; ( الافتتاحية) القمة العربية هل ستكون سندًا للانتفاضة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ( الافتتاحية) القمة العربية هل ستكون سندًا للانتفاضة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988

مشاهدات 69

نشر في العدد 861

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 05-أبريل-1988

دعت حكومة الجزائر -مشكورة- إلى عقد مؤتمر قمة عربي لبحث الانتفاضة الفلسطينية التي حملت راية الجهاد من جديد في الأرض المقدسة فلسطين، فدوت في أرجائها صيحات "الله أكبر" لا يعلو فوقها نداء. وسقط الشهداء تباعًا وهم يرفعون راية الإسلام المجيدة، "لا إله إلا الله محمد رسول الله" مؤكدين للدنيا أن "جيش محمد صلى الله عليه وسلم سوف يعود". بل إن طلائعه المباركة قد عادت بالفعل لتزلزل كيان أعداء الله اليهود.

ونحن على يقين أن كل حر غيور في أمتنا يستشعر جسامة المسؤولية التي تقع على عاتق أبناء الأمة -حكامًا ومحكومين- في هذه المرحلة البالغة الصعوبة من تاريخها، والتي حقق فيها شعب فلسطين المعجزة ووقف -وحيدًا أعزل- يقارع الصهيونية المرتبطة بأعتى قوى البغي الدولي بعد أن أسفرت مؤتمرات القمة العربية السابقة عن دعوات لمواصلة المضي في مسيرة الحل السلمي ومهادنة العدوان الصهيوني. تلك الدعوات التي يعلم الجميع أنها لم تزد العدو إلا استكبارًا وابتزازًا وصلفًا، ولم تحقق للعرب سوى المزيد من التراجع وخلخلة صفوفهم والتشكيك في جدوى صمودهم في وجه أطماع أعداء الإنسانية.

وإن أمانة الإسلام تقتضي منا مصارحة أمتنا بأن السياسات التي انتهجها العرب منذ قيام الكيان الصهيوني بين ظهرانيهم، كانت قائمة على دفن الرؤوس في الرمال، وعلى الاكتفاء بترديد كلمات الاستنكار والاستهجان بعد وقوع كل جريمة جديدة للصهيونية، وكلما أمعن اليهود في تشريدنا وتقتيل أبنائنا هي التي شجعت أعداءنا على المضي في تحقيق مخططاتهم لإقامة دولة اليهود على كل مساحة المشرق العربي بما يسمى "إسرائيل الكبرى" ليتسنى لهم بعد ذلك تحطيم الأمة الإسلامية بأكملها -لا قدر الله-.

ولكي يصبح لعقد مؤتمر القمة العربي القادم معنى كبير، فإن هناك أمورًا ينبغي أن تكون مستقرة في قناعة قادة العرب منها:

•       إن الجهاد -يقينًا- هو السبيل الوحيد لاستخلاص الحقوق وتحرير الديار المقدسة ومجابهة التحدي الذي يتضاعف يومًا بعد يوم، والجهاد يقتضي -بادئ ذي بدء- تهيئة الشباب لأداء دورهم في الدفاع عن أمتهم بصورة كاملة والتخلي عن مظاهر الترف والتبذير التي أصبحت طابعًا مميزًا لأكثر مجتمعاتنا في الوقت الحاضر.

•       حشد طاقات الأمة من خلال خطة شاملة ينبثق عنها إنشاء قيادة عسكرية مشتركة تضم كافة الدول العربية -وليس فقط دول المواجهة حيث إن الخطر الصهيوني بصورته الحاضرة جعل جميع الدول العربية ضمن خطة المواجهة- وهذه القيادة تتولى الإشراف على تمويل وتسليح وتدريب فرق من الجيوش العربية، تخصص لمواجهة العدوان الصهيوني المستمر على بلادنا وإعداد تلك الفرق لحماية الأمن العربي الشامل.

•       التوقف عن الركون إلى الحل السلمي واستجداء مساندة الدول الكبرى في هذا السبيل، وعن حصر كل آمال الأمة العربية في انعقاد المؤتمر الدولي وتعليق مستقبلها على انعقاده، ولا بد من التوقف لتقييم نتائج ما وصلنا إليه، وكذلك لوضع الخطط الجادة البديلة؛ لأن كل الجهود المبذولة فيما يسمى بالحل السلمي حتى الآن ليست سوى إضاعة للوقت وابتعاد الأمة عن جادة الحق والصواب، وينبغي أن يعلم أعداؤنا أن لهذا التلهف على الحل السلمي نهاية محتومة، ليس بعدها سوى المواجهة الجادة والقتال الضاري لاسترجاع حقوقنا.

•       ضرورة تقييم علاقات العرب مع الولايات المتحدة الأمريكية على ضوء الارتباط الكامل لها مع العدو الصهيوني، وإعلانها الحرب على شعب فلسطين وتنكرها للحقوق العربية في فلسطين، وسعيها لإخضاع دول المواجهة لحساب اليهود وشطب القضية الفلسطينية إلى الأبد، وتعطيل دور الأمم المتحدة فيها إلى غير ذلك من مواقف معروفة.

إن اليهود هم -تاريخيًا- محركو الفتن ومثيرو الحروب وأهل الغدر والدس والخيانة والإجرام وقتلة الأنبياء ومحرفو التوراة وعبدة الطاغوت وأخيرًا مغتصبو بيت المقدس الذي قال تعالى في شأنهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة:64). صدق الله العظيم.

ألا تكفي تجارب 40 عامًا مريرة منذ قيام كيانهم على أرض فلسطين ليعلم العرب والمسلمون أنهم لن يستعيدوا حقوقهم وأراضيهم من هؤلاء سوى بالجهاد الشاق وبقبول التحدي وبعدم التسويف والتأجيل وخداع النفس بالحلول السلمية والمفاوضات وكافة الوسائل التي يمارسها العدو حتى الآن لتضليل ضحاياه والتغرير بهم ثم مداهمتهم بالغزو بين الحين والآخر؟

إننا نقول لكل من يتوهم بجدوى اللهاث وراء الحلول السلمية واعتبارها بديلًا عن إعداد الأمة بالجهاد لمقاومة عدوها، ولكل من يظن أنه بذلك يحسن صنعًا لأمته، إن تأجيل قبول التحدي يحمل بين طياته الطامة الكبرى لشعوبنا المغلوبة على أمرها. إن السكوت عن الحركة العنصرية النازية ومهادنتها في الثلاثينيات من هذا القرن كان هو السبب الأساسي في اندلاع الحرب العالمية الثانية، فقد تم اجتياح النمسا ولم يتحرك أحد، ثم تم ابتلاع تشيكوسلوفاكيا ولم يتحرك أحد، ثم حدث اكتساح بولندا ليفتح الباب على مصراعيه للحرب الكونية التي راح ضحيتها -آنذاك- عشرات الملايين من البشر.

وكذلك فإن مهادنة الحركة العنصرية الصهيونية أسفر -فيما مضى- عن اجتياح الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء عام 67، ثم عن اجتياح لبنان عام 82، وإذا استمر الحال على ما هو عليه من استجداء أمام العدو واستجداء الحل السلمي منه، فإن ذلك سوف يدق -دون شك- أبواب الحرب العالمية الثالثة. فالصهيونية كما هو ثابت من كل تصرفاتها لا يهمها في سبيل تحقيق أهدافها أن تنهار كل المؤسسات الدولية، وأن تشعل أية حروب تقربها من تحقيق أطماعها الإجرامية ودولتها الكبرى.

كلمة أخيرة:

إن مؤتمر القمة العربي المقبل على مفترق طريقين: أولهما: الالتحام بالانتفاضة الفلسطينية، وتحمل مسؤولية مجابهة التحديات الصهيونية بما يتناسب مع حجم تلك التحديات، وما يستتبع ذلك من ضرورة إحداث تحول جذري في سياسات التصدي للعدو بحيث يتم حشد كل إمكانات الأمة. وثانيهما: تجاهل كل التفاعلات التي بدأت تطرح نفسها بقوة على الساحة الفلسطينية، وتكرار المقررات والمواقف السابقة التي لم تقربنا من استرجاع حق أو من ردع عدو. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن الموقف خطير. بل هو أخطر مما يتوهم الكثيرون، ويحتاج منا أن نثبت -بحق وصدق- أننا سوف نكون ظهيرًا لإخواننا المحاصرين المرابطين في الديار المقدسة، وأننا مصممون على الدفاع عن أرض الإسلام المباركة، وعن أعراض المسلمين وعن أجيالهم القادمة مهما بلغت التضحيات.

هذا هو خيارنا الوحيد، وهذا هو قدرنا، وإن لم ننطلق في هذا الاتجاه فلنحذر قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة:39). صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين