العنوان القضية الفلسطينية ليست قضية يسارية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1983
مشاهدات 68
نشر في العدد 618
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-أبريل-1983
·
حديث الوثائق عبر التاريخ المعاصر عن مواقف
الاتجاهات السياسية المختلفة من القضية الفلسطينية مقارنة بالموقف اليهودي من
القضية.
انتفاضة
الأرض المحتلة الأخيرة، التي بدأت في يوم الأقصى.. لها مدلولاتها الطيبة، وابتداء
لابُدَّ أن نشير إلى أن هذا اليوم قد أصبح اسمه في العالم العربي والإسلامي «يوم
الأقصى»، لأن الانتفاضة الشعبية في فلسطين قد خرجت من الأقصى.. ولم تنطلق من بلدية
الناصرة التي يقبع فيها توفيق زياد الذي حاول أن يحرف هذا المعنى الكريم من جوه
الإسلامي إلى أن يدخله مصطلحات اليساريين، ولقد تلقف الإعلام العربي هذا
الاسم «يوم الأرض»؛ لأن رجال الإعلام في العالم العربي علمانيون يسيرون
في ركب اليسار، وهم مطايا للاستعمار.. وهذا تعبير يساري أطلقه توفيق زياد ومن
المعلوم أنه عضو في مجلس الكنيست الإسرائيلي، والذي كان يجمع النقود من أمريكا
بالعلم الإسرائيلي وهو عضو في حزب «راكاح» الشيوعي الإسرائيلي، ولكن
التعبير الإسلامي أن الأرض وأصحابها وأيامها كلها لله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (الروم: 26) وهذه الأيام يجب أن نقضيها في عبادة
الله، وتنفيذ منهجه في الأرض، وعلى رأس العبادات الجهاد الذي يصبح فرض عين في حالة
مثل حالة فلسطين لأنها احتلت من الكفار، فكل الأيام تصبح للجهاد لإنقاذ الأرض
الإسلامية من أيدي الكفار.
إن
مأساة فلسطين ملحمة قلما عرف التاريخ لها نظيرًا وسرد أحداثها يطول، والقصص تسوق
القصص والشجى يبعث الشجى، وكما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال لأحد
الصحابة وهو يذكر مكة: «دع القلوب تقر».
ولكن
لابُدَّ من وضع معالم على الطريق الفلسطينية:
1-
إن قضية فلسطين هي قضية إسلامية قبل كل شيء، ولا يمكن مناقشتها إلا على هذا
الأساس، وإن إخراجها من الإطار الإسلامي إلى الإطار القومي -العربي- ومن
ثم إلى إطار إقليمي -فلسطينية- ومن ثم إذابتها في قضية عامة.. عائمة..
غائمة.. مائعة «قضية الشرق الأوسط» هو الذي أضاعها من أيدي المسلمين الغافلين
عن السكاكين التي تذبحهم وهم معجبون ببريقها ووميضها.
2-
إن المعركة في فلسطين هي معركة مبادئ وقيم، وليست صراعًا بين جنسين على قطعة من
الأرض.
إنها
معركة القرآن مع التلمود..
ومعركة
الأقصى مع الهيكل..
وملحمة
الإسلام مع اليهودية المحرفة..
ولئن
كان بعض القوميين أو اليساريين يريدون أن يخفوا وجه المعركة فاليهود لا يخفونها،
فدايان، وابن غوريون، وبيغن يصرحون أن الضفة الغربية هي جزء من أرض الميعاد
والانسحاب منها كفر وخيانة للتوراة، وعندما كان ريغان يتكلم مع بيغن على التلفاز
الأمريكي قبل بضعة أشهر عن الانسحاب قرع له بيغن على الطاولة بغضب: «وقال إن
هذه أرض أجدادي وآبائي ولا مساومة على أرض التوراة» أو كلمات قريبة منها.
ويفتخر
بيغن باستمرار بأنه تلميذ للأب الروحي «جابو تنسكي» وتقول غولدا مائير
وهي تقف على شاطئ العقبة «إيلات»: إني لأشم ريح آبائي في خيبر. وقال
دايان عند دخول القدس 1967: «من أورشليم إلى يثرب».
إن
حقيقة المعركة أنها محاولة لطمس نور التوحيد وتشويه المنطقة بأحقاد اليهودية التي
ترى أن عجينة فطيرة عيدهم التي يعجنها الحاخام لابد أن تكون بدم مسلم أو نصراني
كما حصل مع «الأب الدكتور توما» الذي ذبحه اليهود في دمشق وعجنوا فطيرة
العيد بدمه.
3-
إن النظرة الصحيحة وهي نظرة كل مسلم للقضية الفلسطينية باستمرار إنها معركة
التوحيد والإيمان، والقرآن الكريم يقص علينا قصة داود عليه السلام -مع طالوت
ومعهم قليل من بني إسرائيل ضد جالوت القائد الكنعاني (والكنعانيون هم السكان
الأصليون لفلسطين) ويقرر رب العزة أن انتصار طالوت وقتل داود لجالوت هو
انتصار للفئة المؤمنة ورفع لراية الإسلام، وإعزاز لدين الله فدخول داود -عليه
السلام- وإقامته دولة الإيمان والتوحيد هو انتصار لنا وانتصار لكل مسلم؛ لأن
قادتنا هم نوح وإبراهيم وداود وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
إن
أمتنا هي أمة التوحيد..
وإن
حزبنا هو حزب الله..
وإن
قادتنا هم أنبياء الله.. عليهم الصلاة والسلام.
وإن
رابطتنا هي المبادئ..
وإن
جنسيتنا هي العقيدة..
و﴿إِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:
92).
ولذا
فنحن الآن أحق بفلسطين؛ لأننا وحدنا نحمل راية التوحيد ونعلي علم الإيمان، ونرفع
شعار الإسلام.
4-
إن فلسطين كانت تحت حكم الرومان والذين حرروها هم جند محمد صلى الله عليه وسلم،
وها هي أضرحة معاذ وأبي عبيدة وشرحبيل وسعد بن أبي وقاص وضرار بن الأزور رضي الله
عنهم على ضفاف نهر الأردن شاهدة على هذا، وخرجت فلسطين مرتين قبل هذه المرة من
أيدي المسلمين وأعادها الإسلام، فأعادها أولًا من أيدي الصليبيين القائد
الكردي -وليس العربي- صلاح الدين الأيوبي.
وحررها
مرة ثانية من أيدي التتار -المظفر محمود قطز- وهو من أبناء ملوك
أفغانستان الذين سباهم أعداءهم وسموا فيما بعد بالمماليك.
ولقد
حافظت تركيا المسلمة -وهي غير عربية- على إسلامية فلسطين أربعة قرون
منذ 1516-1918م وعندما ترك الأتراك فلسطين ضاعت فلسطين ولم تستطع القومية
العربية أن تحافظ على فلسطين ثلاثين سنة فقط.
5-
لقد قرر اليهود إقامة دولتهم في فلسطين بعد مؤتمر بال 1897، وكان في طريقهم
عقبة أداة صلبة وهي السلطان عبدالحميد رحمه الله، فقابله هرتزل مرتين وعرض عليه
عروضًا خيالية مغرية بالنسبة لذلك الوقت فعرضوا عليه:
1-
150 مليون دينار ذهب.
2-
بناء أسطول عثماني.
3- إقامة
جامعة عثمانية.
4- الدفاع
عن سياسة عبدالحميد في أوروبا وأميركا.
5- سد
قسم من ديون الدولة العثمانية.
فكان
رد السلطان عبدالحميد كما شهدت له مذكرات هرتزل -والفضل ما شهدت به الأعداء:
يقول
هرتزل: «ونصحني السلطان عبدالحميد بألا أتخذ أي خطوة أخرى في هذا السبيل؛
لأنه لا يستطيع أن يتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين؛ إذ هي ليست ملكًا له، بل هي
للأمة الإسلامية التي قاتلت من أجلها وروت تربتها بدماء أبنائها، وقال عبدالحميد:
إن عمل المبضع في بدني أهون على من أن أرى فلسطين بترت من إمبراطوريتي. (انظر
مكائد يهودية عبر التاريخ- ص 284).
فليت
قائدًا مسلمًا واحدًا من العرب وقف موقف السلطان عبدالحميد الصلب الذي كلفه عرشه،
فقد دأب اليهود بعدها لإسقاط السلطان حتى سقط في 27 نيسان 1909م.
وفي
اليوم الذي سقط فيه السلطان عبدالحميد «غاب الإسلام عن الوجود وسقطت
فلسطين -حقيقة- في يد اليهود».
6- لقد
قرر العالم كله الوقوف بجانب اليهود في قضية فلسطين، فقد صدر وعد لينين لليهود
بإقامة دول قومية لليهود في فلسطين في أكتوبر سنة 1917م بعد انقلابه
بأسبوعين، وصدر وعد بلفور بإقامة دولة يهودية في فلسطين في نوفمبر تشرين الثاني
سنة 1917م أي بعد وعد لينين بأسبوعين كذلك.
7- إن
هناك اتفاقًا عالميًا بالنسبة للمنطقة يتضمن قضيتين متصلتين:
الأولى: أن
تبقى دولة اليهود.
الثانية: ألا
تقوم دولة إسلامية في المنطقة.
إن
ضرب الحركة الإسلامية في المنطقة وقيام الانقلابات العسكرية كلها على الإطلاق كان
من أجل الحفاظ على دولة اليهود، وإن الشعارات التي رفعت على أيدي أبناء المنطقة
بإيحاءات غربية كلها كانت من أجل تغيب الإسلام عن المنطقة وإبقائها في دوامة فكرية
لا تلتقي على رأي، ولا تجتمع على هدف، ومن هنا كانت شعارات الوطنية والتقدمية
والرجعية، إذ أنهم يطلقون على الإسلام اسم الرجعية، والقومية والعنصرية واليسار
واليمين ويسار اليسار ويمين اليمين، كل هذه لعب غربية لإلهاء الشعوب بنفسها لئلا
تفكر بمصيرها وعدوها، ومن هذه الخدع التفريق بين اليهودي والصهيوني، فاليهودي شريف
والصهيوني إمبريالي.. كل يهودي يعتبر نفسه صهيونيًا، بل صهيون يطلق على الجزء
الجنوبي من القدس «جبل اليبوسيين» وفي التوراة «ترنمي يا ابنة
صهيون، اهتفي يا ابنة أورشليم» (من كتاب جذور البلاء لعبد الله التل- ص141).
يقول
هرتزل: «الصهيونية هي العودة إلى حظيرة اليهودية قبل أن تصبح العودة إلى أرض
الميعاد» (المسلمون والحرب الرابعة ص186). ويقول ابن غوريون: أنا يهودي أولًا
وإسرائيلي بعد ذلك لاعتقادي بأن دولة إسرائيل أوجدت لأجل الشعب اليهودي بأسره
ونيابة عنه. (المسلمون والحرب الرابعة لزهري الفاتح صفحة 123).
9-
إن الضربات المتلاحقة للحركة الإسلامية وعمليات القمع والإبادة لطلائع البعث
الإسلامي كلها من أجل الحفاظ على إسرائيل.
ففي 6 ديسمبر 1948م
صودرت الحركة الإسلامية في مصر ليعقد فاروق والنقراشي الهدنة مع اليهود وقد صدر
قرار حل الجماعة عن السفير البريطاني والفرنسي والأمريكي في فايد.
وفي 12 شباط (فبراير) سنة 1949م
قتل الإمام البنا لتعقد مصر معاهدة رودس مع إسرائيل بعدها بيومين 14 شباط،
وفي سنة 1954-1955م أعدم قادة الحركة الإسلامية وخاصة الذين شاركوا في جهاد
فلسطين وألقي عشرات الألوف من أبناء الحركة الإسلامية في أعماق السجون لتتقدم
إسرائيل سنة 1956م وتحتل حتى قناة السويس.
وفي 29 آب 1966 أعدم
سيد قطب وأصحابه لتتقدم إسرائيل بعدها بتسعة أشهر، وتهزم الدول الثلاثة، وفي
السبعينيات أقدم السادات على إعدام صالح سرية وشكري مصطفى وسجن جماعة الجهاد ثم
ضرب الحركة الإسلامية كليًا سنة 1981م ليتم إجراءات الخيانة بالصلح مع
إسرائيل، ثم واصل حسني مبارك طريق سلفه.
10-
بعد ضرب الحركة الإسلامية في المنطقة لم يبق أمام إسرائيل قوة مسلحة إلا المقاومة
الفلسطينية فضربتها فوق كل أرض تعيش فوقها إما بيدها أو بالقفاز والمخالب والأظافر
التي تمزق بها المسلمين في المنطقة عن طريق عملائها، وكانت نهاية المطاف في بيروت
حينما تكشفت الخيانة ولم يستطع العرب حتى أن يرتبوا مسرحية هزلية لإتمام المأساة
بل سقطت الأقنعة وبانت الوجوه الكالحة والأيدي التي تقطر بالدماء.
وكما
يقول الشاعر:
تلك
المآسي فانظمن حباتها
دررًا لتاجك وارقب الإعصار
11-
وأخيرًا لابد لنا من الاعتراف: إننا كأمة، خذلنا الله فخذلنا ونسينا الله
فنسينا ولم ننصر الله فلم ينصرنا وتعدينا حدود الله فظلمنا أنفسنا وأضعنا دين الله
فضعنا وركنا إلى الذين ظلموا فلم نجد لنا من دون الله أولياء ولم ننتصر.
12-
لابد لنا من الإشارة أن الحركة الإسلامية أسهمت وحدها سنة 1948م كقوة إسلامية
شعبية وكان لها آثار عميقة في فلسطين، وأسهمت عن سنة 1969-1970م في الأردن مع
المقاومة الفلسطينية، ومازالت تربي الشباب وتغرس في أعماقهم روح الجهاد، وترفع
شعار الله غايتنا.. والرسول قدوتنا.. والقرآن دستورنا.. والجهاد سبيلنا.. والموت
في سبيل الله أسمى أمانينا.
13-
إن الطريق إلى فلسطين هو الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله يسبقه إعداد
بالعمل مع الحركة الإسلامية، والتربية داخل صفوفها، وبناء الصف على الأمنية
الكبرى -الشهادة في سبيل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ
وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ. التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة:
111-112)
صدق
الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل