; القضاء العادل.. والقاضي المائل | مجلة المجتمع

العنوان القضاء العادل.. والقاضي المائل

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

مشاهدات 81

نشر في العدد 1274

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 04-نوفمبر-1997

القضاء كمؤسسة للعدالة هو بلا شك محل التقدير والاحترام من كل أحد، لأنه المرجع والملجأ لكل من يطلب الحق ويسعى إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح، والأخذ على يد المعتدي، ومنع العابثين بالحقوق والمقدسات من العبث، حتى يصان المجتمع من الفوضى والاضطراب، ولكن يتوقف الأمر في إرساء قواعد العدل وعدم الإخلال بها، ونصرة الحق على حيدة القاضي وكفاءته، وفهمه لموضوع القضية التي تعرض أمامه على الوجه الصحيح.

والقاضي الذي يريد أن يتحرى الحقيقة ليصدر الحكم العادل يستعين في الأمر المعروض أماه بأهل الخبرة والاختصاص فيه، من الموثوق بهم، ولكن إذا تجاهل هذا الأمر وحكم هواه لا شك أنه سيصدر حكمًا مجافيًا للعدالة والحق، وفي هذه الحال يجب أن نقول إن العيب ليس في القضاء ولكن فيمن مثل القضاء وأصدر الحكم باسم القضاء، ينطبق ذلك على الحكم الصادر في القاهرة من المحكمة التي نظرت القضية التي رفعتها النيابة ضد الكاتب سيد محمود القمني بخصوص كتابه «رب الزمان» الذي ضبطته النيابة بناء على طلب مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، لأن هذا الكتاب اشتمل على طعون في الدين وإساءة واستهتار بالأنبياء والصحابة، بل ورب العزة، فتجاهل القاضي تقارير المختصين من علماء الأزهر الشريف الذين طالبوا بمصادرة الكتاب ومنع تداوله، لأن الكتاب يتحدث عن آلهة سماوية وآلهة أرضية ذكورًا وإناثًا، ويتناول تعدد الآلهة بصورة تخالف ما ورد في تعاليم الإسلام، ويتحدث باستهتار واستهزاء مشحون بالتجريح في الأنبياء والصحابة، وذات الإله.

فيأتي القاضي ويحكم هواه ويتجاهل تقارير المختصين من علماء الدين ويقول في حيثيات حكمه: إن آراء المؤلف لا تخرج عن معنى الاجتهاد العلمي الذي يمكن الرد عليه باجتهاد علمي آخر، ولم يبن أو يناقش الآراء في حيثيات حكمه الذي أصدره ببراءة الكاتب والإفراج عن الكتاب والسماح بطبعه ونشره، فهذا الحكم لا يدل على أن القضاء غير عادل بل يدل على أن القاضي مائل، أو جاهل، أو غافل، والأقرب أنه مائل للعلمانية والعلمانيين الذين يعادون الدين، ولذلك أثار هذا الحكم فرحًا وغبطة وتهليلًا في صفوف العلمانيين حتى وصفه بعضهم بأنه حكم تاريخي عظيم القيمة والأهمية، وفي المقابل سخطًا وغضبًا وانزعاجًا في صفوف المسلمين وأهل الدين، ولا غرابة أن يقف العلمانيون صفًا واحدًا خلف كل من يطعن في الدين ويسمونهم مبدعين، ولا ندري ما هو الإبداع الذي يتصورونه إذ لم ير أحد إبداعًا في كل ما كتبوا غير الكفر والإلحاد والدعوة إلى فساد الأخلاق، وتبرج النساء، والذين سموهم روادًا في الماضي ممن اتصلوا بالغرب لم ينقلوا إلينا علوم الغرب في الطب والهندسة والصناعة كما فعل اليابانيون، بل ذهبوا ونقلوا إلينا ما يتعلق بالآداب والفلسفة وما سموه بالآدب المكشوف، وكل ما يتعلق بالجنس والتشكيك في الدين والقيم.

وآخر مثل على ذلك تلك الدكتورة التي كانت طبيبة وكان في إمكانها أن تضاعف جهدها في مجالها الطبي وتنقل من الغرب ما يزيد علمها في مجال الطب بدلًا من الدعوة إلى التبرج والاختلاط والخلاعة.

وكذلك من سبقها في المجال الاجتماعي والثقافي فماذا أفادوا شعوبهم في سبيل تقدمها، بينما نرى أهل شرق آسيا أصبحوا في الصناعة والاقتصاد نمورًا مع أن اتصال العرب خاصة مصر بالغرب كان قبل هذه الدول، فقد أرسلت البعثات إلى فرنسا وبريطانيا ودول الغرب قبل اتصال هذه الدول وإرسال البعثات إليها، ومع الأسف عاد العرب من الغرب بأفكار علمانية وتشكيك في التاريخ الإسلامي، وشعلوا الناس بأمور لا تفيد، وإلى الآن والمثقفون في شغل شاغل بأمور عفى عليها الزمن، كالمجادلات التي كانت في العصر العباسي، فماذا يستفيد الناس من كتب مثل كتاب القمني، أو خليل عبد الكريم إبراهيم المسمى «مجتمع يثرب»؟

والأخير باعتباره يساريًا معاديًا للدين أراد أن يطعن في مجتمع الصحابة وفي أخلاقهم، ويدافع عن الأفكار الإلحادية والإباحية، هل يمكن أن يتحمل مسلم أن يطعن أحد في أعظم خلق الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا يريد هؤلاء بهذا الطعن إثارة الفتنة؟ إنهم يلفقون الروايات والأساطير في التاريخ الإسلامي من أجل الوصول إلى غرضهم في تشكيك المسلمين في عقائدهم، لقد طالب مجمع البحوث الإسلامية بمصادرة كتابين لخليل إبراهيم عضو الأمانة العامة لحزب التجمع- هما: كتاب «مجتمع يثرب»، وكتاب «شدو الربابة في أحوال الصحابة».

إن هؤلاء العلمانيين بنشر مثل هذه الكتب يريدون فساد المجتمعات عن طريق الطعن في المقدسات وتشكيك المسلمين في دينهم وترك الفساد والمنكرات في مجتمعاتهم، فلا يتصدى لها أحد، ولذلك يأتي علماني آخر هو الدكتور أحمد صبحي منصور والذي فصل من جامعة الأزهر بسبب انحرافاته الفكرية، ويؤلف كتابًا يطعن فيه في السنة، وينكر أحاديث صحيحة مثل حديث: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، فذكر أنه من اختراع فقهاء الحنابلة، إن هؤلاء الكتاب جميعهم عملاء لأعداء الإسلام ويريدون لأنفسهم الشهرة مثل: سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، ونصر أبو زيد، وعلاء حامد، وعبد الله إمام، وغيرهم ممن يسمون أنفسهم مبدعين وتتبناهم المؤسسات المعادية للإسلام وباسم الثقافة وحرية الفكر، يصدرون البيانات التي تؤيد الكفر والإلحاد بأساليب ملتوية، لكن هؤلاء مهما تستروا تحت أسماء وعناوين حرية الفكر والثقافة، فهم معروفون في المجتمعات العربية والإسلامية بنفاقهم وأكاذيبهم ولا تنطلي أقوالهم على أحد، ولكن -مع الأسف- لا يقول أحد للكذاب أنت كذاب:

إنا سكتنا عن الكذاب فانفتحت                             أمامه لفنون الكذب أبواب
يلقي علينا أقاويلًا مزخرفة                                       ولا نقول له اسكـــــــــت أنت كذاب

إننا لم نقل للكذاب اسكت، لذلك تمادى في كذبه وافتراءاته، فما الحل إذن؟ لا شك أن الحل هو اللجوء إلى عدالة القضاء، لكن أي عدالة في هذا الزمن؟ خاصة في دول العالم الثالث!

العدالة هي أن يشعر كل الأطراف أنهم أمام القضاء متساوون فتتاح الفرصة لكل طرف أن يدلي بما عنده من حجج يرى أنها تؤيد دعواه، فلا يتصور طرف أنه يركب جوادًا أبيض ويرتدي عباءة السلطان ويحمل بيده سيفًا، والطرف الآخر يركب جحشًا أجرب أعرج، ولا شك أن الأساس في عدالة القضاء هي شخصية القاضي بأن يكون عاقلًا ونزيهًا راجح العقل لا يخشى في الله لومة لائم.. فإذا توافرت الكفاءات في القاضي على هذا النحو أمكن الاطمئنان إلى تحقيق العدالة المرجوة التي تجعل المجتمع قدوة صالحة للمجتمعات فيسود فيها الأمن والنظام والاستقرار وبالتالي يكون هناك التقدم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لأن العدالة إذا اختلت، اختلت معها كل جوانب الحياة في المجتمع، وإذا صلحت صلح المجتمع في كل جوانبه، لأنه في ظل العدالة يأمن الناس على أعراضهم وأرواحهم وأملاكهم، يتنافسون في رفع مستويات حياتهم الاجتماعية والاقتصادية من غير خوف ولا وجل، فلنبعد القاضي الجاهل والغافل والمائل إذا أردنا تحقيق العدالة في ربوع الوطن العربي والإسلامي.

فالقاضي العادل يجب أن ينحي هواه وآراءه الشخصية جانبًا عندما يجلس على منصة القضاء، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58).

الرابط المختصر :