكن قسم اللغة العربية قد أنشئ بعد، لذلك التحقت بالقسم الفارسي، وحصلت على الدكتوراه في موضوع «مكانة شاهناه الفردوسي في الأدب الفارسي» عام ١٩٥٤م. وفي عام ١٩٧٠م تقدمت برسالة أخرى عن «أسلوب الأدب الفارسي في القرن الرابع الهجري»، وحصلت بها على دكتوراه الدولة، وفي عام ۱۹۸۱ م حصلت على درجة البروفيسور العلمية، لأصبح عضوًا مراسلًا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن.
ولي العديد من المؤلفات والكتب العلمية حول الأدب الفارسي، منها: «أسلوب الأدب الفارسي في القرن الرابع الهجري»، و«الفردوسيةلعمر الخيام»، كما ساهمت في إصدار قاموس «فارسي – روسي» من جزئين وقمت بترجمة أكثر من ١٥ كتابًا من الفارسية والعربية إلى الروسية والعكس، وكان آخرها وأعظمها ترجمة معاني القرآن الكريم.
متى وكيف اتجهتم إلى التعليم الديني؟
أنا من أسرة مسلمة متدينة - كما ذكرت من قبل - وأذكر أن والدتي كانت تصوم ثلاثة أشهر كاملة من كل عام، وتحرص على أداء الصلاة في أوقاتها، وكذلك والدي وأعمامي، لذلك كان اهتمامي بدراسة القرآن الكريم وتعاليمه منذ طفولتي وقبل التحاقي بالجامعة بوقت طويل، وقد تلقيت تعليمي الديني في بادئ الأمر في الكتاتيب التي كانت منتشرة بصورة كبيرة في داغستان والتي ساهمت في تعليم كبار علماء الدين المحليين.
وفي عام ۱۹۷۰م، حصلت على تفسير القرآن الكريم باللغة الفارسية وكنت أقرأ القرآن الكريم باللغة العربية وأقارن معانيه بالترجمة الفارسية التي كانت بحوذتي، مما شجعني أكثر على ضرورة إتقان اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - ومن هنا كان لابد لي من التعمق في دراسة الأدب العربي وعلوم اللغة العربية.
وفي عهد البيرسترويكا «عهد جورباتشوف» استدعاني الأكاديمي يفجيني بريماكوف «وزير خارجية روسيا الحالي» وكان حينذاك عميدًا لمعهد الاستشراق وزميلي في الدراسة والتدريس به، وطلب مني ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية - جاء هذا بالقطع - بعد موافقة المسؤولين الحزبيين الذين كانوا يبحثون حينذاك عن وسيلة للتقرب إلى الشعوب العربية والإسلامية لستر عورتهم في أفغانستان وأخيرًا لإرضاء المسلمين السوفييت الذين طالبوا مرارًا بالتواصل مع إخوانهم في الدين.
ماذا عن التعليم الديني في الكتاتيب الداغستانية؟
في السابق لم تكن هناك مدارس دينية متخصصة رغم وجود أكثر من ۲۰ مسجدًا في داغستان، لذلك فقد قامت الكتاتيب بدور رئيسي في تحفيظ القرآن الكريم وشرح تعاليمه السامية، وفي العهد السوفييتي اتسمت هذه الدراسة بنوع من السرية والخوف الشديدين، والآن تغير الوضع حيث يوجد في قرية جويدين وحدها، إلى جانب الجامع الكبير أكثر من ۳۰ مسجدًا ومدرسة لتعليم اللغة العربية.
كما تنتشر المعاهد الدينية في كافة ربوع داغستان والتي تخرّج فيها مئات العلماء في السنوات الأخيرة لتدريس علوم الدين الإسلامي في المدارس، وتمخضت النهضة الإسلامية الحالية في داغستان ببناء العشرات من المساجد الضخمة في محج قلعة، وأيضًا جامعة الإمام الشافعي الإسلامية والتي تحتوي على العديد من الأقسام المتخصصة لتدريس اللغة العربية والفقه والأحاديث النبوية والتفسير ... إلخ، ويوجد في مدينة «بوينا قصي»، جامعة إسلامية أخرى يدرس فيها المئات من الطلاب علوم الدين الإسلامي الحنيف.
ترجمة معاني القرآن
متى وكيف بدأ التفكير من جانبكم في ترجمة معاني القرآن الكريم؟
كما ذكرت في السابق، تزامن التفكير في ترجمة معاني القرآن الكريم مع رياج البيرسترويكا التي هبت على البلاد السوفييتية في عهد جورباتشوف، ورغم استدعاء عميد معهد الاستشراق الأكاديمي يفجيني بريماكوف لي حينذاك، وطلبه مني ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية، إلا أنه وعندما انتهيت من الترجمة عام ۱۹۹۱م وبحكم التغيرات التي جرت في نهاية ذلك العام وأهمها انهيار الإتحاد السوفييتي السابق والأزمة الاقتصادية، فلم نجد من يتولى إصداره وتحمل النفقات المالية لهذا العمل الخيري الكبير، وظلت الترجمة في مكتبي حتى وافقت دار «لادامير» على إصدارها في العام الماضي.
