; المشروع الوطني الإسلام في فلسطين بعد اغتيال الشهيدين ياسين والرنتيسي | مجلة المجتمع

العنوان المشروع الوطني الإسلام في فلسطين بعد اغتيال الشهيدين ياسين والرنتيسي

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1599

نشر في الصفحة 38

السبت 01-مايو-2004

حملة شارون المسعورة والمدعومة من الكاوبوي الأمريكي ضد حركة حماس باعتبارها قلب المشروع الإسلامي في فلسطين تطرح سؤالاً كبيرًا ما مستقبل المشروع الإسلامي في فلسطين؟ 

لا شك أن حالة الإسلام الحركي في فلسطين لها خصوصية تميزها عن نماذجها المشابهة في العالم العربي والإسلامي؛ فالنموذج الفلسطيني شكل مشروعًا إسلاميًّا يستهدف الإصلاح والتغيير ابتغاء نزع مظاهر العلمنة باتجاه أسلمة المجتمع مثله مثل بقية نماذج الإسلام الحركي بالمنطقة، لكنه في الوقت ذاته يعمل كحركة تحرر وطني تمارس المقاومة وفق نموذج سلفي- إحيائي، ولو بشكل مصغر لفريضة الجهاد الغائبة.

في الحقبة التي سبقت انطلاقة حركتي حماس والجهاد بفلسطين كان المشهد السياسي الفلسطيني يعاني من غياب وفراغ إسلامي كبير، وبالتالي كان الحراك السياسي الفلسطيني يمضي وفق أجندة يغلب عليها الطابع العلماني. 

وفي الانتفاضة الأولى في الثلث الأخير من ثمانينيات القرن الماضي تقدم الإسلام الحركي وملأ ذلك الفراغ بوتائر سريعة أدهشت إسرائيل، وأوقعتها آنذاك في أزمة سياسية إستراتيجية مشابهة لحالتها الراهنة مما حدا بمخططيها الاستراتيجيين لأن يغيروا في البنى الأساسية للفكر السياسي الاستراتيجي، وقد تجسد هذا التغيير في وصفة أوسلو التي تعد قبولاً إسرائيليًّا بالمشروع الوطني العلماني بسقفه الواطئ باعتباره أخف الضررين في معادلة الاختيار بينه وبين المشروع الوطني الإسلامي الذي يطالب بالأجندة الفلسطينية الكلية، مترافقًا مع غياب اللغة السياسية التي يمكن أن تجمع إسرائيل بالمشروع الأخير.

رغم تجربة أوسلو المرة التي استهدف الكيان الصهيوني من خلالها أن يضرب المشروعين الفلسطينيين بعضهما ببعض، إلا أن الفخ الصهيوني فشل وخسر الرهان والسبب يعود في ذلك -إلى حد كبير- إلى تقنيات الحراك السياسي التي اتبعتها حركتا حماس والجهاد، وتمثلت هذه التقنيات بإنتاج معادلة سياسية تتلبس قيم المقدس وتلتزم بثوابته وفي الوقت ذاته تتحرك ميدانيًّا بمرونة سياسية تتعاطى مع الأفق المحلي خصوصًا وكذلك الإقليمي وحتى الدولي على قاعدة الواقعية الإيجابية غير المفرطة من خلال إنتاج رؤية سياسية مرنة بتطبيقات ميدانية، تتمسك بالأجندة الفلسطينية الكلية وتتعاطى مع الجزئيات التي تفرزها الساحة السياسية وتتجنب المعارك الجانبية مع الأطراف المحلية والإقليمية.

وعلى سبيل المثال فأثناء ذروة الصدام مع السلطة الفلسطينية في حقبة أوسلو تمكن التيار الإسلامي المقاوم من العمل باتجاهين الدفع باتجاه خيار المقاومة والتمسك ببرنامجه والعض عليه بالنواجذ رغم كل المعوقات والعراقيل، وفي الوقت ذاته تجنب الاقتتال الداخلي -رغم ظلم ذوي القربى وتجاوزاتهم- بهدف الحفاظ على الوحدة الوطنية التي تشكل القاعدة الأساسية للمقاومة ومن خلالها أحبطت كل مشاريع الاستدراج الإسرائيلية.

على الصعيد الإقليمي وفي السياق نفسه تعاطى هذا التيار المقاوم بواقعية إيجابية مع الطروحات الإقليمية التي طرحت ما بعد 11 سبتمبر أثناء الانتفاضة الجارية، وحاول أن يتوافق مع الأطراف الإقليمية لإنتاج هدنة ولكن بثمن سياسي مقبول مرحليًّا دون التنازل عن الثوابت الكلية.

استطاع التيار الإسلامي الفلسطيني المقاوم أن ينتج حالة فريدة تتضمن سياقًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وعسكريًّا في برنامج عريض متناغم في أهدافه وآلياته، ونجح في تجييش المجتمع الفلسطيني لصالح برنامج المقاومة بل سحب معه بقية الفصائل لذات البرنامج. وفي هذا الإطار تضمنت دراسة صادرة عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات- بروكسل بعنوان «التعامل مع حماس» مقتطفات لمقابلات ميدانية من ضمنها مقابلة مع مواطن فلسطيني أطلقت عليه ناشط فلسطيني علماني، ويقول هذا الناشط وأنا أحد الذين يؤيدون السلام ولكنني أشعر بأنني أقرب إلى حماس في فترات القتال لأنها تشكل توازنًا مع الاحتلال، وما زالت الحالة الفلسطينية ناجزة برغم الانكشاف الاستراتيجي ببعديه العربي والإسلامي.

ولكن ما مستقبل هذا التيار الإسلامي المقاوم في ظل المعادلة القائمة؟

في اللحظة الراهنة يواجه هذا التيار جملة من التحديات أهمها:

- الاستمرار في المحافظة على الاستراتيجية الوقائية التي تجسدها الوحدة الوطنية والتمسك بها بكل قوة رغم الضغوط والتناقضات المحلية المتنوعة.

- المحافظة على البنية التنظيمية في كل المستويات وعلى وجه الخصوص داخل فلسطين في ظل الضربات المكثفة للقادة الميدانيين في المجالين السياسي والعسكري الذين تستهدفهم حملة شارون الحالية.

- إنتاج آليات جديدة لتفكيك الحصار الذي تشارك فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية تستهدف إرهاق المجتمع الفلسطيني باتجاه دفعه نحو الانكسار، وإلغاء حالة التجييش التي يعيشها هذا المجتمع حول برنامج المقاومة.

- ربما يلزم التيار الإسلامي المقاوم أن يتجه نحو إنضاج رؤى سياسية تتوافق مع الطرح المرحلي في إطار سياسة الواقعية الإيجابية غير المفرطة لاستثمار إنجازات المقاومة الراهنة، وللتكيف بإيجابية مع المناخ السائد ما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد، وعلى خلاف نموذج التكيف السلبي الذي تطرحه مشاريع التسوية المفرطة.

ولا تبدو الآفاق مغلقة أمام التيار المقاوم كما يمكن أن يظن في ظل الهيمنة الأمريكية وتحت وطأة الحملة الشارونية المسعورة ومرد ذلك أنه جزء من الظاهرة الإسلامية التي تتنامى في العالمين العربي والإسلامي، وهي ظاهرة أجبرت الأطراف الدولية على الاعتراف بحضورها البارز في المشهد السياسي ناهيك عن هيمنة مشروعها الثقافي بالمنطقة، بل دفعت هذه الأطراف قسرًا للتعاطي معها في ساحات مختلفة، ولا يخفى على المراقبين سيناريوهات التعامل معها التي تقبع في الأدراج المعتمة، وقد رأى بعضها الضوء مؤخرًا.

خلاصة القول: إن المشروع الوطني الإسلامي انطلق بوتائر عالية وتحققت له شرعية سياسية وشعبية ومنجزات ميدانية ملموسة، وفات أوان القدرة على اقتلاع جذوره من بيت المقدس.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل