العنوان القراءة الفكرية المطلوبة للنهضة المرتقبة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الاثنين 02-سبتمبر-1996
مشاهدات 106
نشر في العدد 1215
نشر في الصفحة 53
الاثنين 02-سبتمبر-1996
إذا نظرت إلى أمة تتأخر ولا تتقدم، وتكبو ولا تنهض, وتمرض ولا تتعافى، فاعلم أنها تسير في طریق خاطئ، وتفكر بنفس مريضة، وفكر سقيم وعقل قد عقم وترهل وذهب ريحه، وليس هذا شيء يصعب فهمه أو يعسر قراءته في كثير من الأمم المتخلفة أو الشعوب المتدنية، وعلاج هذه الأزمات ودواء هذه الأمراض لم يصبح اليوم شيئًا من الطلسمات أو نوعًا من اللوغريتمات التي يحار الناس في فهمها أو يستحيل فك رموزها، لأسباب غير خافية، ومفردات أصبحت بدهية، وقراءات صارت واضحة للقاصي والداني، تحتاج إلى مراجعات وإلى تصحيح وعلاج، فمثلًا تحتاج إلى تصحيح الهوية، واحترام الذات الإنسانية؛ لأنها رأس مال الأمة والتأكيد على الحقوق واحترام القانون والاهتمام بالمنهج العلمي السليم واستثمار الآراء وإفساح المجال للرأي الآخر واتخاذ آليات الشورى طريقًا في صنع القرارات هذه التوجهات وغيرها من التوجهات الفاعلة تستطيع أن تطلق طاقات الأمة، فإذا انعدمت وتلاشت أصبح منال التقدم بعيدًا وأضحت النهضات مستحيلة، هذا ولم تتوقف بعض الأمم المتخلفة عن هذا الحد أو هذا البؤس، وإنما حاربت التوجهات الصحيحة –التي لم تشارك فيها أو تدعمها– بقسوة وقوة وضراوة منقطعة النظير وأهلكت أهلها وكتمت أنفاسهم وألفتهم في قاع السجون تحت المهانة والعنت متهمة إياهم بالإرهاب وإخوته، وبالفساد وأولاد عمومته بغير دفاع عن النفس أو اتهام صحيح أو محاكمات عادلة، هذا ولم يقتصر القهر على هذا وإنما تعداه إلى صياغة هذا التوجه الفاسد لقضية إعلامية تشترك فيها كل آليات التوجه الإعلامي في تلك الدول لتنفر من الفكر الصحيح وأهله، وترهب من التوجه الفاعل وأصحابه بشتى أنواع الأساليب الشريفة وغير الشريفة في سعار لم يسبق له مثيل تفتخر فيه بالاستئصال والإبادة بتلك التوجهات الدكتاتورية الظالمة تدعي بذلك وهي كاذبة بكل تأكيد أنها تحافظ على الأمة وعلى التنوير فيها من هذا الفكر، ولا أدري أي تنوير عند تلك الأمم بعد انتهاك كل شيء والتخلف في كل شيء، حتى مجتهم الحياة ولفظتهم الأمم واستهانت بهم كل المخلوقات.
