العنوان القنبلة الذرية.. بعد التفوق التكنولوجي! مطلوب «عبور نفسي» لخطوط الوهم!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
مشاهدات 123
نشر في العدد 177
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
صياغة الخبر الموجه.. فن قائم بذاته.. يتخذ قنوات
الإعلام طريقًا إلى الذيوع.. ولكنه في حقيقته «مادة» سياسية تهدف إلى صناعة رأي
عام.. أو التأثير فيه.. أو تحويله من موقف.. إلى موقف آخر.
خبر ما يصنعه العدو... فيلتقط الواقف على الطرف
المقابل من حالة العداء.. هذا الخبر.. ويذيعه.. ويحقق بذلك أهداف خصمه.
وقع الإعلام العربي في هذا الخداع السياسي -
الإعلامي أثناء حرب رمضان وبعدها.
ووقوع المخلصين - وإن كان الإخلاص لا يبرر السذاجة
- في هذا الخداع.. أو استجابتهم لهذا الاستدراج.. شيء يختلف تمامًا عن موقف الذين
يعرفون وينشرون الخبر عمدًا.
أثناء الحرب نشر خبر عن وصول إمدادات عسكرية سوفيتية
لمصر وسوريا.. وكانت جريدة «النهار» اللبنانية صاحبة هذا «السبق». ولم تمضِ
ساعات.. حتى قفز هذا الخبر إلى مقدمة الأخبار في إذاعة العدو.. وإذاعة لندن..
ووكالات الأنباء وخبريات الصحف. ولم تمضِ ساعات حتى أقامت أمريكا جسرها الجوي؛
لتزويد العدو بما يريد من السلاح والرجال.
أسباب دعم أمريكا للعدو عتيقة ومعروفة.. وكان هذا
الخبر.. والضجة حوله مناسبة.. لا سببًا.. مناسبة سياسية.. وغطاء إعلامي؛ لتدفق
الأسلحة الأمريكية على العدو.
ها هو: الاتحاد السوفيتي - بشهادة سبق صحفي لجريدة
عربية - قد دخل الحرب… مع العرب!
التوازن في المنطقة اختل!
اليهود وحدهم يقاتلون العرب.. ويقاتلون روسيا معهم!
تدخل أجنبي خطير.. في صراع إقليمي.
لقد فتح الخبر الخبيث.. أوسع الأبواب لهذه الحملة
السياسية والإعلامية المركزة.. والتي كانت مجهزة سلفًا.. فيما يبدو.. لهذه
المرحلة.
إن بداهة المصلحة تقرر أن ليس للعرب.. أية مصلحة في
نشر هذا الخبر.. بل تقرر أن العرب هم الخاسرون من نشره.. وأن الأعداء هم
المستفيدون.
حقيقة أن جبهتنا لا تزال مليئة.. بالثغرات
والخروق.. في الوعي والانتباه.
● الإعلام العربي يقول لنا:
إن شعبية وزير دفاع العدو موشي ديان في انخفاض.. لماذا؟
لأن مؤيديه في شن الحروب ضدنا كانوا قبل الحرب 80%
وأصبحوا بعد الحرب 70%.
70% من اليهود يدعمون موشي ديان في شن حروب ضدنا..
وهذه النسب الكبيرة جدًا.. لا يعتبرها الإعلام العربي.. خطرًا يقتضي الحذر والجد..
وإنما هذه في تقديره مؤشر إلى قدوم الطمأنينة.. والاسترخاء.
70% من اليهود يريدون قتلنا.. ثم يجيء الإعلام
العربي ليبشرنا بالوداع والسلام.
مات الذين يستحون. هذا مثل يضرب. فهل نقول: مات
الذين يفهمون؟
إن تأييد 70% من اليهود لقائد عصابات الإجرام موشي
ديان.. يشكل وضعًا قتاليًا متحفزًا.. حتى في تصور الذين يملكون 3% من العقل.. و31%
من الوعي و4% من الإخلاص.
نتيجة الاستفتاء هذه معناها أن الأكثرية الساحقة من
اليهود يرقصون على طبل الحرب. معناها: أن جنرالات العدو لا يقودون اليهود بالإكراه
إلى الحرب.. كما يزعم الإعلام السطحي.. هؤلاء الجنرالات يعبرون عن الاتجاه اليهودي
العام نحونا.. ويلبون رغباته في شن الحروب يعبرون عنه علينا. معناها.. التنافس -
بين قادة العدو - على كسب هذه الأكثرية المتعطشة للدم.. في الانتخابات. وسيمارس كل
مرشح أقصى درجات التشدد.. ويعطي أكبر قدر من الوعود المتمشية مع الاتجاه العام..
لناخبيه والمصوتين له.
إن شعار الناخبين اليهود هو: اقتل عربيًا.. أعطِك
صوتی، عدني بطحن عظام العرب... أمنحك ثقتي.
● ومن المآزق السياسية التي..
سحبت دواماتها أقدام العرب.. المبالغة في تقدير خسائر العدو.
لقد انتقلنا من مرحلة فقدان الثقة إلى مرحلة
الإفراط... والغلو في تقدير أنفسنا. والمبالغة في تقدير خسائر العدو أتت من الرغبة
العارمة في تضخيم انتصاراتنا. إذ كلما كثرت خسائر العدو.. راح التفكير يكمل صورة
الانتصار.
لماذا نعمد.. إما إلى الحط من قيمة أنفسنا.. أو
المبالغة في تمجيد الذات؟؟
إن التقدير الخاطئ.. اتجاه مدمر.
بالنسبة لنا ذاتيًا.. يورثنا الغرور.. ويدفعنا إلى
تحويل الأمنية.. إلى واقع. تحويلها في الحلم والخيال.
بالنسبة لعدونا.. يستغل أخطاءنا.. ويفيد منها
ويستثمرها جيدًا.. أفاد العدو من مبالغتنا كثيرًا فقد انطلقت لجان جمع التبرعات
اليهودية في العالم.. تقدم كشوفات بالخسائر وتطلب التغطية والتعويض.
وبعد الحرب.. سيطرت البلادة على بعض الصحف فنشرت
خبرًا يقول: إن مصر ضربت العمق الإسرائيلي بالصواريخ.. سارعت الصهيونية العالمية..
إلى الرأي العام العالمي.. وإلى المؤسسات الإنسانية وهي تصيح: المصريون ضربوا
أعماقنا أيضًا. فلماذا نتهم نحن فقط بضرب المنشآت المدنية في سوريا؟
● وهذا نموذج من الأخبار أو
التقارير الإخبارية التي تتولى التمهيد لعمل سياسي ما.. وتسقي الأمة جرعات قبول الضيم
بتدرج.. وعلى مهل.
منذ اندلاع الحرب.. أخذ مدمنو المذلة والهوان..
الذين يرون - من طول الفهم للخنوع - الحرية.. عيبًا.. والجهاد من أجل الحق شجارًا
لا معنى له. أخذ هؤلاء.. يهيئون الأمة.. ليس لمرحلة السلام المزعوم وإنما للمرحلة
التي تليها. يهيئون جو الاسترخاء للجيوش العربية.. فلا تتعب في تدريب ولا تسليح..
اعتمادًا على كلمة «شرف من العدو». بينما العدو.. يواصل التدريب والتسليح حتى ينقض
على العرب من جديد.. فيلفي الساحة خالية.. ويتحرك في فراغ.
في عددها 889 - 23 - 11 - 1973 كتبت مجلة «الحوادث»
اللبنانية تقريرًا إخباريًا بهذا العنوان المثير:
إذا حل السلام في المنطقة فهل تستمرون في تسليح
الجيش؟ والسؤال موجه إلى وزير الدفاع اللبناني.
ونص السؤال هو: المنطقة مقبلة على مفاوضات قد تؤدي
إلى سلام دائم وحل للمشكلة. وفي هذه الحالة.. أي في حالة السلام هل سيستمر لبنان
في سياسته الرامية إلى شراء الأسلحة ووضع خطة دفاعية بنفس النسبة التي تفرضها
حالات الحرب؟!
ما فيه صبر! من الآن يروضون عقول العرب ونفوسهم على
تقبل فكرة «تسريح» الجيوش.. تسريح الجيوش العربية طبعًا.. لا جيش العدو.
القنبلة!
• «تسلسل غريب». عام 1948.. احتل الغزاة فلسطين..
وجاءت الهدنة ثم قيل: إن هذه الفترة استعداد لحرب قادمة مع العدو. عام 1956..
وبحكم المصلحة المشتركة شن العدو - بالاشتراك مع فرنسا وبريطانيا - حربًا ضد مصر..
وفي تلك الحرب احتل خليج العقبة.. ثم توقفت الحرب... وجاءت قوات الطوارئ الدولية..
ثم قيل: إن الفترة التالية استعداد لحرب قادمة مع العدو. عام 1967 شن العدو حربًا
ضد مصر وسوريا والأردن واحتل الجولان، وسيناء، والضفة الغربية، والقدس.. ثم جرى
وقف إطلاق النار.. ثم قيل: إن الفترة التالية استعداد لحرب قادمة مع العدو.
ثم نشبت حرب رمضان من هذا العام.. فأوقف إطلاق
النيران.. وأسفرت الحرب عن وضع أخطر من حالة اللاسلم واللاحرب.. ثم انتشرت حكايات
امتلاك العدو للقنبلة الذرية يعني - بصراحة - إن الحرب أصبحت مستحيلة.. وليس أمام
العرب إلا الخضوع للعدو تحت ضغط الرعب الذري. يعني - بصراحة - أن الذي ينادي بقتال
العدو مخبول أو مجنون. يعني - بصراحة - أن الفرصة ضاعت تمامًا من العرب فقبل صناعة
القنبلة الذرية.. لم يستطع العرب تحرير فلسطين.. ولا تحرير الأراضي الأخرى. وكانت
هذه الفترة هي فرصتهم الوحيدة.. أما وإنها قد ضاعت.. فهذه غلطة العرب.
وبعد صناعة القنبلة الذرية يقال: إن هذا السلاح
يجعل الحرب مستحيلة في المستقبل.
تسلسل غريب فعلًا. هل كان تأجيل التحرير إلى يوم
الناس هذا من أجل أن يقال للناس: ضاع ماضيكم.. ولا أمل لكم في المستقبل.
• حاولوا أن يلقوا الرعب في نفس الأمة، الرعب من
التفوق التكنولوجي والرعب من التفوق الجوي... والذهنية التقنية التي يتمتع بها
العدو. حاولوا تثقيف الأمة بهذه الأساطير. وفي لحظات - في مطلع حرب رمضان - قامت
الأمة بعملية عبور أهم من عبور القناة. وهو العبور النفسي.. لمهاوي وخطوط الوهم
والوهن وبالصدمة الأولى اتضح أن اليهود بشر.. يموتون ويخافون.. ويهربون.. ويرفعون
أيديهم بالتسليم... ويخضعون للأسر.
ومن التخويف بالتفوق التكنولوجي.. انتقلنا إلى
التخويف.. بالقنبلة الذرية. والدعوة إلى أن يمتلك العرب القنبلة الذرية ابتغاء
«سلام دائم» مع العدو.. دعوة فيها سذاجة.. وفيها عجز عن الإفادة من توازن الرعب
الذري. سذاجة؛ لأن العدو لن يتخلى عن أطماعه أبدًا.. والزمن بالنسبة له فرصة تنظيم
نفسه.. وتصعيد إمكاناته العسكرية والبشرية.. بجسور السلاح.. وبالهجرة. لن يتخلى
العدو عن أطماعه إلا بشرط واحد هو: أن تكون الحكومة المركزية التي تحكم الشرق
الأوسط في القدس المحتلة، ومن هناك يشرف اليهود - بالسيادة المطلقة - على شؤون
المنطقة.. وملامح هذه الأطماع مودعة في كتاب اسمه «إسرائيل عام 2000».
نصيب مصر.. الأيدي العاملة وإنتاج القطن والأسمنت
والحديد.
لبنان وسوريا والأردن... لصناعة الأغذية..
والصناعات الخفيفة.
العراق.. للزراعة.
أما اليهود فيتفردون بأمرين فحسب: الإلكترونيات..
والرعاية الصحية. أي السيطرة على عمق المنطقة.. وعافيتها. هذه دراسة مستقبلية
تضمنها كتاب «إسرائيل عام 2000».
وتلك الدعوة عجز عن الإفادة من توازن الرعب الذري
فحين يمتلك العرب كما يمتلك اليهود قنبلة ذرية تستحيل الحرب الذرية فقط. ويفتح
الباب أمام الحروب التقليدية. وهذه فرصتنا.. إمكانات مادية. وبشرًا.
• ونسأل: لماذا هذا الكلام المكشوف عن أسلحة ذات
أهمية استراتيجية بالغة؟
إن التنافس الصحفي على المصادر العليا للأخبار لا
ينبغي أن يطغى على مصلحة الأمة.. واعتبارات الأمن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل