العنوان فتاوى ( 908)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 908
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 14-مارس-1989
- أكثر العلماء المعاصرين يرون جواز استدخال مني الزوج في رحم الزوجة قبل الطلاق أو الوفاة
- جمهور الفقهاء يرون حرمة زرع اللقيحة الناتجة من زوجين في رحم زوجة ثانية.
ما زالت أسئلة قرائنا ترد من كل قطر تصل إلى «المجتمع»، وباستعراض الرسائل التي تطلب الفتوى حول المسائل الفقهيه، وجدنا أكثر الأخوة القراء والأخوات القارئات يكررون السؤال عما أجبنا عليه في أعداد ماضية.. لذا، فالأمل من هؤلاء عدم تكرار السؤال عما أجبنا عليه... إلا إذا كان السؤال يتطلب التفصيل في جانب ما من المسألة نفسها... هذا وقد أحلنا في هذا الأسبوع بعض أسئلة قرائنا إلى فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الغفار الشريف وقد تفضل بالإجابة كما يلي:
الأخ ج. أ. يوغسلافيا
يقول في رسالته: عندما كنت صغيرًا ما بين العاشرة والثانية عشرة من العمر، ولا أذكر بالتحديد وبينما كنت ألعب سوية مع بنت الجيران الصغيرة (٤ -٥) سنوات، ولا أعرف ماذا حصل لي وكان فعلًا سيئًا من أفعال الشيطان... وقد تكرر هذا الفعل مرتين منفصلتين، وكان الفرق بين المرة الأولى والثانية حوالي الشهرين، كما أذكر.. ولم يخرج المني وشعرت بالندم الشديد وتبت إلى الله ولم أعد إلى هذا العمل... وكبرت أنا وتلك البنت - وتوجد خلافات بين عائلتي وعائلتها قديمة - ولكن حاجتي إلى الزواج في الوقت الحاضر دفعتني إلى السؤال التالي:
هل من الناحية الشرعية الزواج من تلك البنت واجب علي علمًا بأنها فتاة غير محافظة على الحجاب ومن عائلة متوسطة الدين، والوالد يصلي والوالدة لا تصلي، وكذلك الفتاة لا تصلي... وأنا شاب مسلم ملتزم بديني، وأحافظ على الصلاة منذ ١٥ سنة بانتظام، وكنت قبل هذا السن أصلي وأقطع الصلاة.
أرجوكم أفيدوني في هذه المشكلة التي تقلق منامي منذ عشر سنوات وتزيدني همومًا... أفيدوني مأجورين.
الجواب: في الغالب إن السن الذي ذكره السائل لا يكون الإنسان فيه قد بلغ الحلم - أي البلوغ، إلا إذا كان قد رأى الإنزال قبل ذلك، والإنسان غير البالغ مرفوع عنه القلم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم«رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق ».
والإثم على ولي أمره إن كان قد قصر في تعليمه، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾... الآية». (التحريم:6)
وهذا لا يعني أن للصغير أن يفعل ما يشاء، بل يجب أن يتعود على فعل الطاعات واجتناب المعاصي منذ صغره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ »(أبو داود:495).
ولأن الناشئ إذا تعود شيئًا لم يستطع التخلص منه في كبره. قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه
لذا يجب أن يحرص الآباء على حسن تربية أبنائهم في صغرهم، حتى يجنوا ثمارهم في الكبر.. قال الإمام علي - رضي الله عنه - «لاعب ابنك سبعًا ،وأدبه سبعًا ،وصاحبه سبعًا، ثم اترك حبله على غاربه».
ونحن نشكر السائل على هذا الشعور، فإنه إن دل على شيء فإنما يدل - إن شاء الله - على صدق الإيمان - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، وحسيبه الله - وعلى الإحساس بالمسؤولية، وليس من الواجب عليه شرعًا الزواج بهذه الفتاة، ولكن إن علم أن هذا الأمر قد يسبب مشكلة للفتاة، وكانت الفتاة مستقيمة السلوك، وتأكد أنها ستلتزم بأوامر الإسلام فيستحب له أن يتزوجها والله أعلم.
- رسائل كثيرة وردت إلينا تسأل عن التلقيح الصناعي، ونظرًا لأهمية الموضوع وكثرة السؤال، كتبنا هذا التفصيل والله الموفق إلى الصواب:
قبل الكلام في صلب الموضوع يجب أن ننبه إلى الأمور التالية:
۱ - الموضوع ما زال في طور التجربة والبحث والاجتهاد سواء من الناحية الطبية والعلمية، أم من الناحية الشرعية، لذلك لا يمكن إصدار حكم نهائي فيه، إلا في بعض قضاياه الواضحة والمعارضة للأصول الشرعية.
٢ - ليس بالضرورة أن يكون كل اكتشاف علمي جديد في صالح البشرية، فمكتشف الذرة، وانشطارها، كان هدفه خدمة البشرية، ولكن نتيجة اكتشافه كانت العكس، فالقنبلة الذرية صارت أكبر نكبة على البشرية، وكثير من المكتشفات العلمية النافعة، لها آثار جانبية ضارة قد تكون أقل أو تساوي أو تفوق فائدتها، وكمثال لذلك مادة الكورتيزون.
وكذلك يقال بالنسبة للتلقيح الصناعي، فكما أنه سوف يحل مشكلة كثير من الناس، فأنه أيضًا ستترتب عليه كثير من المشكلات، وقد ظهر بعضها من أول الأمر، وسنبين بعضها - إن شاء الله تعالى-
٣ - هل العقم يعتبر مرضًا؟! وهل يجب أن يكون لكل أسرة أبناء؟!
يقول الله تعالى ﴿لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. (الشورى48:49)
أتت الآية في معرض بيان حكمة الله في الخلق، فهو يتصرف كيفما يشاء، وبما هو خير للبشرية جمعاء.
ولو كان العقم مرضًا مشينًا، لما كتبه الله على بعض أنبيائه، ومثل هذا يمكن أن يقال في حق من يرزقه الله بنات، وهو لا يريد البنات أو العكس، وليس معنى هذا ألا يسعى الإنسان إلى العلاج وطلب الولد، ولكن ليكن سعيه في الإطار الشرعي فإن تعارض أمر مع الشرع، فيجب على المسلم ألا يلتفت إليه. وكمثال لذلك الخمر، فإن فيها مصلحة ولكن مفسدتها أكبر يقول الله تعالى: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ ﴾ (البقرة:219)
٤ - قضية تكريم الله تعالى للبشرية يقول تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4) و يقول سبحانه ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾.(الإسراء:70)
فليس الإنسان مجالًا للتجارب العلمية كالفئران والحيوان، وليس سلعة للتجارة والبيع.
فبعض الناس ولجوا هذا الحقل من باب التجربة والبحث العلمي المجرد، بغض النظر عن الجوانب الأخلاقية والاجتماعية. وبعض الناس دخلوا إلى هذا المجال من باب التجارة والكسب المادي. فبعض وسائل الإعلام خرجت علينا بعناوين بارزة «بأن بإمكان الإنسان مستقبلًا أن يشتري أي ولد يشاء، وأي لون يختار.... إلخ، كما يختار أية سلعة تجارية، فهل بلغت قيمة الإنسان إلى هذا الحد؟!
5-مكانة الأسرة في الإسلام: لقد حرص الإسلام أشد الحرص على تكوين الأسرة وحمايتها من كل ما يعكر صفوها أو يسئ إليها، لأنها سكن للإنسان وراحة، حيث يجد الحب والحنان، يقول تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21)
والأسرة هي الحصن الطبيعي للطفل حيث يجد الحب والرعاية، وانظروا إلى الطفل الذي لا ينشأ في أسرة أو في أسرة مفككة، ما النتيجة التي يتوصل إليها؟!
٦ - حرص الإسلام أشد الحرص على حفظ الأنساب صافية معروفة محفوظة من الاختلاط، واعتبر حفظ الأنساب مقصدًا من مقاصد الشرع الضرورية، وهذه مزية لم تتوفر لغير الإسلام.
في ضوء هذه القواعد ننظر إلى قضية التلقيح الصناعي، هناك عدة طرق للتلقيح الصناعي، وعدة وسائل للحصول على السائل المنوي أو البيضة. والتلقيح الصناعي أما أن يكون داخليًا أو خارجيًا.
1 - التلقيح الاصطناعي الداخلي يتم بطريقتين:
الأولى: أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج وتحقن في الموقع المناسب داخل مهبل زوجته أو رحمها ، حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعيًا بالبويضة التي يفرزها مبيض زوجته ويقع التلقيح بينهما ثم العلوق في جدار الرحم بإذن الله كما في حالة الجماع. وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج قصور لسبب «ما» عن إيصال مائه في المواقعة إلى الموضع المناسب.
الثانية: أن تؤخذ نطفة من رجل وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل آخر حتى يقع التلقيح داخلها ثم العلوق في الرحم كما في الأسلوب الأول، ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيمًا لا بذرة في مائه، فيأخذون النطفة الذكرية من غيره.
٢ - أما التلقيح الخارجي - في أنابيب اختبار - فيتم بالطرق التالية:
الأولى: أن تؤخذ نطفة من زوج وبيضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي بشروط معينة حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البيضة؛ لتعلق في جداره وتنمو وتتخلق ككل جنين ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلًا أو طفلة.
ويلجأ إلى هذا الأسلوب عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحمها «قناة فالوب».
الثانية: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من زوج وبيضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته يسمونها «متبرعة» ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته، ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلًا أو معطلًا، ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة فيه.
الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل وبيضة من امرأة ليست زوجة له يسمونهما متبرعين، ثم تزرع اللقيحة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا بسبب تعطل مبيضها لكن رحمها سليم وزوجها - أيضًا - عقيم ويريدان ولدًا.
الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها، ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج أو تكون غير راغبة في الحمل فتتطوع لها امرأة أخرى بالحمل عنها.
الخامسة: هي الرابعة نفسها إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج صاحب النطفة، فتتطوع لها ضرتها الحمل اللقيحة عنها.
بالنسبة للطرق الثانية من التلقيح الداخلي «أخذ مني غير الزوج» والثانية من التلقيح الخارجي- أخذ بيضة غير الزوجة -والثالثة - أخذ مني وبيضة من متبرعين -والرابعة - وهي زرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة - فكلها مرفوضة من الفقهاء بالإجماع، لما فيها من شبهة الزنا واختلاط الأنساب.
وبالنسبة للطريقة الأخيرة وهي زرع اللقيحة الناتجة من زوجين في رحم زوجة ثانية لنفس الزوج، فجمهور الفقهاء المعاصرين يرون حرمتها، لما ينتج عنها من خلاف في معرفة الأم الحقيقية للطفل، هل هي صاحبة البيضة أو المرأة التي حملت وولدت، وما يترتب على هذا الأمر من مشكلات في معرفة المحرمات في النكاح وفي مسائل الإرث، وغيرها.
وبالنسبة للطريقة الأولى للتلقيح الداخلي وهي استدخال مني الزوج في رحم الزوجة، فأكثر العلماء المعاصرين يرون جوازها بشرط أن يكون الماء من الزوج حال قيام الزوجية الشرعية، وليس بعد الطلاق أو وفاة الزوج لانقطاع الزوجية في هذه الحالة، وأن تتم بطريقة أمينة، يؤمن معها اختلاط الأنساب، أي بحيث لا يختلط مني الزوج مع مني غيره، كما حدث في بعض المستشفيات الغربية، وأن يكون من يقوم بالعلاج أمينًا، وأن تتم العملية بحضور الزوج. وبشرط عدم الضرر بالمرأة وبرضا الزوجين. وقد أشار إلى هذه المسألة بعض الفقهاء المتقدمين.
وقد اعترض المحرمون على هذه العملية، بأن كشف العورة أمام غير الزوج محرم، وخصوصًا أمام الرجال الأجانب، والعقم لا يعتبر مرضًا مبيحًا لكشف العورة، كما أن التداوي في أصله مباح وليس واجبًا فلا يمكن أن نبيح بأمر مظنون محرمًا مقطوعًا به.
أما بالنسبة للطريقة الأولى من طرق التلقيح الخارجي وهي تلقيح مبيضة الزوجة بماء زوجها في أنبوبة اختبار، فأجازها كثير من العلماء المعاصرين بالشروط السابقة، أي أن تكون البيضة والماء من زوجين شرعيين في مدة زواجهما، تحت إشراف دقيق وأمين، وبموافقة الزوجين، وبحضور الزوج، وبشرط عدم الضرر.
واعترض المحرمون بما سبق، وباعتراض أخر، ما سيكون مصير الأجنة الزائدة عما يستزرع في رحم الزوجة.
فمما هو معلوم أنه يستنبت أكثر من جنين في المختبر ثم يؤخذ أحدها ويزرع في رحم الزوجة، ثم ما مصير باقي الأجنة؟، هل يجوز إعدامها؟ أو هل يجوز بيعها أو هبتها للغير؟ وهذا الثاني محرم باتفاق.
لهذا نرجو من إخواننا عدم الاستعجال، والتريث وعرض كل مسألة بصفتها الشخصية على العلماء المختصين قبل الإقدام عليها.. والله أعلم.