العنوان تلازم العلاقة بين المدائن الثلاث المقدسة: مكة المكرمة.. المدينة المنورة.. والقدس
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1423
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
تعبر العلاقة بين المدائن الثلاث: مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقدس في تلازمها عن حزمة من الإشارات المنقوشة في العقل العربي والإسلامي، فتشابك العلاقة بين هذه المدائن الثلاث يحمل ملفات عتيقة في الذاكرة التاريخية عبر سجل حافل من الحركة التاريخية للإنسان المؤمن في هذه المنطقة.. ويعبر تلازم العلاقة أيضًا عن الاشتراك في قيمة القداسة المكانية لا باعتبارها مسارح للوحي ومهابط له، فعلي أكناف جبالها وفي أحضان أوديتها تمثل الإنسان وحيّ الله تعالى حاملًا رسالة الاستخلاف عن ربه.. وتعبر أيضًا في انتظامها على خط جغرافي ممتد ما بين الجزيرة والشام عن تجسيد لآثار الوحي على الجغرافيا.. وكيف تحركت خطوات النبوة ووراثتها ما بين الشام والجزيرة باتجاه متبادل.
ورحلة الإسراء في هذا السياق تعبير عن هذا التجسيد الروحي، وفي ثنايا السطور المقبلة سياحة تجمع ما بين العقيدة والتاريخ والجغرافيا بين المدائن الثلاث تأكيدًا لمعنى توافق الهوية، وليس أقوى من الدين والتاريخ والجغرافيا في تأسيس البناء الثقافي ورسم وتشكيل ملامح الهوية لأيّ أمة.
مسيرة إبراهيم عليه السلام
بعث إبراهيم أبو الأنبياء وجد نبينا محمد عليهما الصلاة والسلام في أور الكلدانية بالعراق، ولما عانده قومه تركهم مجافيًا وبصحبته ابن أخيه لوط عليهما السلام؛ حيث مكث في حران إلى حين أرتحل إلى الأرض المباركة فلسطين، مهاجرًا إلى ربه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 71)، وتنقل أبو الأنبياء بين مدائن بيت المقدس.. الخليل والقدس ونابلس وبئر السبع وفيها قدم القرابين في المسجد الأقصى لله تعالى في ضيافة الملك الكنعاني الموحّد.
غرست جذور إبراهيم عليه السلام في الأرض المقدسة ورزق فيها بولديه النبيين إسحاق وإسماعيل عليهما السلام بعد أن بلغ المائة من عمره، ثم أرتحل إلى مكة المكرمة في قلب الجزيرة العربية لكي يقيم بناء البيت الحرام هو وولده إسماعيل ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(سورة البقرة: 127)، ويترك ابنه إسماعيل عليه السلام وزوجه هاجر في مكة ليستقرا فيها، ثم يقفل عائدا إلى بيت المقدس مقر إقامته، وكأن الجغرافيا تقول إن حركة إمام الأنبياء من بيت المقدس إلى مكة ليعود ثانية إليها إشارة إلى أنها مركز النبوة ووارثة الرسالة آنذاك.
بناء المسجدين.. اتصال الجغرافيا ووحدة الرسالة
وفي ظل الوحدة الروحية التي تجمع بين هذه الحواضر المقدسة تأتي قصة البناء لتؤكد وحدة الرسالة واتصال الجغرافيا في إطار الوحي وعلى يدي النبيّ الإمام إبراهيم عليه السلام؛ إذ يخبرنا الحديث الشريف رواية عن أبي ذر سائلًا رسول الله ﷺ قال: «قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، قلت كم بينهما؟ قال: أربعون سنة «رواه مسلم»، وهي إحدى صور الوشائج وخيوط الانتماء التي تنسج هوية السكان في المسافة ما بين المسجدين.
الخلافة لمن؟ ولأن إشكالية الوراثة لإبراهيم تشكل مفصلًا مهمًا بل هي لب الصراع الحضاري الإسلامي - اليهودي فإن آيات التنزيل الحكيم تتحدث بإسهاب عن الحركة التاريخية لبني إسرائيل وعن علاقتهم بالأرض المقدسة والأنبياء المسلمين الذين حملوا لهم بركات الوحي.. واستقراًء مجملًا لها تشير الحقائق القرآنية إلى أن هؤلاء القوم كانوا مستخلفين آنذاك ودخلوا فلسطين في زمن استخلافهم ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾(سورة المائدة: ٢١)، لكن بني إسرائيل كفروا وأسرفوا في الفساد لدرجة أنهم قتلوا أنبياء الله بل إنهم أصبحوا رمزًا للفساد والإفساد عبر التاريخ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾(سورة المائدة: 78). ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾(سورة البقرة: 61)، وكعقوبة إلهية لهم على هذا الإسراف في الإفساد نزع منهم شرف الاستخلاف ووراثة النبوة وانتقلت لأمة محمد حتى قيام الساعة، وتأسيسًا على ذلك فلنا أحقية الاستخلاف واستملاك المكان، وذلك مقرر في الوحي دون التباس: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 68).
الإسراء والمعراج
انتقلتْ وراثة النبوة لبني إسماعيل من ذرية إبراهيم عليهما السلام، وتغير مهبط الوحي جغرافيًا من بيت المقدس بالشام إلى مكة بالجزيرة.. ولكن لتأكيد العلاقة الروحية بين الحاضرتين المقدستين جاءت رحلة الإسراء.. إذ يقول الحديث الشريف عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال إن رسول الله ﷺ قال: «أُتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه قال: فركبته حتى أتيت باب المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء «حائط البراق» قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجتُ فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل ﷺ أخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء» «رواه مسلم».
فكانت هذه الرحلة النبوية الخاطفة والمعجزة من مكة لبيت المقدس، ثم عودته لمكة ثانية بعكس رحلة إبراهيم عليه السلام تأكيدًا على تلازم العلاقة بين الحاضرتين المقدستين وإشارة إلى انتقال ميراث النبوة للنبي الخاتم من بني إسماعيل، وهو ما جسدته إمامته ﷺ للأنبياء مجتمعين في المسجد الأقصى في هذه الرحلة.. كما أشارت عودته إلى مكة إلى انتقال مركز الوحي من بيت المقدس إلى مكة.. ورحلة الإسراء في إحدى عبرها تؤكد حقيقة قرآنية على توأمة المسجدين، وأحقية استملاكهما للأمة المسلمة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الإسراء: 1)، وليس هذا فحسب، بل ما يؤكد وشائج العلاقة الروحية اتخاذ المسلمين بيت المقدس قبلة لهم قبل الكعبة الفترة من الزمن، حيث قال البراء بن عازب -رضي الله عنه-: «صليتُ مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا أتم ثم صرفنا إلى القبلة» «رواه مسلم».
وإشارة أخرى لديمومة العلاقة الروحية بين المدائن الثلاث المقدسة يمكن تلمسها في حديث الرسول الكريم ﷺ القائل: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» «رواه البخاري». وقال مؤكدًا على أفضلية هذه الحواضر ومساجدها الثلاثة: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» «رواه البزار والطبراني وهو حديث حسن».
وأكثر من ذلك دعا الرسول ﷺ أمته إلى زيارته والعناية به، فعن ميمونة مولاة النبي ﷺ أنها قالت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، فقال: «أئتوه فصلوا فيه، وكانت البلاد؛ إذ ذاك حربًا، فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرح في قناديله» «رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وفي الزوائد صحيح ورجاله ثقات».
رحلة الفتوحات.. انطلاقًا من المدينة المنورة
انتقل مركز الوحيّ بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة، وأصبحت المدينة الحاضرة الأولى ومركز القيادة النبوية ومن بعدها الخلافة الراشدة.. وفي اتصال تاريخي وروحي انطلقت جيوش الفتح الإسلامي لفتح بيت المقدس وحاصر المسلمون القدس لينهوا الفصل الأخير من انتقال ميراث النبوة إلى الأمة المستخلفة الجديدة.. وقدشارك في حصارها لشرفها أكثر من ثلاثة آلاف صحابي جليل على رأسهم أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح.. ولشرف المدينة المقدسة في الأرض المباركة قدم الخليفة الثاني لتسلم مفاتيحها من بطريقها صفرانيوس، وعلى أكتاف جبل المكبر أجتمع الصحابة الأجلاء وأذّن فيهم الصحابي بلال بن رباح للصلاة، وهي أول مرة يؤذن فيها بلال بعد وفاة الرسول ﷺ. فأثار بصوته الشجي شجون الصحابة واستحضروا ذكرى نبيهم الكريم فيكوا جميعًا، ومع تسلم عمر -رضي الله عنه- لمفاتيح القدس شارع على الفور إلى ساحة المسجد الأقصى وصلى في محراب داود عليه السلام قارئًا سورة «ص» في الركعة الأولى؛ حيث سجد سجدة داود، ثم قرأ في الركعة الثانية سورة الإسراء، ثم سأل عن مكان الصخرة المشرفة التي خرج النبي الكريم ﷺ من فوقها إلى السماء، وكانت قد اختفت معالمها بعد تحويل النصارى مكانها إلى مكب للقمامة، واحد بإزالة النفايات بيديه عن الصخرة وشاركه جموع الصحابة -رضوان الله عليهم- في ذلك تعظيمًا لشأنها وإكرامًا لمكان معراج نبيهم وأمر عمر -رضي الله عنه- ببناء الأقصى من الخشب بما يتسع لحوالي ثلاثة الاف من المصلين، وكتب عهدًا بالأمان للنصارى بالقدس، واشترطوا عليه فيه ألا يساكنهم أحد من اليهود فيما يُعرف بالعُهدة العمرية.
وهكذا فالمدائن الثلاث منتظمة في رباط روحي واحد معتد على خط جغرافي قديم سلكته خُطى أنبياء الله تعالى وأخرهم كان نبينا الخاتم ﷺ. ومع نسخ الرسالات السابقة، وانتقال الإمامة لمحمد ﷺ ولأمته من بعده غدت المدائن المقدسة الثلاث تحت سيادة الإسلام.. ولأمته حق استملاكها ووراثتها، فكما أن مكة المكرمة والمدينة المنورة للمسلمين لا يشك في ذلك شاك، فإن القدس لنا لأنها مسرى نبينا الكريم وقبلتنا الأولى، وفيها أقصانا المبارك وليس هيكلهم المزعوم.