وقد تفهم هذه الدعاوى في حق أناس تتهمهم الحكومة بالتحارب المسلح ضدهم وبمعارضتها بالأساليب العنيفة، أما أن يتهم المسالمون ويساقون بالمقامع الحديد فهذا هو غير المفهوم، وغير المعقول أو المطاق، وأما أن يهلك من يريدون للأمة الخير وللشعوب التقدم والكرامة ويتوجهون إلى بعث الطاقة الإسلامية في الأمة من جديد لتأخذ دورها في الحياة، ويروضون الأمم كما راضوا من قبل وكما سابقوا دائمًا على القمة بغير منازع، فهذا شيء مهول، وأمر جلل، ولعل دعوة الإخوان المسلمون التي بدأت خطواتها الأولى رسميًا في مارس ۱۹۲۸م، على يد شهيد الإسلام في هذا الجيل الإمام حسن البنا، وبعض رفاقه كانت من أنضج الدعوات وعيًا وإدراكًا، وشمولًا لمعاني الإسلام الفاعل التي أفرزتها مأساة سقوط الخلافة الإسلامية، بحيث عدها المؤرخون الرد الطبيعي الأول للأمة على هذه المأساة، لعل هذه الدعوة فيما أعتقد قد نالها النصيب الوافر من هذا الاضطهاد قبل استقلال الأمة وبعدها على يد الاستعمار ومن جاء بعده، فأحببت لهذا أن أحرص على قراءة هذا التوجه الإسلامي لتلك الجماعة لنرى هل فيه تجن على أحد، أو له بعض التوجهات الضارة أو المثبطة أو الداعمة للتأخر أو الفساد أو ضياع الهوية والتولي شطر التغريب أو التشريق، فأقرأ على لسان مؤسسها بعضًا من هذه المبادئ والغايات التي لو استقامت الأمة عليها لبلغت مبلغًا كبيرًا وفازت فوزًا عظيمًا: لقد أتى على الإسلام والمسلمين حين من الدهر توالت فيه الحوادث وتتابعت فيه الكوارث، وعمل خصوم الإسلام على إطفاء روائه، وإخفاء بهائه، وتضليل أبنائه، وتعطيل حدوده، وإضعاف جنوده، وتزييف تعاليمه وأحكامه تارة بالنقص منها، وأخرى بالزيادة فيها، وثالثة بتأويلها على غير وجهها, وساعدهم على ذلك ضياع سلطة الإسلام السياسية وتمزيق إمبراطورتيه العالمية، وتسريح جيوشه المحمدية، ووقوع أممه في قبضة أعدائه مستذلين مستعمرين.
فأول واجبنا نحن الإخوان المسلمين أن نبين للناس حدود هذا الإسلام واضحة كاملة بينة لا زيادة فيها ولا نقص بها ولا ليس معها، وذلك هو الجزء النظري في فكرتنا، وأن نطالبهم بتحقيقها ونحملهم على إنقاذها ونأخذهم بالعمل بها، وذلك هو الجزء العملي في فكرتنا، وعمادنا في ذلك كله كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة، لا نبغي من وراء ذلك إلا رضاء الله، وأداء الواجب، وهداية البشر، وإرشاد الناس، ثم توضح القراءة الصحيحة للغايات والأهداف والتوجهات لتلك الدعوة الإسلامية أهم المبادئ لهذا التوجه الإسلامي فتقول:
- نريد أولًا الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه فهذا هو تكويننا الفردي.
- ونريد بعد ذلك البيت المسلم في فكره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته وفي عمله وتصرفه ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب، وهذا هو تكويننا الأسري.
- ونريد بعد ذلك الشعب المسلم في ذلك كله أيضًا، ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يسمع صوتها في كل مكان، وأن تتيسر فكرتنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والمراكز، والحواضر والأمصار لا نألو جهدًا ولا نترك وسيلة.
- ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود الشعب إلى المسجد وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله أبي بكر وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام بالطرق المشروعة.
- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي فرقته السياسة الغربية، وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية، ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين، وكل شبر أرض فيه مسلم يقول: لا إله إلا الله هو وطننا الكبير الذي نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه وضمه إلى الوطن الإسلامي الكبير، فإن العقيدة الإسلامية توجب ذلك على كل مسلم قوي أن يعتبر نفسه حاميًا لكل من تشربت نفسه تعاليم القرآن فلا يجوز في عرف الإسلام أن يكون العامل العنصري أقوى في الرابطة من العامل الإيماني والعقيدة هي كل شيء في الإسلام، وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟
- ونريد بعد ذلك أن تعود راية الإسلام خفاقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام حينا من الدهر ودوى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل ثم أراد لها نكد الطالع أن ينحسر عنها ضياؤه فتعود إلى الكفر بعد الإسلام، وهذا حق كل أمة لها أن تتطلع إلى الوحدة والمجد والسيادة وجمع شتاتها، ولئن كان السنيور موسوليني كان يرى أن من حقه أن يعيد الإمبراطورية الرومانية- وما تكونت هذه الإمبراطورية المزعومة قديمًا إلا على أساس المطامع والشهوات والأهواء. فإن من حقنا أن نعيد مجد الإمبراطورية الإسلامية التي قامت على العدالة والإنصاف ونشر النور والهداية بين الناس.
هذه هي القراءة الفكرية والدعوية والإصلاحية لحركة النهضة الإسلامية والصحوة الإيمانية الحديثة التي انتفضت جذعة من هذا التخلف المقيت، وهذا القهر الجاهل العبيط أفلا تستحق أن تزيح الباطل وتؤسس للنهضة الفكرية المرتقبة للأمة ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (يونس: 53).