ما المصادر التي استعنتم بها أثناء إنجازكم لهذا العمل الكبير؟
لقد اعتمدت في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية على التفاسير العربية في المقام الأول، مثل تفسير الطبري جامع البيان في تفسير القرآن وتفسير الجلالين «أنوار التنزيل وأسرار التأويل»، وتفسير الزمخشري وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي «جامع أحكام القرآن» وتفسير المراغي، و«المنتخب في تفسير القرآن الكريم».
ألم تكن هناك ترجمات أخرى سابقة للقرآن الكريم إلى اللغة الروسية؟ وما ملاحظاتكم عليها؟
هذه هي المرة الأولى التي تترجم فيها معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية، وما كان في السابق «ترجمة كراتشكوفسكي»، فهي ترجمة حرفية لنصوصه واستعان فيها بالترجمات الأوروبية، وليس بالتفاسير العربية.
وفي نهاية اللقاء سألنا البروفيسور محمد نوري عثمانوف عن سر غيابه لفترات طويلة عن موسكو، واعتكافه في «محج قلعة» «عاصمة جمهورية داغستان المسلمة»؟
فأجاب بأنه يُعد الآن لطبعة جديدة من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الداغستانية بعد إدخال بعض التعديلات على الترجمتين السابقتين الأولى والثانية، لأن معرفة القرآن الكريم غير نهائية، وأضاف: أحاول من خلال قراءاتي المتواصلة الوصول إلى بعض أسراره الكامنة، وكذلك سأضمن هذه الطبعة أسباب نزول الآيات حتى تكتمل الصورة أمام المسلمين الروس. كما أعد لنقل معاني القرآن إلى خمس لهجات أخرى تتحدث بها الأقليات العرقية الأخرى في داغستان، وأيضًا أعد لتطوير القاموس «العربي – الروسي» الذي ألفه «بارانوف»، ليصبح معجمًا للمعاني القرآنية .
======================================
الاتجاهات الدينية والثقافية في آسيا الوسطى
بقلم : يلديز زيكيبايف
يرى بعض المستشرقين الروس من أمثال إليكسي مالاشينكو الذي يعمل لدى مركز كارنيجي في موسكو بأن مستقبل حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سوف تشهد «تسبب الإسلام في وجود هوة ما بين الثقافة الروسية والثقافة السائدة في منطقة آسيا الوسطى»، ويضيف المستشرق الروسي «إنه من الأهمية بمكان معرفة كيف ستتمكن دولة مثل كازاخستان من تحديد مسارها في المستقبل»، مشيرًا إلى دراسة أجريت في جنوب كازاخستان تؤكد نتائجها أن ٦٠% من سكان تلك المنطقة لا يولون للدين أي أهمية في حياتهم اليومية.
وقد درس مالاشينكو الإسلام في بلدان الكومنولث المستقلة من النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية والعلاقات الدولية، وذكر أن ظاهرة التطرف موجودة في هذه المنطقة ولو بشكل خفي، إذ إنها لم تتبلور على شكل نشاطات سياسية أو دينية، كما لم يتم قياسها من واقع إحصائيات، ولكن آثارها سوف تظهر للعيان في المدى البعيد، وأضاف مالاشينكو أن هذه الظاهرة قد برزت في البوسنة من خلال ظهور أحزاب دينية في الساحة البوسنية، وتنامي دور الدين في السياسة واستخدام الدين كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، وعزا مالاشينكو عودة الشباب في الاتحاد السوفييتي «السابق»، إلى الإسلام إلى وجود فراغ أيديولوجي، وأضاف بأنه كانت هناك في السابق منظمات تعني بالكشافة وشؤون الشباب واليوم لم تعد توجد مثل تلك المنظمات، فضلًا عن عزوف الأيديولوجيات الغربية، أما بالنسبة للنزعات الإثنية والقومية فإنها تأخذ الطابع الإسلامي، ولذلك فإنه ليس أمام هؤلاء الشباب خيار آخر غير الإسلام، فتراهم يمشون في الشوارع وبأيديهم مصاحف، كما يرتادون المساجد ويلتزمون أيضًا بالمناسبات الدينية، وهذه الظاهرة منتشرة في شمال القوقاز وتترستان.
وأضاف مالاشينكو أنه عندما أضحت دول آسيا الوسطى مستقلة كان هناك اعتقاد لدى الغرب نظرًا لخضوع سكان هذه البلدان للنفوذ الأوروبي بأنها سوف تحترم حقوق الإنسان وتسمح بحرية التعبير وأضاف أنه منذ أواخر ۱۹۹۳ م ومطلع ١٩٩٤م فإن شعوب هذه البلدان الذين كانوا يسعون إلى التقارب مع البلدان الإسلامية في آسيا يرون اليوم أن من المهم في الوقت الراهن الحفاظ على استقرار بلدانهم وتجنب نشوب أي صراع فيما بينهم، وأعرب مالاشينكو عن مخاوفه من مغبة عدم حسم موضوع ترسيم الحدود المشتركة بين هذه البلدان واحتمال طرح هذا الموضوع في المستقبل لتشهد المنطقة تقسيمًا على غرار ما حدث في كل من تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا.