العنوان القضية الفلسطينية.. في ملعب كارتر وبريجنيف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1977
مشاهدات 64
نشر في العدد 343
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-مارس-1977
لأول مرة في التاريخ -فيما نعلم- تتطوع أمة بالتخلي عن استقلالها، وتفرط باختيارها في حرية اختيارها..
هذه الأمة هي أمة العرب.
فقد عهدت إلى الدول الكبرى -أمريكا وروسيا بالذات- بالبت في واحدة من أهم قضاياها: قضية فلسطين.
حتى في عهود الاستعمار كان الحكام يخفون ولاءاتهم له، ويدسون تبعيتهم في مواقف استقلالية مصطنعة.. أما اليوم فإن المجاهرة بالتبعية أصبحت بطولة أو مفخرة في نظر حكام في هذه المنطقة.
* طوال سنين عديدة ربط مصير الوطن العربي بمواقف الاتحاد السوفيتي.
وطفقت الأنظمة الموالية له تبشر الشعوب بأن الاتحاد السوفيتي هو الذي سيحرر فلسطين، أو هو الذي سيسند ظهر العرب، وهم يقومون بمهمة التحرير الكبرى.
وغرقت الأمة في الخداع وأكاذيب العاطفة.. خداع الاتحاد السوفيتي للعرب، والأكاذيب العاطفية التي كانت بمثابة سلوى تعوض الشعوب عن حرمانها في عالم مليء بأحلام السراب.
لقد أغمضت هذه الأمة -ممثلة في حكامها- عينيها دون حقائق واضحة.
* حقيقة أن الاتحاد السوفيتي ساهم بفعالية في تأسيس الكيان الصهيوني؛ حيث بادر إلى الاعتراف بالاحتلال الصهيوني لفلسطين.
* وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي الذي زود العدو بالسلاح ابتداء عبر سمسار أو وسيط تابع للروس هو: تشيكوسلوفاكيا.
* وحقيقة أن الثورة البلشفية -۱۹۱۷م- قد مولتها بنوك اليهود.
* وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي مرتبط بالتزامات دولية تجعله يحافظ باستمرار على بقاء المعادلة، كما هي في المنطقة: تفوق العدو الصهيوني على العرب عسكريًّا.
* وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي يشترط إقامة أنظمة شيوعية لقاء العون الذي يقدمه لعمليات التحرير، وحين يقوم نظام شيوعي في هذه المنطقة فإنه سيكون في رصيد الكيان الصهيوني؛ نظرًا للعلاقة الوثقى بين هذا الكيان وبين الأنظمة الشيوعية.
قد يقال: بأن الحال قد تغير، وأن الاتحاد السوفيتي انتهج سياسة جديدة تميل إلى مساندة العرب في تحرير فلسطين.
وهذا وهم.
فالمشروع الذي قدمه بريجنيف مؤخرًا لا يخرج -في جوهره- عن الاستراتيجية الروسية القديمة إزاء هذه المسألة.
فالمشروع ينادي بـ:
-انسحاب يهودي -على مراحل- من الأراضي التي احتلها العدو عام ١٩٦٧م.
وهذه الفكرة مبنية -مبدئيًّا- على قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الذي هو تعميق وتمديد لوعد بلفور.
-إنشاء قطاعات مجردة من السلاح على طول الحدود. وهذا معناه إيصاد الأبواب في وجه أي محاولة للتحرير في المستقبل.
- ضمان أمن العدو؛ وقد جاء ذلك في نطاق التعبير المعمم: أمن وسلامة كافة دول المنطقة، وقد حقق مشروع بريجنيف الجديد مكسبًا جديدًا للعدو الصهيوني حيث قال بالنص: »إن صفقة السلام يجب أن تتضمن بنودًا لحرية مرور سفن جميع البلدان بما فيها إسرائيل عبر خليج العقبة ومضايق تيران«.
لقد أراد الاتحاد السوفيتي بهذا المشروع أن يأخذ الكرة من كارتر ويسجل هدفًا لصالحه في ملعب السياسة الدولية.
* وفي السنوات الأخيرة ربط مستقبل الوطن العربي بمواقف الولايات المتحدة الأمريكية.
وإن أمريكا هي التي تستطيع أن تساعد العرب في الحصول على حقوقهم.
وهنا أيضًا غرقت المنطقة في الخداع والأكاذيب العاطفية.. خداع أمريكا للعرب، والأكاذيب العاطفية التي أريد بها تخدير الشعوب والاستخفاف بعقولها ووعيها.
لقد أغمضت الأمة -ممثلة في حكامها- عينيها دون حقائق واضحة.
* حقيقة أن أمريكا هي التي أوجدت الكيان الصهيوني.
* وحقيقة أنها هي التي أمدته ببلايين الدولارات لبناء اقتصاده.
* وحقيقة أن أمريكا هي التي زودت الكيان الصهيوني بالأسلحة المتقدمة.
* وحقيقة أنها هي التي زودته بالتقدم التكنولوجي.
* وحقيقة أنها هي التي وقفت مع كيان العدو في جميع المؤسسات الدولية الثقافية والسياسية والاقتصادية والرياضية أيضًا!
* وحقيقة أن القرار الأمريكي لا يتخذ في غيبة اليهود.
* وحقيقة أن أصوات اليهود في الانتخابات الأمريكية تمثل ورقة مساومة دائمة، وأن جميع رؤساء الولايات المتحدة يضعفون أمام تلك الأصوات.
* وحقيقة أن اليهود قد عززوا قبضتهم أكثر على الإدارة الأمريكية، وحركوا رصيدهم واحتياطيهم لمزيد من السيطرة.
* فورد أحاط نفسه بمجموعة من عتاة اليهود والموالين للصهيونية على رأسهم هنري كيسنجر -ومعروف من هو كيسنجر- وروكفلر الذي كان نائبًا لفورد، وروكفلر هذا ضالع مع الصهيونية. ومن المهام التي يضطلع بها لمصلحة اليهود أنه يتولى شئون لجنة تسمى «لجنة رد اعتبار اليهود» في العالم.
* وكارتر أحاط نفسه بمجموعة من عتاة اليهود الصهاينة، وعلى رأس هؤلاء أربعة يتولون الآن شئون الدفاع والمخابرات والخزانة والطاقة في أمريكا:
- هارولد براون: وزیر الدفاع الأمريكي، يهودي روسي الأصل.
- مايك بلو منثال، وزير الخزانة، يهودي.
- ثيودور سورنسن، يهودي، وكان أحد أعضاء حزب التحرر اليهودي. يتولى الآن منصب مدير المخابرات المركزية الأمريكية.
- جيمس شليزنجر، رئيس لجنة الطاقة، يهودي.
وبعد كل ذلك يزعم عرب أغبياء أن أمريكا قد تغیرت، وأن مصير المنطقة في يدها وحدها!
وحتى متى تظل القضية الفلسطينية كرة في ملعب بريجنيف وكارتر؟
وأغرب من ذلك كله موقف القيادة السياسية الفلسطينية ذاتها؛ فعلى الرغم من التشدد الظاهري في البيان السياسي الختامي للمجلس، الخط السياسي لهذه القيادة اقترب جدًّا من المناورات الدائرة في المنطقة، والتي تستهدف دفن القضية الفلسطينية وتصفيتها.
نحن نعلم أن سياسة التدرج في تقنين الاحتلال الصهيوني قد اتفقت عليها أطراف دولية شتى:
* وعد بلفور: الإنجليز وحدهم بادئ الأمر.
* ثم اعتراف دولي بالاحتلال اليهودي لفلسطين عام ١٩٤٨م؛ أي توسيع نطاق وعد بلفور.
* ثم اعتراف وإقرار عربي لهذا الاحتلال: قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٤.
* ثم إقرار من الفلسطينيين أنفسهم بهذا الاحتلال.
نعلم خطوط هذه السياسة، ولكن لماذا يحقق الفلسطينيون أنفسهم سياسة أعدائهم؟ ومن أجل ماذا؟
الذين ينقصهم الوعي السياسي يقولون: إن هذه المواقف السياسية تمثل ضغطًا على العدو حتى يضطر للتسليم بقيام الدولة الفلسطينية.
هذا خداع للنفس.. فالعدو لن يتزحزح عن موقفه إلا بضغط حقيقي أصيل وصادق وجاد.
أما الظروف الراهنة فليس فيها ضغط على العدو:
* العرب مزقتهم سياسة كيسنجر.
* سلاح النفط قد عجم.
* أمريكا اليوم في قبضة اليهود، ولن يمارس اليهود ضغطًا ضد أنفسهم.
* الحكام العرب بإعلانهم الاعتراف بالعدو قد خسروا المجال السياسي الدولي؛ لأن منطق الدول الأخرى هو أنه إذا كان العرب قد اعترفوا بالعدو، فلماذا نكون نحن عربًا أكثر منهم؟
لا ضغط على العدو إذن؛ ومن هنا فإنه إذا وافق على شيء ما فلن يكون هذا الشيء في غير صالحه.
إن الحل العملي هو:
* الاستقلال التام في المواقف.
* العودة للكفاح المسلح.
* وضع الصراع في وضعه الصحيح؛ وهو أنه صراع عقائدي بين الإسلام واليهود.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل